نحن اليوم إزاء حربٍ شاملة وفاصلة بين المسيحية والإلحاد الشيوع. إن دعاة الشيوعية الجدد قد رأوا أن هذا هو الوقت المناسب لبدء الحرب، وإنني – أيها السيدات والسادة – أوافقهم على رأيهم،  وأعلن أن ساعة الصفر قد أزفت» –
السيناتور جوزيف مكارثي  

كان ما سبق هو جزء من نصّ الخطبة التي ألقاها السيناتور «جوزيف مكارثي» في التاسع من فبراير (شباط) 1950م، وهو يعدّ بمثابة الفتيل الذي أشعل نار الكراهية والبغض والرعب في أمريكا في حقبة الخمسينات من القرن الماضي. وقد كرست هذه الخطبة لفترةٍ لا تُنسى في التاريخ الأمريكي الحديث، فترة عُرفت بالاستبداد والاضطهاد، فقد كان شبح الاتهام بالانتماء للشيوعية يطارد جموع الأمريكيين في الطرقات وفي عملهم، بل حتى في منازلهم.

لوَّح مكارثي بالدين في خطبته تلك قائلًا: إن أمريكا «المؤمنة» في عداءٍ مباشر مع ماركس، الذي نحَّى الإله جانبًا باعتبارهِ خدعة قديمة، وكذلك لينين وستالين، اللّذانِ عبَّرا صراحةً عن استحالة تعايش دولتهم الشيوعية مع أيّة دولة يؤمن شعبها بالإله. وبذلك ألقى السيناتور مكارثي بظلالٍ سوداء من الشكّ حول أيّ شخص ينتمي للأحزاب الشيوعية، أو يتبنَّى أفكارها، أو حتَّى يبدي إعجابًا بها؛ فقد صرّح بأن الولايات المتحدة «في حالة حرب مع الكيان الشيوعي»، ونَجَحَ في زرع فكرة وجود مؤامرة كبرى يدبِّرها الشيوعيون ضد بلاده؛ ومن ثم فإنّ أيّ منتمٍ لهم أو متبنٍّ لأفكارهم هو خائن لا محالة.

في ذلك الزمن؛ زمن مكارثي – الذي وُصف بالزمن الوغد – كانت أمريكا تعاني من هستيريا سياسية وثقافية سببها الخوف من الشيوعية؛ فهي لم تعد تلك الدولة التي تنادي بالحريات، بل أصبحت دولة أخرى قاتمة كئيبة قلقة يساور مواطنوها الشكوك في بعضهم البعض. في ذلك الزمان كان امتلاك إسطوانة للفنان «بول روبسون» – مغنٍّ وممثل أمريكي من أصل إفريقي منتمٍ للشيوعية، ومن أبرز المناهضين للإمبريالية – يُعدُّ عملًا تخريبيًا. لقد كان هذا الزمن وغدًا بحق حين قال عضو مجلس الشيوخ « هوارد ماكغراث» أنّ كل شيوعي في أمريكا يحمل جراثيم الموت لوطنه.

ملصق دعائي لتوعية الشعب الأمريكي ضد ما أُطلق عليه التهديد الشيوعي

كان هذا الزمن وغدًا لدرجة أن كتابًا مدرسيًا بعنوان «استكشاف التاريخ الأمريكي» كان يقدِّم للأطفال النصيحة التالية: «يناشد FBI كافة الأمريكيين أن يقوموا بإبلاغ مكاتبهِ مباشرة عن أيَّة شكوك لديهم أو ارتياب في وجود أي نشاط شيوعي من جانب الأمريكيين. ولدى FBI الخبرة التدريبية الكافية للتمكُّن من تمحيص تلك التقارير في ظل قوانين أمتنا الحرة. إن الأمريكيين عندما يتناولون شكوكهم بهذا الأسلوب، فهم بذلك يعملون وفقًا للتقاليد الأمريكية».

وقد انعكست نتيجة كلّ هذا على الشعب الذي لم يقرِّر اعتزال الحياة السياسية فقط، بل الاجتماعية أيضًا، فقد انغلقَ كلُّ فردٍ على نفسه، وأخفى آراءه الشخصية خوفًا من أن يُساء فهمها، ويُتهم بالانتماء للشيوعية، وأصبح المبدأ القائل: «إن لم تكن معي فأنت لا محالة ضدِّي» هو السائد في ذلك الوقت. وبذلك نجح جوزيف مكارثي في تسطير اسمه بصفحاتِ القمع والاستبداد في كُتب التاريخ، لدرجة أن مصطلح «المكارثية» أصبح يستخدم مرادفًا للديكتاتورية الهوجاء المحمومة التي تلقي التهم جزافًا، وتعلن الهجوم على الآخرين لمجرد اختلاف وجهات النظر.

من هو جوزيف مكارثي؟

في الرابع عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) 1908م، وُلد جوزيف ريموند مكارثي – الذي أصبح من أهمّ رموز فترة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، والتي أُطلق عليها فترة «الفزع الأحمر» بولاية ويسكونسن. هذا السيناتور الجمهوري، الذي خدم في البحرية الأمريكية عام 1942م وشارك في الحرب العالمية الثانية، عاد من الحرب بقدمٍ عرجاء ادَّعى أنها أُصيبت أثناء القتال، ولكن الحقيقة أنها قد أُصيبت بسبب وقوعه من على السلّم ذات يوم، واكتُشف بعدها أن كثيرًا من قصصه التي حكاها عن بطولته في الحرب كانت، إمَّا مبالغًا فيها، أو ملفقة، في محاولةٍ منه لتعويض ذكائه المتواضع  وإمكاناته المحدودة بالكذب المتواصل.

جوزيف مكارثي

مكارثي الذي وصفته «مامين كويستلر» زوجة الكاتب البريطاني الشهير «آرثر كويستلر» بأنَّه: «سفَّاح كثيف الشعر حاد المخالب» قد وجد في الحرب الباردة فرصةً ذهبية لفرض دكتاتوريته وقمعه؛ وقد سهَّل له انتخابه سيناتور في مجلس الشيوخ الأمريكي عام 1946 هذا الأمر. فقد بدأت الأضواء تُسلَّط على مكارثي حين صاح بصخبٍ مسرحي، أثناء إلقائه لخطبةٍ في مقاطعة أوهايو بالنادي الوطني الجمهوري للمرأة، وهو ممسكٌ بورقة في يده ادعى أنَّها تحتوي على أسماء ما لا يقل عن 57 شخصًا ثبت انتماؤهم لأحزابٍ شيوعية أو تبنِّيهم لأفكارها، واستطرد قائلًا: «إنّ الديمقراطية العظيمة إنَّما يتمُّ تدميرها على يد أعداءٍ من الداخل، وليس من الخارج.. إن سبب شعورنا بالعجز لا يكمن في أنَّ عدونا الوحيد قد أرسل رجاله لغزو شواطئنا..  ولكن بسبب خيانة هؤلاء الذين أغدقت عليهم أمتنا من خيراتها».

وهكذا تسبَّب هذا المصطلح الفضفاض المخادع، مصطلح «أعداء من الداخل»، في دخول الولايات المتحدة منعطفًا تاريخيًا مظلمًا امتلأ بالقمع وشكوك المواطنين في بعضهم البعض، وإبلاغ أبناء الحيّ الواحد عن جيرانهم وأقاربهم وزملائهم في العمل بدعوى الانتماء للشيوعية،  إلا أن الغمَّة قد بدأت في الانقشاع حين ادَّعى مكارثي أن الشيوعيين قد نجحوا في التسلل إلى الجيش، وعلى إثر ذلك تم عقد  جلسات استماع بين مكارثي ومحامي عن الجيش الأمريكي في شهر أبريل (نيسان) لعام 1954 وتم إذاعتها في التلفاز الأمريكي، وظهر فيها جليًا  غطرسة وغرور مكارثي، وردوده الفظَّة على المحامي، لدرجة أن كبير مستشاري الجيش قد صاح فيه قائلًا: «ألا تعرف شيئًا عن آداب اللياقة يا سيدي!»

بعد نشر جلسات الاستماع تلك، فقد مكارثي الكثير من حلفائه وخفتت شعبيته، وفي الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 1954 قرر مجلس الشيوخ إدانة مكارثي لسوء استخدام منصبه كسيناتور، وكذلك تم شجب وإدانة سلوكه المهين وغير المبرر. وعلى الرغم من أنه احتفظ بمنصبه، إلا أنّ السيناتور مكارثي قد فقد هيبته وقوّته. وفي يوم 2 مايو (أيار) 1957، توفي جوزيف مكارثي في مستشفى بيثسيدا بولاية ميريلاند عن عمرٍ ناهز 48 عامًا. وبذلك أُسدل الستار على حياة واحد من «أكثر الرجال حقارةً في تاريخ السياسة الأمريكية» كما وصفه الكاتب آرثر هيرمان.

لجنة «النشاط المعادي لأمريكا»

في بداية خمسينات القرن الماضي، ترأَّس مكارثي لجنة النشاط المعادي لأمريكا بالكونجرس، وهي لجنة تم إنشاؤها عام 1938 بغرض التحقيق في الادعاءات التي تزعم قيام بعض المواطنين والمنظمات بالخيانة العظمى، والبحث في حقيقة وجود روابط بينهم وبين منظمات شيوعية. ونتيجةً لحق هذه اللجنة في استدعاء أي شخص تشك في انتمائه للشيوعية؛ فقد مارست سلطة بالغة القمع؛ إذ إنها كانت تُجبر الأشخاص الذين تقوم باستجوابهم على الإفصاح عن أسماء زملائهم أو الإدلاء بأية معلومات قد تؤدي إلى اكتشاف أي شخص منتمٍ للشيوعية أو حتى متعاطف معها.

صورة تضم عددًا من أعضاء لجنة النشاط المعادي لأمريكا ومن بينهم الرئيس الأمريكي نيكسون

وإذا حدث ورفض أحدهم، أو حتى تردد في الاعتراف على رفاقه أو الإدلاء بأية معلومات تخصهم، كانت اللجنة تقوم من فورها باتهامه بالخيانة، وتضع عليه علامة حمراء باعتبار أنه شيوعي. لم يكن مكارثي يعمل وحده في هذه اللجنة، بل سانده بكل إخلاص كل من «روي كوهين» المحامي اللامع المتغطرس الذي أصبح وهو في الخامسة والعشرين من عمره فقط المستشار القانوني لمكارثي في لجنة النشاط المعادي لأمريكا، و«ديفيد شيني» الذي كان ابنًا لواحدٍ من كبار أصحاب الفنادق وكانت قدراته ضئيلة نسبة إلى كوهين، إذ كان كل ما يميزه هو أنه ألَّف كتابًا بعنوان «تعريف الشيوعية» كان يوضع بجوار نسخة من الإنجيل في أدراج غرف الفنادق التي يملكها والده.

تسبَّبت لجنة النشاط المعادي لأمريكا خلال تلك الفترة في إزالة حوالي 30 ألف كتاب من مكتبات مراكز الإعلام الأمريكية الرسمية بزعم أن مؤلفيها شيوعيون، كما أنها طالبت وزارة الخارجية بإصدار قرار بحظر وجود أية مواد من تأليف أيٍّ من الكتَّاب المثيرين للجدل، سواءً كانوا شيوعيون أم متعاطفين مع الشيوعية. كما أنه قد تمّ منع نشر وتداول أعمال الكثير من أهم الأدباء والمفكرين أمثال جان بول سارتر، ومكسيم جوركي، وجون ريد، ووليام كارلوس ويليامز، بالإضافة إلى نظرية النسبية للعالم الشهير آلبرت إينشتاين، وكذلك جميع مؤلفات عالم النفس الشهير سيجموند فرويد.

ولم يسلم أي كاتب حي من مراقبة لجنة النشاط المعادي لأمريكا له، بل إن بعضهم قد قضى عقوبة السجن بالفعل، مثل الكاتب «صامويل هاميت» الذي صدر ضده حكم بالسجن لمدة ستة أشهر في عام 1951؛ لأنه رفض أن يفصح عن أسماء المساهمين في صندوق كفالة الحقوق المدنية الذي تم إنشاؤه لدفع الكفالات المالية للشيوعيين المقبوض عليهم. وعندما استدعي للاستجواب مرة أخرى عام 1952، رفض بإصرار الكشف عن أسماء رفاقه، فتمّ تطبيق المادة الخامسة من القانون الأمريكي عليه، وتمت إزالة كل مؤلفاته من مكتبات وزارة الخارجية، وكذلك مُنع مسلسله الذي يُذاع في الراديو باسم «مغامرات سام سبيد» من الإذاعة، وانتهى الأمر بهذا الكاتب، الذي شارك في الحربين العالميتين الأولى والثانية دفاعًا عن وطنه، إلى أن يفقد مصدر دخله الرئيس، ويموت معدمًا حزينًا عام 1961م.

وعلى الجانب الآخر كانت هناك ملفات عدة بها رصد لكافة أنشطة وتحرُّكات كل من الكتاب التاليين: جون كرو رانسوم؛ وهوارد فاست، ولانجستون هيوز، وإرنست همنجواي الذي طالما أخبر أصدقاءه أنه يشعر أنه تحت مراقبة مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ولم يصدقه أحدٌ منهم؛ نظرًا لمروره بحالة اكتئاب في أواخر حياته، واعتقدوا جميعهم أنه يتوهَّم ذلك، إلا أن همنجواي، الذي ذهب إلى عيادة نفسية قبيل انتحاره بفترةٍ بسيطة وطلب أن يُسجل باسمٍ آخر، هربًا من تتبع الـ( FBI) له، كان صادق الحس؛ إذ كُشف في منتصف الثمانينات أن له ملفًا في مكتب التحقيقات الفيدرالي يزيد عن 100 صفحة؛ مما أثار الشكوك حول ما إذا كان لهذه المراقبة يدٌ في زيادة اكتئاب الأديب الكبير، وإحساسه بانتهاك خصوصيته، الأمر الذي عزز لديه الرغبة في الانتحار.

آرثر ميللر.. «المحنة» في مواجهة مكارثي  

على الرغم من أنّ المكارثية قد نجحت في إخافة وتكميم أفواه العديد من الأدباء والمفكِّرين، إلا أن عددًا لا بأس به منهم قد حاول التصدِّي لها منهم، على سبيل المثال، الصحافي الشهير «آي. إف. ستون» الذي كان يُصدر نشرة من أربع صفحات على نفقته الخاصة، يتناول فيها الأحداث والقضايا، دون أن يُراعي صياغتها بأسلوبٍ معادٍ للشيوعية. أيضًا، كان هناك كاتب ذو توجهاتٍ شيوعية، أذكى كثيرًا من هذا السيناتور، كاتب استطاع أن يكتب نصًّا أدبيًا بديعًا يدين به المكارثية ويظهرها في صورة أعتى وأقسى الأنظمة الشمولية، دون أن يؤخذ عليه دليل أنه يقصد المكارثية صراحةً، كان هذا الكاتب هو المسرحي الكبير «آرثر ميللر».

الكاتب المسرحي آرثر ميللر

في عام 1952، خسر ميللر صديق عمره المخرج والكاتب «إليا كازان» بعد أن خضعا لاستجواب لجنة النشاط المعادي لأمريكا، فبينما رفض ميللر بإصرار ذكر اسم أيّ شخصٍ من رفاقه، وبالتالي وُضع اسمه في القائمة السوداء، وحُكم عليه بالسجن (أُلغي الحكم بالاستئناف فيما بعد)، رأى كازان أن مهنته أهمّ، وأفصح عن أسماء العديد من زملائه، ومن هنا جاءت القطيعة بينهما، ولم يتبادلا كلمة واحدة لمدة تزيد على 10 أعوام.

ترك هذا الحادث أثرًا عميقًا على نفسيَّة ميللر؛ فقد رأى بأمِّ عينيه كيف يتم اتهام الناس، دون وجود أدلة، وكيف يتمّ فصل الكثيرين من وظائفهم، دون أمل في الحصول على وظيفة في مكانٍ آخر، وكيف أنَّ اللجنة لم تكن تقتنع أبدًا بأنَّك ليس لديك شيء لتعترف به، وأنَّه إما أن تواجه حكمًا بالسجن، وتفقد عملك، أو أن تشي بأصدقائك، وتعترف بأمورٍ لا يد لك فيها. والأهم من ذلك أنه فزع من التأثير المدمر الذي تركته هذه اللجنة وأنشطتها القمعية على العلاقات بين أبناء المجتمع الواحد. لقد وصف ميللر تلك الفترة بالكلمات التالية: «الحرب الأيديولوجيَّة مثلها مثل حرب العصابات، ففي كلتا الحالتين لا يظهر العدو لنا في ملابس رسمية لنستطيع تمييزه، بل يتخفَّى دومًا في زيّ المواطن العادي».

ومن هنا، وفي ظل رؤيته لتعرُّض رفاقه للاضطهاد، وما يبذلونه من جهدٍ لتجنُّب آلة القمع المجنونة، قرر ميللر أن يكتب مسرحية« المحنة/Crucible» لتكونَ ردًا على إليا كازان الذي فرط في أصدقائه، ولتكون أيضًا صفعة قوية لمكارثي ورجاله، حيث يتم المقارنة بين عصرهم، وبين عصر التطهيرين الذي اتفق على أنه واحد من أكثر العصور ظلامًا في التاريخ.

الإعلان الدعائي لفيلم المحنة (Crucible) بطولة دانييل دي لويس ووينونا رايدر

فجأة، تقعُ مجموعة من الفتيات ضحايا لهلوساتٍ غير مبررة في إحدى قرى ماساتشوستس التابعة لمدينة سالم؛ فيتم تفسير الأمر من قبل الطهوريين المتدينين آنذاك على أنّه مسٌّ شيطانيّ، وتتجه أصابع الاتهام نحو السحرة، وتتردد همهمات أن لهم يدًا في هذا الأمر. وسرعان ما تبدأ الفتيات المصروعات في الحديث عن علاقة بعض القرويين بالشيطان وممارستهم للسحر، وتزيد الأحقاد والعداوات القديمة من حالة الهستريا والتخوين، ويبدأ الجميع في إلقاء التُّهم على بعضهم البعض؛ فتقرِّر الحكومة – بدافع الدين – التدخُّل في الأمر، وعقد محاكمات للسحرة والساحرات. وتقوم المحاكمات على مبدأ وحيد، وهو: إمَّا أن تعترف بممارستك للسحر، وبالتالي سيتم انتزاع أملاكك منك، ولكنك ستكون حرًا، وإما أن ترفض التُّهمة الموجهة إليك؛ مما يعني أنك منخرط في أنشطة السحر، وبالتالي تواجه حكمًا بالإعدام شنقًا.

هذه الحالة من الهلوسة التي أصابت الفتيات كلهنّ، ما كانت إلا خدعة ابتدعتها فتاة تدعى «آبيجيل» وأقنعت الفتيات بها. كانت آبيجيل تعمل خادمة لدى جون بروكتور، ووقعت في غرامه، وانخرطا معًا في علاقةٍ غير شرعية اكتشفتها زوجته لاحقًا، وندم عليها بروكتور، إلا أن آبيجيل لم يعد أمام عينيها سوى الانتقام من بروكتور الذي تخلى عنها، ومن زوجته التي أهانتها وطردتها؛ فاخترعت هذه الخدعة؛ لكي تتمّ إدانة إليزابيث زوجة بروكتر بالسحر، وبالتالي يتم إعدامها، ويتسنى لها الاجتماع ببروكتر من جديد.

يجب أن تفهم يا سيدي أنَّك إمَّا أن تكون مع هذه المحكمة أو تكون ضدها، لا يوجد حلٌّ وسط هنا. هذا الوقت عصيب وحاسم – لقد ولى زمن كنا نحيا فيه في عصور الظلام، حيث يستطيع الشر أن يتخفَّى في ثوب الخير؛ ليشوِّش عقول المؤمنين. لقد أشرقت الشمس بفضل الله، وسوف ينعم بها كل من لا يخاف الظلام. *الفصل الثالث من مسرحية المحنة

بمجرد أن بدأت الفتيات في ذكر أسماء من ادعوا تورطهم بالعمل مع الشيطان، نجد أن كلّ سكان البلدة يسعون لرمي التهم على بعضهم البعض طمعًا في حيازة أراضي جيرانهم؛ فنجد أنّ من لديه ابنه من هؤلاء المصروعات يخبرها بأن تقول اسم أحد جيرانه أمام المحكمة ليتسنَّى له شراء أرضه بسهولة وبثمنٍ زهيد. ومن هنا استطاع ميللر بحرفيةٍ بالغة أن يشير إلى أن قمع وهوس التطهيرين لا يفرق شيئًا عن قمع وهوس المكارثية؛ فكليهما قد اختبأ تحت ستار الدين ومحاربة الشيطان؛ ليبررا أحقادهم وانتهازيتهم.

في مسرحية المحنة اعتمدت المحكمة على ادعاءاتِ فتياتٍ مراهقاتٍ في إثبات التهمة على المتهمين وإرسال عدد منهم إلى الإعدام، دون وجود دليل مادي على انخراطهم في ممارسة السحر، حتى أنّ المحكمة لم تقبل بالحقيقة، بل كان الكذب هو المنجاة الوحيدة، تاركة خيارًا وحيدًا أمام القرويين الأبرياء، وهو إما أن تكذب أو تموت. على الجانب الآخر، اعتمدت استجوابات لجنة الأنشطة المعادية لأمريكا على ادعاءاتٍ لا أساس لها من الصحة، ولا دليل عليها، واتخذت منها ذريعة لفصل العديدين من أعمالهم وتشجيعهم على الوشاية بأصدقائهم؛ مما زاد من كراهية أبناء المجتمع لبعضهم البعض.

هكذا أعلن ميللر صراحة أن لكلّ مجتمع تطهيريوه الذين يستترون بستار الوطنية والدين ليحاربوا أبناء جلدتهم لمجرد اختلافهم معًا في الرأي، وغالبًا ما يكون لهؤلاء الطهوريين مصالحهم الخاصة، ولكن على الرغم من أنّ أفراد المجتمع الأمريكي قد صمتوا وغضُّوا الطرف عن ممارسات مكارثي خوفًا من أن يتم اتهامهم بالشيوعية، وعلى الرغم من أنّ ميللر هو ورفاقه قد تعرَّضوا لأذىً كبير، إلا أنه أبى أن ينهي المسرحية، دون أن يضع بصيص أمل في الأفق؛ إذ أنهاها على تأجيل إعدام زوجة بروكتور حتى تضع طفلها الذي قد يمثل بارقة أمل على أن المستقبل قد يكون أفضل.

عرض التعليقات
تحميل المزيد