يجتاح محافظات الصحراء الجزائرية.. لماذا عاد داء الحصبة للظهور في الجزائر مجددًا؟ أُصيب به أكثر من ألف شخص.. لماذا عاد داء الحصبة بالظهور في الجزائر؟

تعيش المحافظات الجنوبية الجزائرية على وقع انتشار داء الحصبة، أو ما يسمى بـ«بوحمرون»؛ إذ أصيب به حتى الآن أكثر من ألف شخص، حسب وزارة الصحة الجزائريّة؛ وسط تعتيمٍ إعلاميٍ من طرف السلطات الجزائرية، ووسائل الإعلام، عن الأعداد الحقيقية للمصابين، في وقتٍ أعلن عن وفاة أكثر من 11 شخصًا، أغلبهم أطفال من محافظة واحدةٍ، وهي محافظة وادي سوف جنوب شرقي العاصمة الجزائر. وأمام هذا الوضع، يزداد الجدل حول تعامل السلطات الجزائرية مع هذا الوباء. في هذا التقرير نحاول تسليط الضوء على داء البوحمرون، وأسباب انتشاره في الجنوب الجزائري.

اقرأ أيضًا: 200 دواء مفقود.. كيف تحوّل الدواء إلى جحيمٍ على الجزائريين؟

ما هو مرض «بوحمرون»؟

حسب «منظمة الصحة العالمية»، فإن داء الحصبة، أو ما يعرف بداء البوحمرون، هو مرضٌ فيروسي شديد العدوى، يصيب فيروسه الغشاء المخاطي التنفسي، وينتقل بعد ذلك إلى باقي أجزاء الجسم، ويتميز بحدوث ارتفاعٍ حادٍ في درجة الحرارة مع بروز بقعٍ بيضاءٍ على مخاطية الفم، ثم طفحٍ جلدي أحمر على كامل أنحاء الجسمّ.

وعلى الرغم من كون مرض البوحمرون عدوى معتدلة الأعراض عمومًا لدى الأطفال، فإن عواقبها وخيمة عندما تصيب الحوامل؛ لأنها تتسبب في قتل الجنين، أو إصابته بتشوهات خلقية، وتُعرف باسم متلازمة «الحصبة الألمانية الخلقية». وينتقل فيروس البوحمرون بواسطة الرذاذ المحمول بالهواء، عندما يعطس الإنسان، أو يسعل، وهو المضيف الوحيد المعروف لهذا المرض.

في عام 1963 تمكن فريق من علماء الفيروسات، وعلى رأسهم الباحث الأمريكي «جون فرانكلين أندروز»، من إنتاج لقاحٍ مضادٍ للحصبة. ويُقدّر سنويًا عدد الرضع المصابين عند الولادة بمتلازمة الحصبة الألمانية الخلقية بنحو 100 ألف رضيعٍ في جميع أنحاء العالم.

ما هي أعراض داء «بوحمرون»؟

بمجرد إصابة الفرد بالعدوى، فإن فيروس داء البوحمرون يستشري في أوصال جسمه كافة في مدة تتراوح من خمسة إلى سبعة أيام تقريبًا، حسب منظمة الصحة العالمية، وتظهر عادةً أعراض الإصابة بالمرض في غضون أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع بعد التعرض للفيروس. وتتراوح في العادة الفترة التي يكون فيها سريان العدوى على أشدها بين يوم واحدٍ وخمسة أيام عقب ظهور الطفح الجلدي.

وعندما تُصاب المرأة الحامل بفيروس الحصبة في مرحلةٍ مبكرةٍ من حملها، فإن احتمال انتقال العدوى إلى جنينها يبلغ 90%؛ ممّا قد يسبب لها الإجهاض، أو ولادة طفلها ميتًا، أو مصابًا بتشوهات خلقية، في وقتٍ يستغرق تخلص الرضيع المُصاب بالتشوهات تلك من الفيروس عامًا واحدًا على الأقل.

العلامة الأولى للإصابة بالحصبة تكون عادة ارتفاعًا حادًا في درجة الحرارة، وتبدأ هذه الأعراض بعد حوالي 10 إلى 12 يومًا من التعرض للعدوى بالفيروس؛ وتستمر ما بين أربعة إلى سبعة أيام، في هذه المرحلة الأولى أيضًا يمكن حدوث سيلان للأنف، والسعال، واحمرار في العينين وتدمعهما، وظهور بقع صغيرة بيضاء في الخدين من الداخل.

وبعد عدة أيام، تبدأ موجةٌ من الطفح الجلدي بالظهور على جسم الشخص المُصاب، وعلى مدى حوالي ثلاثة أيام ينتشر الطفح الجلدي؛ ليصيب كامل أنحاء الجسد، وفي المرحلة الثانية للمرض تبدأ المضاعفات، التي غالبًا ما تكون سببًا في الوفاة، خصوصًا حالة أن يكون المصاب طفلًا أقل من خمس سنوات، وتكون المضاعفات تلك على شكل الإصابة بالعمى، أو التهاب الدماغ، والإسهال الشديد، والجفاف المصاحب له، والتهابات الأذن، والتهابات الجهاز التنفسي الحادة، مثل: الالتهاب الرئوي.

وفي حال تجاوز الأشخاص المصابون بالداء مرحلة الخطر والمضاعفات، فإنّ هذه الإصابة تمنحهم مناعة مدى الحياة؛ ويعدٌّ الأطفال الصغار غير المطعمين هم الأكثر عرضةً لخطر الإصابة بالحصبة ومضاعفاتها، بما في ذلك الوفاة، إضافةً إلى النساء الحوامل غير الملقحات، وأي شخصٍ ممن لم يتم تطعيمهم، أو ممن تم تطعيمهم، ولكنهم لم يطوروا، ولم يحصلوا على المناعة الكافية، ولهذا تتم إضافة مثل هذه الجرعات التنشيطية لضمان مناعة أقوى.

كيف اكتسح داء البوحمرون الجنوب الجزائري؟

مع مطلع شهر مارس (آذار) الجاري أعلنت وزارة الصحة الجزائرية، عن فتح تحقيقاتٍ حول انتشار داء الحصبة، أو ما يعرف بالعامية بداء بوحمرون، في كلٍ من محافظات الوادي وورقلة جنوبي البلاد. وكشف مدير الوقاية وترقية الصحة بالوزارة، جمال فورار، عن تسجيل 1263 حالة إصابة، وهو رقم مرعبٌ يُنذر باتساع بؤرة الداء، وعن أسباب انتشار الداء بهذه الصورة السريعة، قال رئيس مصلحة طب الأطفال بمستشفى الحراش، البروفيسور مصطفى خياطي: «إنّ أسباب عودة المرض بقوة في الولايات الجنوبية، يعود لعدم الحصول على اللقاح خلال العامين الماضيين، وهو ما خلق أزمة، ولذا سارعت الوزارة بالتوصية للقيام بحملاتٍ مكثفةٍ لتغطية العجز، لكنها لم تنجح؛ لغياب الحملات التحسيسية المرافقة له، لذا كانت نسبة الاستجابة ضئيلةٌ جدًا».

وأضاف البروفسور خياطي أن «سلسلة التبريد التي يخضع اللقاح لها، وظروف نقله فيها نحو الجنوب، والمحددة بأربع درجات لم يتم احترامها، أو أخرج من مكانه، فلم يكن ناجعًا، ولم يعط نتيجة فعالة». من جانبه يرى المختص في الصحة العمومية، الدكتور فتحي بن أشنهو، أن «الأماكن التي انتشر فيها المرض – في اشارة إلى الجنوب الجزائري – يعيش سكانها في ظروفٍ صعبةٍ، ونوعية التغذية سيئةٍ جدًا، فضلًا عن انعدام النظافة، أضف إلى ذلك انعدام الثقة في التلقيح الذي أصبح شبحًا يرعب المواطنين».

وحذّر بن أشنهو في حديثه مع صحيفة «الشروق الجزائرية» من تفشي مرض البوحمرون في المناطق التي تقل فيها نسبة الملقحين، خصوصًا الأطفال الذين تقلُّ أعمارهم عن ثلاث سنوات، أو الذين تلقَّوا التلقيح في سن الطفولة ولم يجددوه عندما وصلوا سن 18 و20 سنة، خصوصًا أن منظمة الصحة العالمية كانت قد حددت مدة حياة اللقاح بـ10 إلى 12 سنة، ولابد من تجديده، أو تأكيده بعدها. يذكر أنّ منظمة الصحة العالمية أعدّت سنة 2013 برنامجًا للقضاء على داء الحصبة من خلال تقليل نسبة الوفيات جراء الداء إلى 95% سنة 2020.

وكان الدكتور «عويني عبد القادر»، طبيب رئيس بمصلحة الوقاية والمتابعة بمديرية الصحة لمحافظة الوادي (جنوب الجزائر) – إحدى أكثر المحافظات التي مسها الداء – كشف عن تسجيل أكثر من 588 حالة مؤكدة بمرض البوحمرون بالمحافظة منذ بداية الحملة يوم 24 يناير (كانون الثاني)، خاصة من المقاطعة الإدارية تڤرت، وأكد ذات المتحدث أن خمس بلديات انتشر بها بشكل كبير، وهي: الوادي، والعقلة، والنخلة، والرڤيبة، وجامعة.

في وقتٍ قررت فيه وزارة الصحة اعتماد مخطط صحي استعجالي في خمس ولايات، هي: الجلفة، وورقلة، وتيارت، وإليزي، والوادي؛ تعاني من انتشار غير مسبوق لداء البوحمرون.

اقرأ أيضًا:  6 أسباب اقتصادية تخيف الجزائريين من عام 2018

هل تعلن الحكومة الجزائرية الطوارئ بسبب داء البوحمرون؟

أعلنت وزارة الصحة في الجزائر عن فتح تحقيق عاجلٍ في انتشار الوباء بالصحراء الجزائرية؛ وكشف وزير الصحة الجزائري مختار حسبلاوي، أنه جرى تشكيل مكتب أزمة للتحقيق، ومعرفة أسباب هذه الحالة الوبائية للداء، خاصة أن من بين حالات الوفيات المسجلة أربعة أطفال فارقوا الحياة بعد نقلهم إلى المستشفى. وشدد حسبلاوي على أن الجزائر تعرف نسبةً منخفضةً من تلقيح الأطفال ضد الحصبة، وقد أرجع الوزير أسباب انتشار الداء إلى عزوف العائلات عن تلقيح أبنائها.

وهذا ما اتفق معه فيه مدير الوقاية بوزارة الصحة الدكتور جمال فورار، مؤكدًا أن ظهور بعض حالات من البوحمرون يعود بالدرجة الأولى إلى عزوف الأولياء عن تلقيح أبنائهم خلال الحملتين المنظمتين في مارس (آذار) 2017، وديسمبر (كانون الأول) 2017، ويناير 2018، التي مسَّت – حسبه – «نسبة 40% فقط من الفئة المستهدفة تراوح أعمارهم بين 6 و14 سنة».

وطالب رئيس العمادة الوطنية للأطباء، الدكتور بقاط بركاني، وزارة الصحة وإصلاح المستشفيات الجزائرية بالتعامل بحزمٍ وصرامةٍ مع قضية وباء البوحمرون الذي أودى بحياة العديد من الأطفال، وتسجيل أكثر من 1200 حالة إصابة لحد الساعة، مضيفا أن «الواقعة أصبحت فعلًا جنائيًا، في ضوء تسجيل ضحايا، الأمر الذي يستدعي تطبيق أشد العقوبات في حق المتورطين».

وبدأت وزارة الصحة في حملات تطعيم واسعة للحدّ من انتشار  الوباء في محافظة الوادي؛ إذ تمّ إحصاء 100 ألف شخص تم تلقيحهم ضد الحصبة عبر 30 بلدية، في إطار حملة استدراكية؛ وحسب مصلحة الوقاية بمديرية الصحة لمحافظة الوادي، فقد تم استحداث أزيد من 150 نقطة تلقيح ثابتة، وأزيد من 20 فرقة متنقلة مزودة بمختلف التجهيزات اللازمة، بما فيها 10 عيادات متنقلة، بالإضافة إلى فرق أخرى جنّدتها مختلف فعاليات المجتمع المدني بمساعدة عدد من الأطباء الخواص، و المتقاعدين في سلك الصحة تستهدف سكان البدو الرحل و القرى النائية، وهذا ضمن مشروع الحكومة لمواجهة الوباء المنتشر في الجنوب  الجزائري.

إقرأ أيضًا: احتجاجات مسّت قطاعات سيادية.. ما السرّ وراء اشتعال الشارع في الجزائر؟

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!