دعت الإمبراطورية العثمانية إلى الجهاد العسكري ضد فرنسا وروسيا وبريطانيا العظمى في نوفمبر 1914. فكيف أثر ذلك على حلفائها في الشرق الأوسط؟ ديفيد وودوارد يتتبع زوال الامبراطورية العثمانية وتحولاً هائلاً في توازنات القوة في المنطقة.

التحركات الأولى

إن عددًا قليلًا من الأحداث في تاريخ العالم له تأثير أكثر عمقًا عن الحرب العالمية الاولى (1914-1918). فعلى الرغم من أن محاولة الألمان الهيمنة على أوروبا قد تم إحباطها في نهاية المطاف، إلا أن التوازن في المنطقة كان قد دُمر أيضًا بسبب القتال العنيف بين أطرافه المختلفة.

لم تكن منطقة الشرق الأوسط أقل تأثرًا بسبب ذلك النزاع. فبعد أربعة قرون من الحكم المتواصل، انهارت الإمبراطورية العثمانية، مما خلق فراغًا ساهم في التوترات بين السكان المحليين والقوى الخارجية أو أصحاب المصالح. ولم تحقق “حرب إنهاء كل الحروب” هدفها.

في بداية شهر نوفمبر عام 1914، تخلت الإمبراطورية العثمانية – أعظم قوة إسلامية مستقلة في العالم – عن حيادها تجاه الأطراف المتحاربة وأصبحت طرفًا في النزاع، وذلك بإعلان السلطان الجهاد العسكري (الحرب المقدسة لدى المسلمين) ضد فرنسا وروسيا وبريطانيا العظمى.

كانت الإمبراطورية العثمانية قد تعرضت حينها لهزيمة كبيرة في ليبيا ودول البلقان. وقد بدت المشاركة في حرب أوروبية أمرًا لم يتوقعه المراقبون، لذلك، فقد كان عملاً انتحاريًا، ولكن العناصر الرئيسية في الحكومة العثمانية – المفتونون من القوة الصناعية والعسكرية الألمانية وبدافع من أحلام المجد الإمبراطوري – نظروا إلى فكرة توسع نطاق الحرب باعتبارها فرصة لاستعادة الأراضي المفقودة وضم أراضٍ وجنسيات جديدة إلى الإمبراطورية.

كان الجيش العثماني (المكون من 600،000 فرد مقسمين إلى 38 لواء) ذا نوعية غير معروفة. ولكن بكون ألمانيا حليفًا، مثلت الإمبراطورية العثمانية تهديدًا خطيرًا للإمبراطورية البريطانية، ولذلك وفي ضربة استباقية، دفعت لندن على الفور بقوة إنجليزية-هندية إلى البصرة، بالقرب من مصب نهري دجلة والفرات. وقد كان الدافع وراء ذلك هو حماية أنابيب النفط الإنجليزية-الفارسية، والتي تمثل أمرًا حيويًا للبحرية البريطانية، وإظهار الاتحاد في منطقة الخليج الفارسي الاستراتيجية الهامة.

في غضون أسابيع، ردت القوى المركزية بهجوم مباغت ضد “عصب الحياة” بالنسبة لبريطانيا، قناة السويس. ومع ذلك، فإن هذه المحاولة – التي وقعت في أوائل شهر فبراير عام 1915 – لاختراق الدفاعات البريطانية على قناة السويس وإشعال تمرد إسلامي في مصر فشلت، وأدت إلى خسائر فادحة للمهاجمين.

الهزيمة في غاليبولي وبلاد ما بين النهرين

مع عدم استعدادها لتكريس كل مواردها العسكرية الحديثة في 1915 لصالح الجبهة الغربية، حيث سادت حرب الخنادق، تبنت القيادة البريطانية هجومًا ضد البحرية التركية لإجبار الدولة العثمانية على الخروج من الحرب. وعندما لم تتمكن البحرية الملكية في فبراير ومارس من شق طريقها عبر مضيق الدردنيل لوضع العاصمة العثمانية تحت طائلة المدافع، قامت السلطات العسكرية على عجل بتجميع قوة للتدخل السريع للدفع بها إلى شبه الجزيرة غاليبولي.

استمر هذا التفكير المشوش الذي دشن هذه الحملة خلال القتال الوحشي، وعانت القوة البريطانية من خسائر فادحة (25،000 جندي بريطاني، و47000 جندي فرنسي – مع عدد كبير من الجرحى) وكان لا بد من سحب القوة. فقد أثبت الجيش الخامس العثماني – المسلح تسليحًا جيدًا والذي يقاتل من مواقع دفاعية قوية – أنه أكثر من مجرد ند للحلفاء.

وبفشل حملة غاليبولي، انقطع السبيل بالقوة الإنجليزية-الهندية وحوصرت في كوت العمارة التي تبعد 100 كيلومتر جنوبي بغداد. وقد كان الموقف الدفاعي المحدود في البصرة قد تطور ليصبح تقدمًا محفوفًا بالمخاطر على طول نهر دجلة نحو بغداد، وهذه كانت النتيجة.

وكما كان الحال في الدردنيل/غاليبولي – حيث تغلبت الأهداف السياسية على الاعتبارات العسكرية – لم تكن لدى القوة الإنجليزية/الهندية الاحتياطات اللازمة أو الدعم اللوجستي للاحتفاظ ببغداد، حتى لو كانت قادرة على الاستيلاء عليها. علاوة على ذلك، فإن أي وجود بريطاني قوي في بلاد ما بين النهرين لا علاقة له بهزيمة منافسها الاستراتيجي وهو ألمانيا. ولكن الحكومة الهندية كانت قلقة من أن حربًا مقدسة قد تشتعل في بلاد فارس وأفغانستان مما يهدد الهند، وأرادوا الحفاظ على الهيبة البريطانية في العالم الإسلامي لتفادي مثل هذه الحرب.

ما زاد الطين بلة وجعل القتال صعبًا بشكل لا يتصور، هو أن الذباب والبعوض هاجم القوات فأصبح كثير منهم مرضى. وتجمد الجنود في ليالي الشتاء، وأعاقتهم حرارة فصل الصيف. وتحول الغبار إلى طين عندما فاض نهر دجلة خلال موسم الأمطار.

بريطانيا تعاود الإمساك بزمام الأمور عامي 1916-1917

كان رد فعل لندن على الانسحاب من غاليبولي والاستسلام في نهاية المطاف للقوة الإنجليزية الهندية في كوت العمارة في أبريل عام 1916 هو مضاعفة جهودها ضد القوى المركزية في الشرق الأوسط. كقوة صناعية غنية، كانت لدى بريطانيا الموارد التي لا يمكن للإمبراطورية العثمانية (حتى مع المساعدة الألمانية) مجاراتها. في بلاد ما بين النهرين عُين قائد جديد هو الجنرال السير ستانلي مود فريدريك، حيث قام بتجميع قوة كبيرة قوامها 150000 رجل، ومجهزة بأسلحة حديثة. كانت البصرة قد تحولت إلى ميناء حديث، حيث تم بناء سكك حديدية وطرق معبدة، وتوسع النقل النهري في دجلة بشكل كبير.

في مصر أيضا، عُين قائد جديد على القوات البريطانية وهو الجنرال السير ارشيبالد موراي، وحصل على موارد إضافية. وقد تطورت قوة المشاة المصرية على مراحل مهمة فتحولت من الدفاع عن مصر إلى غزو فلسطين.

أولاً، صحراء سيناء مع عواصفها الرملية ودرجات الحرارة الحارقة، كان لا بد من عبورها، كان ذلك بمثابة اختبار للتحمل وكذلك الهندسة بالنسبة للقوات المشتركة. وقد أملت موارد المياه المحدودة ما يمكن تحقيقه. تطلب الأمر عشرات الآلاف من الإبل والسائقين لتزويد الجنود العطشين بالماء، في حين تم تمديد أنبوب المياه والسكك الحديدية إلى حدود فلسطين.

حرب على جبهات عدة

في أوائل عام 1917، بدت بريطانيا على وشك إخراج تركيا من الحرب، وكانت تستمتع بالنصر على عدة جبهات. في يوم 11 مارس، تمكنت قوات مود من احتلال بغداد. وبعدها بأسبوعين، شنت قوة موراي المتقدمة – بعد أن أخلت سيناء من القوات العثمانية – هجومًا خاطفًا بالمشاة والفرسان على غزة، وهي بوابة لفلسطين، التي احتلتها أيضا الإمبراطورية العثمانية. ومع ذلك فقد فشلت محاولة السيطرة على غزة، عندما أهدر قادة موراي نصرًا كان في متناول أيديهم. وبتشجيع من تقرير موراي المضلل لهذه المعركة، أمرت لندن بشن هجوم آخر، ولكن نتائج معركة غزة الثانية (17 -19 أبريل) -والتي كانت هجومًا مباشرًا مع دعم غير كاف من المدفعية ضد دفاعات قوية – كانت كارثية.

أخذت الحرب الآن منعطفا نحو الأسوأ، رغم أن ذلك كان بسبب التراجع في ثروات الحلفاء في أوروبا أكثر من فشل موراي في الاستيلاء على غزة. وأدى استئناف المانيا لحرب القوارب المفتوحة إلى تكبد الحلفاء ثمنًا باهظًا في مجاري الشحن.

أدت الثورة التي اندلعت في روسيا في مارس إلى شل الجهد العسكري الروسي ضد كل من ألمانيا وتركيا، وعلى الجبهة الغربية، أدى فشل الهجوم الفرنسي في الربيع إلى اندلاع تمرد في صفوف الجيش الفرنسي. وقد باتت بريطانيا تواجه الآن احتمالاً مفزعًا بكونها الدعامة الأساسية للحرب ضد القوى المركزية، سواء في أوروبا أو في الشرق الأوسط.

انهزام الإمبراطورية العثمانية

أدى فشل موراي في احتلال غزة إلى أن يحل محله الجنرال السير ادموند اللنبي، وهو جندي من قوة كبيرة، والذي خلق رابطة شخصية مع قواته. كانت حكومته تأمل في تحقيق نصر ملموس لرفع المعنويات في الداخل، لذا منحته حرية المضي قدمًا نحو القدس.

في أكتوبر، عندما كان الطقس أكثر ملاءمة، أجاد اللنبي استخدام المشاة وقوة أخرى كبيرة، والتي شملت جنودًا من أستراليا ونيوزيلندا، واخترق جبهة غزة-بئر السبع. وبعد تقدم صعب عبر تلال يهودا، عبر بوابة يافا في 11 ديسمبر 1917 وأصبح الشخصية الـ34 التي تفتح القدس، وأول شخصية مسيحية تفتحها منذ الحروب الصليبية.

كان العديد من جنود اللنبي يعون تمامًا أنهم يقاتلون على أراضٍ مقدسة، وبعضهم رأى أنهم صليبيو العصر الحديث، ولكن كان زعيمهم يدرك تمامًا أن العديد من جنوده وعماله مسلمون، لذا فقد كان يحاول طمس أي فكرة توحي بأنها حملة صليبية.

على خلفية اقتناعه بأن أيًا من الجانبين المتصارعين لا يملكان وسيلة لتحقيق النصر في فرنسا في عام 1918، سعى رئيس الوزراء ديفيد لويد جورج لجعل الجنرال اللنبي يعمل على تركيز الجهد العسكري لبلاده. إلا أن هجمات ألمانيا الضخمة التي كانت أقرب إلى الوطن خلال النصف الأول من عام 1918 قد أجبرت الحكومة على استدعاء معظم الجنود البريطانيين الى فرنسا. تلقى اللنبي، الذي احتفظ بفرسانه، بمزيد من المشاة في مصر من مصادر عديدة، وقد كان معظمهم من الهند ولكن أيضًا من العديد من الدول الأخرى بدءًا من بورما ووصولاً إلى جزر الهند الغربية.

عاد اللنبي إلى الهجوم في معركة مجدو في 19 سبتمبر عام 1918. ومع تفوقه في الرجال والمدفعية والقوة الجوية والروح المعنوية، وبمساعدة من حلفائه العرب، تمكن سريعًا من القضاء على الجيش العثماني الذي واجهه.

وبمجرد كسرة جبهة العدو، سيطر فرسان المشاة المصرية على الحملة. كما سقطت دمشق في 1 أكتوبر، بينما كانت حلب آخر مدينة تسقط في يد الحملة، وذلك في 26 اكتوبر. وبعدها بخمسة أيام دخلت هدنة مع الدولة العثمانية حيز التنفيذ. ومنذ 19 سبتمبر تقدمت قوات اللنبي مئات الأميال وأسرت أكثر من 75000 مقاتل.

توابع الحرب

انتهت الحرب باحتلال البريطانيين الأراضي التي أصبحت فيما بعد العراق وفلسطين وشرق الأردن وسوريا ولبنان. ومع انهيار الإمبراطورية العثمانية، وعجز روسيا بسبب التدخل الأجنبي والحرب الأهلية، وانحسار النفوذ الفرنسي نوعًا ما بسبب دورهم العسكري المحدود في الشرق الأوسط، فإن النجاح العسكري منح بريطانيا القوة والهيمنة في المنطقة. وقد ولدت التسوية الناتجة عن ذلك – والتي عززت عدم الاستقرار الذي لا يزال يشكل مصدرًا للصراع اليوم – الكثير من الجدل في ذلك الوقت واستمر الحال كذلك منذ ذلك الحين.

باستخدام الإغراءات المالية ودبلوماسية لورنس العرب ووعود الاستقلال، شجع البريطانيون قيام انتفاضة عربية في عام 1916 ضد الأتراك. وعلى الرغم من أن العرب الهاشميين كوفئوا بأراضٍ كثيرة، فقد أحسوا هم والقوميون العرب بأنهم تعرضوا “للسرقة” عندما لم يفِ البريطانيون بكامل تعهداتهم فيما يخص الاستقلال. كانوا يعتقدون أن القوى الغربية وخصوصًا البريطانية قد تصرفت بغطرسة، برسمهم الحدود وخلق دول دون أي مراعاة لرغبات السكان المحليين.

أثار مصير فلسطين، التي كانت محتلة من قبل البريطانيين آنذاك، الإحباط والغضب لدى العرب. (في عام 1917 أيد وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور إقامة وطن لليهود في فلسطين).

ولكن وجهة النظر العربية للتسوية السلمية تبدو من عدة نواح هامة صورة كاريكاتورية لما حدث بالفعل (وهو ما يدعمه العديد من المؤرخين الغربيين). وفي مسعى من أنصار وجهة النظر تلك، قدم كل من افرايم كارش وإيناري كارش حجة مقنعة على أن العديد من القوى – المحلية والأجنبية – كانت متوافقة وقت التسوية. يقولان “حتى في أضعف نقطة في تاريخهم الحديث، خلال الحرب العالمية الأولى وفي أعقابها مباشرة، لم تكن الجهات الفاعلة في الشرق الأوسط ضحايا القوى الإمبريالية المفترسة، ولكن مشاركين نشطين في إعادة هيكلة منطقتهم”.

يقولون على سبيل المثال، أن العراق وشرق الأردن لم يكونا ببساطة اختراعات بريطانية، ولكن وجودهما كان حلًا وسطًا بين الجشع الأردني والجهود البريطانية حسنة النية لتلبية الاحتياجات المحلية وتبديد المخاوف والشكوك لدى حلفائهم.

ربما يكون ملائمًا أن نلاحظ أنه إذا انتصرت ألمانيا في الحرب، لكانت الإمبراطورية العثمانية قد توسعت، ولخضع كثير من العرب والجنسيات الأخرى لحكمها. وإذا أقدم الفرنسيون والبريطانيون على منح حق تقرير المصير لسكان هذه المنطقة لكانت النتيجة هي بلقنة المنطقة. ويبدو أنه – بغض النظر عن الكيفية التي انتهت بها هذه الحرب في الشرق الأوسط – كان مقدرًا أن تعاني المنطقة من عدم الاستقرار والصراع في السنوات التالية للحرب.

عرض التعليقات
تحميل المزيد