الإعلام، والنخبة.. بهذين الركنين إما يتحقق أعظم تأثر في المجتمعات، أو يتم تدميرها. فهما خير دليل ومؤشر على درجة الوعي في بلد ما، والعلاقة بينهما أقوى ما يكون. حيث الإعلام بدون نخبة تقدمه في بدايته أو تكتب وتقول آراءها من خلاله لا يُعد إعلامًا، والنخبة بدون وسيلة تقول من خلالها رأيها ستصبح كأي شخص محدود التأثير في المجتمع.

وأما عن درجة تأثير الإعلام والنخبة وكونهما إما يسببان أعظم تأثير أو يدمران مجتمعات فهذا أمر قد يحتاج لأدلة كالواردة بذلك التقرير، حول شخصيات كان الإعلام سببًا في تدمير حياتهم حرفيًّا، أو قد نتحدث عن علاقة الإعلام بالسلطة ورأس المال، وكيف أن الإعلام في يد السلطة الحاكمة قد يهدم ثورات، ويعلي من قيمة الجهل، ويجر الملايين لتصديق أكاذيبه التي يبثها، ولا أبعد وأكثر دلالة من الإعلام المصري أثناء الـ 18 يومًا في بداية الثورة المصرية.

أو بالحديث عن رأس المال الممول، هذا الكلام الذي يعرفه أي شخص في الحقل الإعلامي بأن راعي أي مشروع إعلامي أو مموله لا يربح ماديًّا بشكل مباشر، بأي طريقة من الطرق مهما أبدع وقدم ما لا يقدم، لذلك يكون هنا التساؤل طبيعيًّا ومنطقيًّا.. لماذا سيخاطر في مشروع إعلامي؟

لذلك وحول تأثير الإعلام وكيفية الحد من آثاره وتقليل مخاطره وعلاقته بالنخبة والسلطة ورأس المال لا أكثر من الدراسات، لكننا نرشح بدلاً منها مشاهدة تلك الأفلام:-

8) All The President’s Men: فضيحة ووترغيت

على الأغلب يكون حلم أي صحفي يعمل في التحقيقات والتحقيقات الاستقصائية هو عمل موضوع ولو مرة في حياته مثل الذي قام به الصحفيان كارل برنستين وبوب وود ورد، الاثنان بطلا الكشف عن فضيحة ووترغيت، تلك الفضيحة التي كان على أثرها استقالة الرئيس الأمريكي نيكسون، وكشف التلاعب الذي يحدث أثناء الانتخابات من السياسيين، وعلى أثره كان سن قوانين في أمريكا لجعل تمويل الحملات الانتخابية خاضع للرقابة الفيدرالية.

فيلم كل رجال الرئيس All The President’s Men يحكي كغيره من الأفلام عن تلك الواقعة، لكن ما يميزه هو عرضه للقصة من خلال الصحفيين كارل برنستين وبوب وود ورد، وكيف بدأ شكهما ورحلة بحثهما خلال عملهما على القضية. الفيلم إنتاج عام 1976 وهو درس إعلامي جيد ومفيد لكل مهتم بالتحقيقات في مجال الإعلام، وكيف أن تأثيرها قد يصل لإقالة رئيس دولة.

7) Wag the Dog: الإعلام والسلطة

الإعلام لا يمكنه فقط تشويه الحقائق أو تدعيم الباطل أو مجرد دس أكاذيب، الإعلام بإمكانه اختلاق مشهد وقصة كاملة أمام أعين المشاهدين ليجعلهم يتأثرون ويتعاطفون ويغيرون من توجههم ورأيهم في أمر ما 180 درجة. ذلك هو ما يقوله الفيلم تقريبًا، أو للدقة ما يريك كيف يتم حدوثه بالتفصيل.

الفيلم يحكي قصة الرئيس الأمريكي الذي يرتكب فضيحة أخلاقية قبل موعد الانتخابات الرئاسية الثانية له، فيكون ما يفعله رئيس حملته الانتخابية بالتعاون مع منتج أفلام هو صنع قصة كاملة من اختلاقهم حول وجود تهديد من دولة ما تجاه أمريكا، وبالتالي على الأمريكان التوحد خلف رئيسهم لمحاربة تلك الدولة والتغافل عن شيء بسيط مُخل قام به الرئيس في مقابل تلك القضية الهامة. الفيلم إنتاج عام 1997 وقصته مبنية على رواية للكاتب لاري بينهارت، لكن في الرواية كان هناك تحديد للرئيس الأمريكي بكونه بوش الأب، والحرب كانت عاصفة الصحراء.

6) Control Room: تغطية حرب العراق

“الجزيرة لسان حال أسامة بن لادن” هكذا وصف الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش قناة الجزيرة، ثم كان من بعدها وصف رامسفيلد وزير دفاعه وقتها “أن الجزيرة تكذب على العالم، ولن يمضي وقت طويل قبل أن تنكشف هذه الأكاذيب”. هذان التصريحان وغيرهما الكثير كان ظهورهما أثناء تغطية الجزيرة لحرب العراق، حيث قُصف مكتب الجزيرة في بغداد ثلاث مرات، وراح ضحية هذا القصف عدد من المراسلين الصحفيين لعل أبرزهم طارق أيوب، أحد أبطال هذا الفيلم الوثائقي.

الفيلم يتحدث عن تغطية الإعلام لحرب العراق، وكيف أنه في غرفة الأخبار التي كانت مستضيفة لكل الوكالات والقنوات الأجنبية أثناء الحرب، تحولت لغرفة “تحكم” بالأخبار “Control Room”، ونشاهد في الفيلم كيف أن القناة الأكثر محاولة لإظهار الحقيقة وقتها من بين العشرات من القنوات الأجنبية كانت الجزيرة. الفيلم إنتاج 2004 وهو من إخراج المصرية الأمريكية جيهان نجم، صاحبة الفيلم الشهير عن الثورة المصرية “الميدان”. وأيًّا كان رأيك في قناة الجزيرة فستشاهد في هذا الفيلم على الأقل كيف كان الجيش الأمريكي يحاول السيطرة والتحكم في كل خبر يخرج عنه، وكيفية وصعوبة تغطية أي مؤسسة إعلامية لـ”حرب”.

5) The Newsroom: كل ما وراء ظهور الخبر على الشاشة

وسط انتظار وترقب من متابعي المسلسل كان عرض الحلقة الأولى من الجزء الثالث والأخير منه مساء أمس. صحيح
ليس فيلمًا وإنما مسلسل لكن مهم للغاية أن يكون في تلك القائمة حيث أصبح المسلسل بالفعل يوصي به الطلبة في كليات الإعلام، لتكون بعض المحاضرات في كليات الإعلام نقاش حول ما دار فيه وكيف تعامل فريق الإعداد وإنتاج الأخبار بالمسلسل مع الأحداث المختلفة في كل حلقة. المسلسل إنتاج شبكة HBO، وقد بدأ عرض أول موسم منه عام 2012، وهو مفيد للغاية إذا ما أردت الاطلاع على كيفية عمل غرف الأخبار في القنوات الإخبارية العالمية.

4) The Insider: ما يواجهه الإعلام المهني من صعوبات

يقرر الباحث بأحد شركات صناعة التبغ (راسل كرو) مواجهة الجمهور بالأخطار والأضرار الصحية التي تخفيها عنهم الشركة رغم الإغراءات المادية التي يقدمها له عمله، وخلال بحثه عن منبر لنشر قضيته يعثر على آل باتشينو، الإعلامي اليساري المهني المعارض، والذي يحاول تقديم القضية بمهنية رغم الأخطار التي تواجهه.

الفيلم غير متعمق في الجانب الصحفي والإعلامي، لكنه قد يظهر لك كيف أن الالتزام بالقيم والمعايير السليمة في مهنة الإعلام أمر صعب ومحاط بالكثير من المخاطر.

3) Network: كيف تتحكم شبكات الأخبار في عقول المشاهدين؟

قد يكون الفيلم الأقدم في تقريرنا، فهو إنتاج عام 1976 الا أنه قد يكون الأفضل في إظهاره لتحكم الإعلام بالعقول، الفيلم يحكي عن قناة تلفزيونية قلت نسب المشاهدة بها وحصول برامجها على جوائز فكان قرارها بتغيير كل ما تقدمه وبث أفكار مختلفة ولو كانت قذرة. الفيلم جيد للغاية كقصة وإخراج وتمثيل لدرجة حصوله على 4 جوائز أوسكار في سنة إنتاجه.

ومن خلاله تشاهد كيف أن “المؤامرة” بالفعل تسيطر على أغلب وسائل الإعلام، لكنها مع مجتمعات أمريكية منفتحة ليست المؤامرة المبسطة التي تصل للناس بكون شخص واحد شرير متحكم، إنها المؤامرة التي يشترك فيها عقلية ونفسية المشاهدين، ثم أقصى حد من الإبداع يمكن أن تقدمه الوسيلة الإعلامية وفق المتاح ماديًّا، والسلطة بدوافع كثيرة، بعضها – من وجهة نظرها – يكون المصلحة، وأخيرًا رأس المال، المؤامرة المركبة التي لا يمكنك فيها تحديد مصدر الشر.

2) Page One: Inside the New York Times: كم تكلف صفحة أخبار واحدة في جريدة؟

ينفرد هذا الفيلم عن غيره في القائمة بالكثير، فهو أولاً وثائقي، ثم حديثه عن صحفية مطبوعة وليس إعلام تلفزيوني، ورشح للعديد من الجوائز وحصل علي المركز الأول في جائزة النقاد سنة إنتاجه 2011، وأخيرًا فهو خير توثيق لخطوات طباعة جريدة، بداية من الحصول على الخبر ومرورًا بالتأكد من صحته وصياغته وتحريره وإخراجه، ووصولاً لتأثير قراءة الخبر على عقلية كل قارئ للجريدة وفق عقله وخلفيته الخاصة، قد يكون بالنسبة للبعض من العاملين في المجال الإعلامي تلك الأمور معروفة، إلا أنها إذا ما كانت على مستوى جريدة عريقة وكبيرة بحجم النيويورك تايمز فالأمر بالتأكيد مختلف، ويستحق المشاهدة.

1) Gone Girl: كيف يكون الملاك شيطانًا والعكس من خلال الإعلام

كل شيء مفهوم وثابت و”معروف” يمكن تغيره بالكامل من خلال الإعلام، البريء الساعي للخير مع إطلاق شائعة وتدعيمها ببعض الهراء يصبح هو القاتل، والقاتل مع قليل من الذكاء في التعامل مع الجماهير يجلس وسطهم مستمتعًا وضاحكًا.. الحال والأفكار في هذا الفيلم قد تكون أوسع من فكرة الصحافة والإعلام وتأثيرهما، فهي تمتد لعلم النفس وسيكولوجية الجماهير، كيف أنك لو أصبح أمامك كاميرا فعليك أن تتعامل مع عقول، شيء بسيط غير مؤثر من وجهة نظرك قد يثبت عندهم عشرات الأفكار عنك.

الفيلم إنتاج 2014 وهو إخراج القدير ديفيد فينشر، وما زال يعرض في السينمات.

علامات

إعلام, سينما, فيلم
عرض التعليقات
تحميل المزيد