يوم الأحد الماضي احتفل العالم باليوم العالمي للصحافة واستغل العديدين هذا الحدث لتذكر أبرز الصحفيين الذين قتلوا أو سجنوا نتيجة بحثهم عن الكلمة والحقيقة.

حسناً .. هذا هو الجانب المضىء للصحافة والإعلام، لكن هناك جانب مظلم يصفه البعض بـ”القذر” للسلطة الرابعة التي تخرج في بعض الأحيان عن الحيادية والمهنية وتتبنى وجهة نظر سياسية معينة بغض النظر عن الحقيقة وما قد يسببه هذا من إسالة الدماء.

عاصفة الحزم

أحدث نموذج يمكن أن تراه في الحرب الإعلامية الشرسة هي تلك الحرب الدائرة بين الإعلامين الخليجي والإيراني خلال فترة الضربات الجوية للتحالف العربي على الحوثيين في اليمن المعروفة باسم “عاصفة الحزم”.

في كل يوم يقدم لنا الإعلامين الإيراني والخليجي وجبة كراهية دسمة وتحريض مستمر لكل طرف على حساب الطرف الآخر.

هذا نموذج لتحريض الإعلام الإيراني ممثلاً في وكالة أنباء فارس ضد جماعة الإخوان المسلمين وفرعها السياسي حزب الإصلاح. لاحظ استخدام كلمات مثل “مصدر استخباراتي يمني”، ” داعياً المواطنين الى الابلاغ الفوري عن أي تحرك مشبوه خصوصاً لمسلحي الاصلاح على القنوات الأمنية الرسمية لوزارة الداخلية أو عناوين اللجان الشعبية”، ” معلومات من مصادر مقربة في حزب الاصلاح”.

كل هذه الكلمات توضح لغة التحريض الواضحة من الجهاز الإعلامي لدولة ضد فئة معينة أو فصيل سياسي ما مما يشعل ويأجج من نار العنف في بلد يكفيه ما يلاقيه من معاناة.

على الجانب الآخر كان هذا نوع من الأخبار التي نشرتها وكالة الأنباء السعودية الرسمية.

أن تزرع في نفوس الشعب أن هذه الحملة هي “جهاد في سبيل الله” فمعنى هذا أنك تقاتل “كفار” على عقيدة، وليس مجرد نزاعات سياسية ومكاسب اسراتيجية.

مثال آخر على انحياز القنوات الخليجية يأتينا من قناة الجزيرة القطرية. المتابع لهذه القناة الأقوى عربياً يلاحظ دعمها الواضح لعاصفة الحزم على عكس الشعار الذي ترفعه “الرأي والرأي الآخر”.

قناة الجزيرة، ومثلها قنوات العربية وسكاي نيوز عربية، تقوم بشكل متعمد بإغفال ضحايا القصف الجوي لطائرات التحالف العربي، وعلى الرغم من صور الإنفوجرافيك التي قامت بها القناة لعاصفة الحزم وضرباتها ونتائجها لكنها لم تقم بعرض صورة مجمعة لإجمالي ضحايا القصف الجوي وسط المدنيين.

موقع العربي الجديد كان قد رصد بعض مظاهر الانحياز وقام بتعديدها مثل عدم الإشارة إلى موافقة الأمم المتحدة على العملية، ومنح الأولوية لأخبار عاصفة الحزم على رأس النشرات الإخبارية والبرامج الحوارية، والتركيز على تاريخ انتهاكات الحوثيين والرئيس السابق علي عبد الله صالح دون بيان كيف أن السعودية ودول الخليج كانت هي السبب في الخروج الآمن للرئيس السابق وهي التي تركت حرية الحركة للحوثيين في البداية دون تدخلات مبكرة.

القنوات العربية ركزت أيضاً على الأوضاع الإنسانية المتردية لليمنيين نتيجة عنف الحوثيين دون الإشارة في المقابل إلى الضحايا المدنيين نتيجة الضربات الجوية.

حرب العراق 2003م

كتاب “اكذب علي” الذي تم نشره عام 2004م أظهر بوضوح كيف كان دور الآلة الإعلامية الغربية للتحريض ضد العراق قبيل وأثناء وبعد الغزو الأمريكي في 2003م.

الجزء الأول من الكتاب ضم مقالات الكاتب البريطاني – الأسترالي جون بلجر التي نشرها في صحيفة الأوبزرفر البريطانية. الكاتب رأى استعداد أمريكا لهذه الحرب بأنها غطرسة إمبريالية تعكس عجرفة القوة للقطب الأوحد في العالم حالياً. بلجر رأى كيف انحرف الإعلام الأمريكي والبريطاني عن غايته الرئيسية وانجرف وراء الشهوة الإمبراطورية للولايات المتحدة وحلفائها.

أشارت بعض الدراسات إلى أن ” العمل الإعلامي المرافق للغزو الأميركي للعراق من أهم الحالات الدراسية في كليات الإعلام في جامعات العالم وفي المؤسسات الإعلامية المحلية والعالمية، فهي المرة الأولى التي تدخل فيها الفضائيات والإنترنت إلى جانب الصحافة ووكالات الأنباء والإذاعة والتلفزيون المحلية في حرب كبيرة أقرب إلى العالمية وتشغل جميع الناس تقريباً”.

الكثير من المحللين يرون أن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش لم تكن هي المسئولة عن تدمير العراق، بل إن الإعلام الأمريكي وتغطيته الكاذبة قبل الحرب هي السبب الرئيسي وراء قيام الحرب ودمار العراق. هذا الإعلام الذي أصر على وجود أسلحة دمار شامل في العراق قبل وأثناء الحرب رغم تصريحات كبير المفتشين الدوليين بعدم وجود هذه الأسلحة.

ومن القصص الشهيرة حول كذب الإعلام الأمريكي أثناء الحرب كان إيقاف المذيع الأمريكي الشهير “بريان ويليامز” في قناة “إن بي سي” لمدة 6 أشهر بدون أجر في أعقاب تحقيق داخلي أجرته القناة أثبت قيام ويليامز بتحريف الأحداث التي كان يغطيها خلال حرب العراق.

بريان ذكر يوم 30 يناير الماضي أنه يتذكر ” لحظة رهيبة منذ عشر سنوات في العراق عندما اضطرت المروحية التي كنا نسافر على متنها إلى الهبوط بعدما ضربت بقذيفة آر بي جي”. لكن أفراد الطاقم العسكري المصاحب له سارعوا إلى تكذيبه عبر وسائل التواصل الاجتماعي حيث قالوا بأن بريان وطاقمه الإعلامي وصلوا على متن مروحية أخرى بعد ساعة من هبوط 3 طائرات اضطرارياً بعد تعرضها لهجوم.

ألمانيا النازية

بول جوزيف غوبلز كان وزير الدعاية السياسية في عهد أدولف هتلر أيام ألمانيا النازية.

لعب غوبلز دور مهم في الترويج للفكر النازي وسط الشعب الألماني بطريقة وصفت بالذكية. غوبلز هو صاحب الآلة الدعائية الألمانية التي تمكنت من تصوير هتلر على أنه منقذ ألمانيا والألمان.

غوبلز هو أحد أبرز من وظفوا الإعلام في الحرب النفسية وهو صاحب المقولة الشهيرة التي تدل على منهجه الإعلامي “اكذب حتى يصدقك الناس”، لكن كذبه كان كذباً ممنهجاً للوصول إلى غاية معينة.

من بين العبارات الخالدة لغوبلز أيضاً “الدعاية الناجحة يجب أن تحتوي على نقاط قليلة وتعتمد على التكرار”، “كلما كبرت الكذبة كلما سهل تصديقها”، “كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي”، “إعطني إعلاماً بلا ضمير أعطك شعباً بلا وعي”.

غوبلز اعترف بأن خطاباته تهدف إلى الدعاية في المقام الأول أكثر من الأفكار المخلصة، وكان يخاطب أبسط الدوافع الداخلية للشعب الألماني مثل كراهية الأجانب والعنصرية وعدم الثقة بالنفس والحقد الطبقي، وكان يقول “أستطيع أن أوجّه إرادة الشعب الألماني كمَن يعزف البيانو، كما يمكنني جعلهم يذهبون إلى أي مكان نريد”.

كما كان غوبلز يجعل الناس تردد الأناشيد ويقومون برفع أيديهم ويتلون القسم الجماهيري، من خلال مخطط دقيق جدًا، وليس عن طريق الحماسة التي تسيطر عليه في أثناء إلقاء الخطاب.

كما قام غوبلز بحدث غريب لكن هام جداً، فقد أصدر تعليماته إلى الشباب النازي بجمع أكثر من 20 ألف كتاب يقررون أنه لا توجد ضرورة لأن يقرأها الشعب الألماني ثم أمرهم بحرقها في أحد ميادين العاصمة برلين وسط احتفال مهيب، وبرر غوبلز ذلك بأنهم يطرون روح الألمان من كتب اليهود والاشتراكيين والليبراليين.

حرب الكويت 1990م

من أجل أن تقوم العراق بتبرير غزوها للكويت عام 1990م، صدر بيان عراقي يوم 2 أغسطس يوحي بوقوع انقلاب عسكري في الكويت أطاح بحكم أسرة الصباح.

البيان أشار إلى مناشدة قادة الانقلاب الكويتيين للعراق بتقديم المساعدة والعون لهم في “وجه أي تدخل خارجي مضاد لرغبة الشعب الكويتي في التخلص من أسرة الصباح”.

ولكي يظل الإعلام العراقي هو المهيمن، قامت القوات العراقية بقصف مقر وزارة الإعلام الكويتية بشكل مباشر بعد البيان العراقي، لتقوم العراق ببث بيان رقم واحد صادر عن “حكومة الكويت الحرة المؤقتة” يعلن عن تحرير الكويت من نظام الحكم العائلي المستبد الذي نهب ثروات الكويت واستخف بالدستور وفرض الإرهاب والقمع.

البيان رقم 3 الصادر عن حكومة الكويت المؤقتة تضمن مناشدة العراق ورئيسها لمساعدة الحكومة الكويتية الجديدة من أي مؤامرة خارجية أو تدخل أجنبي.

في يوم 3 أغسطس توالت البيانات عبر إذاعة بغداد من كل من مجلس قيادة الثورة العراقية وحكومة الكويت الجديدة في تناغم واضح من رد كل بيان على الآخر بنفس النغمة. كل هذا الأمر صدقه عدد كبير من الشعب العراقي بالفعل رغم عدم تصديق العالم لهذه البيانات الزائفة.

وتوالت البيانات الكاذبة طوال الأيام التالية حتى قامت العراق بضم الكويت واعتبارها إحدى محافظاتها.

نكسة 1967م

لا يمكن أن ينسى المصريون كيف كذب عليهم الإعلام الرسمي خلال نكسة يونيو 1967م.

ففي الوقت الذي يتم فيد تدمير المقالات المصرية في المطارات ومطاردة الجيش المصري في سيناء، انهالت على مسامع المصريين البيانات العسكرية عبر الإذاعة المصرية لتبشر المصريين بنصر ساحق على الجيش الإسرائيلي، ولتصدر الصحف في اليوم التالي قائلة إن القوات المصرية أصبحت على مشارف تل أبيب وأن الجيش المصري أسقط عشرات المقاتلات الإسرائيلية.

عندما كانت الصحف والإذاعة المصرية تنشد أناشيد النصر والفرحة والابتهاج، في إحدى أسوأ التغطيات الإعلامية الكاذبة في التاريخ العربي، كان هذا هو منظر قوات الجيش المصري الذي قالت عنه آلة الكذب الإعلامية أنه على بعد خطوات من تل أبيب.

وهذا الفيديو يوضح مدى كذب الإعلام المصري.


ثورة 25 يناير

خلال ثورة 25 يناير 2011م في مصر، أظهر الإعلام المصري أسوأ ما فيه عندما لم يكف على الكذب بشكل يفوق كل تصور على الشعب المصري موهماً إياه بأن الأوضاع مستقرة في مصر في حين أنه وعلى بعد مئات الأمتار من مبنى اتحاد الإذاعة والتليفيزون في ماسبيرو كانت تتم إحدى أبشع جرائم نظام الرئيس السابق مبارك.

في الوقت الذي يهاجم فيه المتظاهرين في ميادين مصر ويقتل منهم العشرات، فاجئنا التليفزيون المصري بعرضه لصور كورنيش النيل وبعض الكباري الفارغة واصفاً الوضع بالمستقر ومتهماً المتظاهرين والنشطاء بالكذب.

البداية كانت عبر صدور الصحف المصرية في اليوم التالي لمظاهرات 25 يناير الذي شهد مقتل عدد من الأشخاص في السويس لتقول الصحف إن عدد المتظاهرين قليل جداً وأن اليوم مر دون مشاكل.

ثم وضح عدم اقتناع الإعلام بأن ما يحدث هو ثورة كاملة وليس مجرد طلب للتغيير.

ثم وصل الأمر لذروته عندما وصف الإعلام المئات في ميدان مصطفى محمود بأنهم ملايين مؤيدة لمبارك دون توضيح لمدى بشاعة المجزرة التي تمت بحق المتظاهرين في التحرير والتي سميت بموقعة الجمل وتورط قيادات الحزب الوطني بها.

ومن أبرز الأحداث التالية لثورة يناير كانت أحداث ماسبيرو التي مات بها عشرات الأقباط وسط تحريض علني من قبل الإعلام الرسمي للدولة على المتظاهرين اٌلأقباط بحجة “حماية الشعب للجيش”.


مباراة مصر والجزائر

في شهر نوفمبر 2009م أقيمت المباراة الفاصلة بين منتخبي مصر والجزائر في مدينة أم درمان السودانية لتحديد المتأهل إلى نهائيات كأس العالم 2010م بالبرازيل.

تمكنت الجزائر من الفوز بهدف نظيف وخطف بطاقة التأهل للنهائيات وسط حالة حزن كبيرة بين جموع المصريين. وفي أعقاب انتهاء المباراة فاجئنا الإعلام المصري بحملة شرسة ضد جمهور الجزائر في السودان متهماً إياهم بالاعتداء على الجماهير المصرية بالأسلحة البيضاء ووقوع عشرات وربما مئات المصابين.

هذا التحريض جاء في أعقاب بعض الاضطرابات التي حدثت قبل مواجهة المنتخبين مما تسبب في توتر دبلوماسي بين البلدين. وقد شن الإعلام المصري هجوماً غير مسبوق على الجزائريين حتى دعا أحد الإعلاميين إلى قتل جميع الجزائريين الموجودين في مصر.


 

المدهش أن أحد مسئولي رحلات الجماهير المصرية إلى السودان قام بالتأكيد على عدم وقوع أي اعتداءات وسط استنكار من أحد المذيعين الرياضيين وكأن هذه الشهادة لم تأتي على هواه.


 

كذلك كان هذا تحريض من ابن رئيس الجمهورية السابق علاء مبارك على الشعب الجزائري ومحاولة استفزاز مشاعر المصريين ضد الجزائريين.


عرض التعليقات
تحميل المزيد