شكلت سياسات وتصريحات ولي العهد السعودي على مدار العامين الأخيرين منعطفًا استثنائيًا في طريقة إدارة شؤون المملكة؛ فالأمير الشاب لم يتبع نفس خطوات أعمامه أو والده؛ وكسر كُل التقاليد الراسخة التي تشكلت على مدار عقود؛ حتى بات يُنظر له من جانب دوائر بحثية وأجهزة استخباراتية بأنه خطر على مستقبل المملكة.

لم تكن هذه السياسات وطريقة إدارة شؤون المملكة من جانب الأمير الشاب منفصلة عن سنوات صباه والطفولة التي لا شكّ أنّها شكلت جزءًا رئيسيًا من وعيه بالأمور من حوله، وتُمثل مرجعًا أساسيًا لتفسير بعض من أوامر هذا الشاب السعودي، الذي بات في غمضة عين صانعًا للقرار في عُمر الثلاثينيات لأحد كُبرى العواصم العربية، وأكثرها تأثيرًا في محيطها الدولي والعربي.

يحاول التقرير التالي تتبُّع سنوات طفولة الأمير الشاب، وكذلك معايشة فترة شبابه إبان دراسته الجامعية، ورصد أبرز العوامل التي شكلت دوافع رئيسية لتشكيل شخصيته.

طفل يلعب مع الخدم ويُصادق «الحرس الملكي» ومدير القصر

لم يكن حال محمد بن سلمان حال الأطفال الطبيعيين الذين يتمتعون بعقد صداقات مع أقرانهم في مستوى مادي واجتماعي مشابه؛ فقد كان معزولًا مُعظم وقته داخل القصر رفقة أبناء الخدم المسؤولين عن تلبية احتياجاته؛ إذ كان الخدم وأبناؤهم، إضافة للحرس الملكي، هم رفقاؤه في هذه المرحلة من حياته؛ ويقضي معظم وقته في ممارسة لعبة البلايستيشن معهم. وقد كان ابن سلمان آنذاك، مولعًا بلعبة «سونيك ذا هيدجهوج»، التي يُشكل شخصية «سونيك» الذي يحاول دومًا إنقاذ عالمه وأصدقاءه، البطل الرئيسي فيها.

إلى جانب أبناء الخدم، كان أعضاء الحرس الملكي داخل القصر الذي عاش فيه ولي العهد سنوات طفولته في المدينة المنورة، من المُحببين إلى الأمير الشاب آنذاك؛ إذ كان يقضي معهم أغلب الوقت، غير عابئ بمتابعة دروسه، يتبادل معهم عبر هواتفهم اللاسلكية، نكاتًا حول معلميه الذين كانوا يتوافدون على القصر، للتدريس له.

وكان ولي العهد السعودي مُحاطًا في سنوات طفولته ومراهقته بأشخاصٍ من خارج آل سعود، استطاعوا أن يحظوا بثقته؛ على رأس هؤلاء كان: منصور الشهري، مدير القصر، الذي عاش فيه ولي العهد السعودي، سنوات طفولته، ويقول عنه مُعلم الأمير الشاب في مقال منشور له على موقع «بي بي سي» عربي :«رجل في منتصف العمر كان الأمير محمد الذي كان يبلغ ١١ عامًا آنذاك، مقربًا إليه ومغرمًا به».

ولي العهد السعودي في سنوات طفولته مصدر الصورة :موقع الرجل السعودي

وربما يُفسر ذلك سياسة ولي العهد السعودي، منذ صعوده سُلم السُلطة، وثقته المُطلقة في أشخاص من خارج آل سعود؛ مثل سعود القحطاني، وتركي آل الشيخ، اللذين من نفس جيله، ولا ينتميان لأسرٍ نافذة داخل السعودية، واعتادا دومًا المبالغة في تمجيد الملك وولي العهد.

كما منح ولى العهد أيضًا صلاحيات إدارة شركاته وثرواته وبعض أصوله في الخارج، لشخص من خارج دوائر العائلة الحاكمة، هو بدر العساكر، الذي زامله في الكلية، وعينه بعد ذلك مديرًا لمكتبه.

وقد أشارت الشهادات إلى اضطلاع الأشخاص الثلاثة الذين تمتعوا بصلاحيات مفتوحة بالمهام الرئيسية في تعذيب أبناء عمومته من الأمراء خلال فترة الاحتجاز بفندق «ريتز كارلتون»، فضلاً عن مُباشرة التحقيقات معهم تحت بصر وعلم ولى العهد الذي شاهد ممارسة مستشاره عبر كاميرات مُثبتة على غرف التحقيق.

القتل الذي ألفه المُراهق السعودي تحوّل إلى نهج حياته

«الإعدام لغة يفهمها شعبي»، كان هذا ما قاله الأمير الشاب تعليقًا على حوادث الإعدامات المتكررة في المملكة، خلال إحدى مقابلاته في 2016، والتي جلس فيها مع محاوريه وسط عشرات من حاشيته التي ملأت الغرفة، بينما كان صوته الوحيد هو المُهيمن.

مقطع فيديو لولى العهد خلال سنوات طفولته في إحدى حفلات التخرج بمدرسته

هذا المشهد فسره نيكولاس بيلهام، المتخصص في اقتصاد الشرق الأوسط، والصحافي بمجلة «الإيكونوميست»، وأول من التقاه داخل قصره بالرياض وسط حاشيته، بالقول: «إذا كان سيبقى في السلطة؛ فكان من الواضح وقتها أن الموت سيكون أداة من أدوات سياسته».

ويمكن القول بأن الانتقام والقتل لم يكونا أمرين عابرين في حياة ولى العهد السعودي منذ سنواته الأولى؛ فقد كان ذلك خياره المُفضل تجاه كُل مخالف لأوامره أو تعليماته؛ وهو الأمر الذي بدت ملامحه في عامه السادس عشر حين نشأ نزاع قانوني حول صفقة أرض كان طرفًا فيه؛ فـقرر الذهاب إلى مكتب القاضي الأعلى، ووضع رصاصة على المكتب، في رسالة ضمنية، مفادها: «إما نفعل ما نريد، أو تحصل على هذا»، وفقًا لرواية أحد أمراء آل سعود لموقع «واشنطن بوست».

ولعل تلك النزعة المتجذرة في شخصيته خلال سنوات مراهقته انعكست بصورة واضحة على ملامح سياسته بعدما صعد لمنصب ولي العهد السعودي، وأصدر قرارًا في الصيف الماضي بتشكيل خلية خاصة مكونة من 50 موظفًا سعوديًا داخل البلاط الملكي، تحت إشراف سعود القحطانى، والتي عرف فيما بعد أن مهمتها اغتيال المعارضين سواء داخل المملكة أو خارجها.

إذ كان واحدًا من مهام هذه الفرقة المعروفة بـ«النمر»؛ اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي بالقنصلية السعودية في إسطنبول، وذلك بعد إرسال 15 عضوًا من الفرقة، لتنفيذ هذه المهمة، وهم الأعضاء نفسهم المتهمين بتدبير هذه الحادثة.

ماذا يعني إعلان مجلس الشيوخ مشاركة ابن سلمان بقتل خاشقجي؟

ظلُ أبيه.. والأقل نبوغًا بين إخوته

لم يكن اختيار محمد بن سلمان لمنصب ولي العهد من جانب والده مرتبطًا بنبوغ وتفوق استثنائي عن إخوته؛ فالأمر كله كان مرتبطًا بتفضيل شخصي للأب وضغوط من والدته، زوجة الملك الثالثة والأخيرة، الأخيرة فهدة بنت فلاح بن سلطان، والتي عملت جاهدة للترويج له وريثًا والده، وفق دبلوماسيون غربيين يعرفون العائلة.

ولي العهد السعودي في سنوات طفولته مصدر الصورة :موقع الرجل السعودي

«إنه ابنها الأكبر، بالنسبة إليها هو مجدها في نهاية الأمر»، ترسم الجملة السابقة المنقولة عن أحد الشركاء الذين عملوا طويلًا وبشكل وثيق مع العائلة الحاكمة، دور والدة ولي العهد السعودي في منح ولدها الأفضلية في الصعود للسلطة.

لاحقًا؛ لم تسلم أمه التي مهّدت الطريق له نحو السلطة، من غضبته التي نالت كُل منتقد له، حتى وإن كان هذا النقد يتعلق برغبة في تصحيح مساره مثلما فعلت والدته، فقد ذكرت شبكة «إن بي سي نيوز» الأمريكية، أن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، يحتجز والدته الأميرة فهدة بنت فلاح بن سلطان آل حثلين، ويمنعها من لقاء الملك سلمان بن عبد العزيز منذ أكثر من عامين؛ خشية معارضتها لخطواته السريعة المتلاحقة من أجل اعتلاء العرش السعودي وتفكيك الأسرة الحاكمة.

«إن بي سي»: مسؤولون أمريكيون: محمد بن سلمان يحتجز والدته ويخفيها عن الملك

وقد بدت هذه المساحة الممنوحة لولي العهد منذ سنوات طفولته، وتمثلت في السماح له بفعل ما يحلو له من تجاوزات خلال أوقات الدروس، على خلاف أشقائه الملتزمين بالاستماع للدروس، والجلوس في صمت.

إذ لم يكن الأمير الشاب الأكثر نبوغًا من بين إخوته الثلاثة الكبار غير الأشقاء؛ فسيرهم التعليمية أكثر تميزًا من شقيقهم الذي سار في مسار تقليدي، طالبًا بمدارس الرياض، أو في مرحلته الجامعية والتي حصل منها على بكالوريوس القانون من جامعة الملك سعود في الرياض، إذ لم يدرس خارج المملكة أبدًا. وقد أتاح بقاء الأمير الشاب داخل المملكة مرافقة والده؛ لينال محبة استثنائية منه، وتفضيلًا عن كافة أشقائه؛ ويصير مُساعدًا له بالتوازي مع عمله الخاص في تجارة الأسهم والعقارات.

وبـحسب سايمون هندرسون، مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في «معهد واشنطن» للأبحاث: «فإن الصعود السريع جدًا للأمير يرجع إلى علاقته الوثيقة مع والده، الذي يبدو أنه يحبه بشغف وقوة. ويبدو أن الملك قد وضع مسارًا مهنيًا خاصًا له، دونًا عن أبنائه الآخرين».

«كونه صاحب الملك سلمان بشكل دائم – يمكنك تخيل ما قد تعلمه»، حسبما قالت د. سلوى الهزاع، طبيبة العائلة الملكية وعضو مجلس الشورى الاستشاري المعين من قِبل الملك: «هل تحتاج إلى شخص تعلم في الولايات المتحدة، أم إلى شخص كان ظلًا لوالده؟».

ما تحكي عنه طبيبة العائلة المالكة تجلى في حضور محمد بن سلمان خلال سنوات المراهقة، الاجتماعات مع والده، حين كان آنذاك أميرًا لمنطقة الرياض، فضلًا عن ملازمة الملك لنجله في حفلات التخرج، ومواظبته على حضور كل اجتماعات الجمعية العمومية للمدرسة التي يدرس فيها نجله، والمتابعة الدورية مع معلميه.

قدرته على كسب ود والده بملازمته دومًا حرص على تعزيزها بالنمطية في حياته عبر الاهتمام بصورته؛ شاب لا يدخن أو يشرب مشروبات كحولية، إلى جانب تفضيله دومًا العودة لمنزله في وقت مُبكر.

وأشقاؤه الثلاثة هم: الأمير سلطان بن سلمان آل سعود، 61 عامًا، عقيد سابق بالقوات الجوية السعودية، رائد فضاء سابق كان على متن مركبة الفضاء «ديسكفري» عام 1985، ويترأس الآن وكالة للسياحة والآثار. والأمير عبد العزيز بن سلمان، والذي يعتقد أن عمره حوالي 58 عامًا،  نائب وزير النفط وناصر جهود تحديث الصناعة. أما الأمير فيصل بن سلمان، 44 عامًا، فيحمل درجة الدكتوراة في العلوم السياسية من جامعة «أوكسفورد»، وكان زميل أبحاث بجامعة «جورجتاون»، وأسس واحدة من أكبر شركات الاستثمار السعودية، «جدوى».

السفير «خالد بن سلمان» .. هل يُكرر أسطورة «بندر بن سلطان» في العاصمة الأمريكية؟

بدوره، يقول ساري حنفي، أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية ببيروت، في تصريحات خاصة لموقع «ساسة بوست» أن: «التعليم في المراحل الأولى وشكل الطفولة يؤثر بلا شك على حياة صاحبه في المراحل اللاحقة، مشيرًا إلى أن كُل عوامل التربية والبيئة المُحيطة بالشخص، عوامل أساسية في تشكيل وتفسير جزء من سلوكه في كُل مراحل حياته».

بينما يوضح يوسف جميل، استشاري الطب النفسي اللبناني، في تصريحات لموقع «ساسة بوست» أنه: «لا شك بأن الحياة الاستثنائية من مُعايشة الحرس الملكي، ومصادقتهم له في مراحل حياته الأولى على خلاف أنماط حياة الأطفال الطبيعيين، انعكست على سلوكه فيما بعد، من حيث الرغبة الدائمة في القفز على مراحل حياته، التي يسير فيها أي إنسان بشكل طبيعي ومتدرج، وذلك باستخدام كُل الوسائل الشرعية وغير الشرعية، من محاولة تعجيل الأحداث، إلى جانب تعزيز الحس السُلطوي داخله».

ويُضيف: «أنت تتحدث عن طفل لم يعش طفولة طبيعية؛ الجميع يخضع له، والد وأم وحرس ومُعلمون؛ لذلك طبيعي أن ننتهي إلى هذا الشخص الذي يقتل ويروع ولا يقبل نقد؛ موضحًا أن بعض الأمراء يعيشون حياة كهذه، لكنهم يسافرون لفترة من مراحلهم العمرية إلى الخارج، من أجل استكمال تعليمهم، والتي تنعكس على كسر هذه الصفات فيهم، والذي لم يتحقق في ولي العهد الذي عاش طيلة السنوات الماضية في السعودية».

امراة واحدة في حياة ولى العهد.. السير على تقاليد «الحياة المعاصرة»

على خلاف بقية أفراد عائلة آل سعود في الزواج من أكثر من امرأة؛ اختار ولي العهد زوجة واحدة وهي ابنة عمه الأميرة سارة بنت مشهور؛ وهو الخيار المرتبط في ذهنه بالتماهي مع تقاليد «الحياة المعاصرة» في الغرب؛ والتى قال عنها: «بالرغم من أن الإسلام يسمح بالزواج بأكثر من امرأة ولكن الحياة الحديثة لا تترك الكثير من الوقت للزواج بأكثر من واحدة».

وقد شكلت رغبة ولي العهد في التماهي مع الحياة المُعاصرة بعدًا رئيسيًا في منظوره للقضايا الداخلية والخارجية؛ والتي كسر فيها التقاليد الراسخة لأعمامه في إدارة شئون البلاد.

Embed from Getty Images

صورة لولي العهد السعودي خلال إحدي زياراته الخارجية

أحد أبعاد هذه الحياة المُعاصرة التي حاول التماهي معها تمثلت في إعجابه بهاتف «أيفون» والمنتجات الأخرى لشركة «آبل» منذ سنوات مراهقته، وحالة الإعجاب الشديدة بدولة اليابان، التي تُمثل دولته المُفضلة؛ إذ اختارها لقضاء شهر العسل مع زوجته. وقد شكل هذا الانبهار بالنموذج الياباني دافعًا لولي العهد السعودي منذ صعوده على سُلم السلطة في تنظيم أكثر من زيارة رسمية لطوكيو، فضلاً عن توقيع مذكرة تفاهم حول مشروع تعاون بين حكومة المملكة العربية السعودية وحكومة اليابان حول تنفيذ الرؤية السعودية اليابانية المشتركة 2030.

وقد تشكل فريق مُشترك بين الجانبين لتنفيذ هذه الرؤية، والتي تتضمن زيادة أعداد الشركات والمؤسسات اليابانية العاملة داخل المملكة، فضلاً عن إقامة منطقة اقتصادية خاصة في المملكة، لتنفيذ حزمة من المشاريع المُشتركة بين اليابان والمملكة، إلى جانب رفع أعداد السعوديين العاملين في الشركات اليابانية سواء داخل المملكة أو خارجها.

المصادر

تحميل المزيد