أصبح الهاتف الذكي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، إذ أصبحنا ننظر إليه ربما أكثر مما ننظر لأي شيء آخر. ونتيجة لذلك، ربما تكون قرأت بعض التقارير عن مشاكل هذا الاستخدام الطويل، والنصائح المستمرة بضرورة تقليل «وقت الشاشة»، أو الوقت الذي نقضيه ونحن نستخدم هواتفنا في تصفح الإنترنت ومتابعة وسائل التواصل الاجتماعي.

لكن ليست هذه هي معضلتنا هنا. نحن لن نتحدث عن مشاكل استخدام الهاتف الذكي لفترات طويلة، بل سنتحدث عن معضلة أخرى، تلك العادة التي يقوم بها أغلب الناس في التقاط هاتفهم الذكي وتصفحهم السريع للمواقع أو وسائل التواصل الاجتماعي أثناء مشاهدتهم مباراة كرة قدم أو فيلم.

تقريبًا كلنا يفعل هذا! كم مرة جلست لمشاهدة التلفاز أو فيلم ما، ثم تحول انتباهك سريعًا وعلى الفور إلى هاتفك الذكي أو جهازك اللوحي؟ تُعرف هذه الظاهرة باسم «تعدد المهام المرتبطة بالوسائط»، وهي شائعة جدًا لدرجة أن ما يقدر بنحو 178 مليون بالغ في الولايات المتحدة يستخدمون بانتظام جهازًا آخر أثناء مشاهدة التلفزيون.

قد يفترض البعض أن تحويل انتباهك بشكل متكرر بين تدفقات المعلومات من أجهزة مختلفة هو تدريب جيد للدماغ لتحسين الذاكرة والانتباه، لكن ما لا يعرفه أغلبنا أن العكس هو الصحيح، وأن هذه العادة ترتبط بمزيد من المشاكل المرتبطة بنقص التركيز والانتباه وصعوبة تذكر الأشياء. فما هي القصة؟ ولماذا يجب علينا التوقف عن هذه العادة؟

الهاتف الذكي وهفوات في التركيز

يوضح العلماء أن مشكلة استخدام الهاتف الذكي من جهة، ومشكلة تصفح وسائل التواصل الاجتماعي من جهة أخرى، لا ترتبطان فقط بالزمن. بكلمات أخرى، لا ترتبط المشكلة فقط بالوقت الذي نستغرقه في مشاهدة هذه الأشياء، بل يجب أن نكون على دراية بكيفية تعاملنا مع هذه الأشياء أيضًا.

الهاتف الذكي والذاكرة

قارنت إحدى الدراسات الحديثة فكرة المهام المتعددة المرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي وعلاقتها بأداء الذاكرة. شملت هذه الدراسة 80 مشاركًا تتراوح أعمارهم بين 18 و26 عامًا. اختبر الباحثون «الذاكرة العرضية» على وجه التحديد، وهي الذاكرة التي تساعدنا على تذكر الأحداث. جرت عملية الاختبار عبر تقديم صور لأشياء على جهاز حاسوب للمشاركين ثم مطالبتهم لاحقًا بتذكر ما إذا كانوا قد رأوا هذه الأشياء في وقت سابق أم لا.

في الوقت نفسه، استخدم الفريق البحثي مخطط كهربية الدماغ وتتبع العين لمراقبة مدى انتباه وتركيز المشاركين. طلب الباحثون من المشاركين إكمال استبيان لتحديد عدد المرات التي يشاركون فيها في عمليات المهام المتعددة المرتبطة بالوسائط المتعددة ووسائل التواصل الاجتماعي، مثل قراءة الرسائل النصية أثناء مشاهدة التلفزيون أو القراءة أثناء الاستماع إلى الموسيقى.

وجد الباحثون أن الأشخاص الذين أبلغوا عن قيام بعمليات المهام المتعددة هذه بشكل متكرر، تعرضوا لمزيد من الهفوات في عملية الانتباه، والتي ارتبطت بصعوبات متزايدة في التذكر. وهو ما يعني أن قيامنا بمهام متعددة مثل التصفح السريع لرسائل الواتساب أو متابعة بعض المنشورات على فيسبوك خلال قيامنا بمشاهدة التلفاز، يرتبط بمزيد من الضعف في الانتباه وصعوبة تذكر الأشياء.

تعدد المهام الثقيل وتغيرات في الدماغ

«تعدد المهام المرتبطة بالوسائط» يحدث عندما يتفاعل الأشخاص مع أجهزة أو محتوى متعدد في الوقت نفسه. قد يكون عندما تستخدم هاتفك الذكي أثناء مشاهدة التلفزيون، أو حتى الاستماع إلى الموسيقى والمراسلة النصية مع الأصدقاء أثناء لعب لعبة فيديو.

وجدت دراسة حديثة أخرى أن أداء «المهام المتعددة المرتبطة بالوسائط» كان أسوأ في اختبارات الذاكرة العاملة. ليس هذا فحسب، بل وجدت أن البعض لديهم اختلافات هيكلية في الدماغ.

ركزت هذه الدراسة عن تعدد المهام «الثقيل»، أي الذي يحدث بشكل متكرر ومكثف على مدار اليوم. وجدت الدراسة أن أداء هؤلاء الناس كان أسوأ بنحو 8-10% في اختبارات الانتباه المستمر مقارنة بالمهام المتعددة «الخفيفة». وجد الباحثون أن القدرة على الحفاظ على الانتباه كانت أقل بالنسبة لأصحاب المهام المتعددة الثقيلة.

وعثر الباحثون أيضًا على نتائج توضح أن أداء المهام المتعددة للوسائط الثقيلة كان بشكل أسوأ من الوسائط المتعددة الخفيفة في اختبارات الذاكرة العاملة. تضمن ذلك حفظ المعلومات وتذكرها (مثل رقم الهاتف) أثناء أداء مهمة أخرى (مثل البحث عن قلم وقطعة من الورق لتدوينها).

قلة التركيز تؤدي إلى تعدد المهام!

الأمر المدهش هنا، هو أن هذه الدراسة وغيرها، أوضحت أن الأمر يتم في كلا الاتجاهين. بمعنى أنه في الوقت الذي يؤدي تعدد المهام المرتبطة بالوسائط إلى نقص في التركيز، فإن الأشخاص الذين لديهم انتباه ضعيف، من المحتمل أن يتنقلوا بين الأنشطة بسرعة، بدلاً من الاستمرار في نشاط واحد فقط.

كما أظهر مسح الدماغ للمشاركين أن منطقة من الدماغ تعرف بـ«القشرة الحزامية الأمامية» تكون أصغر في أصحاب المهام المتعددة الثقيلة. تشارك هذه المنطقة من الدماغ في عملية التحكم في الانتباه. وهو ما قد يعني أن الحجم الأصغر لهذا الجزء يرتبط بالأداء السيئ وضعف الانتباه.

لكن.. تشتيت أقل يساوي ذاكرة أقوى

هنا، يوضح العلماء أن الإدراك الواعي للانتباه والحد من عوامل التشتيت المحتملة يمكن أن يقطع شوطًا طويلاً في تجهيز الذاكرة وتقليل شرود الذهن أو تشويش العقل. قد تكون مقاومة عملية تعدد المهام المرتبطة بهواتفنا أثناء المحاضرات المدرسية أو أثناء العمل، أو تقييد هذا النوع من المهام المتعددة في أوقات بعينها، هو أمر ذو قيمة عالية للحفاظ على ذاكرتنا. ترتبط ذاكرة العمل المعقدة ارتباطًا وثيقًا بوجود تركيز أفضل والقدرة على تجاهل المشتتات.

أصبحت عملية المهام المتعددة هذه أكثر بروزًا في عالمنا الحالي الذي لا يفارق فيه الهاتف الذكي أيدينا وجيوبنا. إذا وصلك تنبيه على هاتفك، فهل ستستطيع منع نفسك من التقاط هاتفك والنظر للرسالة القادمة وفتحها والرد عليها، رغم أنك مشغول بأداء مهمة ما في العمل أو مشغول في الاستذكار؟ بالطبع هذا أمر بالغ الصعوبة.

نحن لا نعرف شيئًا عن تأثيرات هذا النوع من الفعال بشكل واضح. لماذا؟ لأنه في الكثير من الدراسات التكنولوجية يسأل الباحثون الناس: كم عدد الساعات التي تقضيها في ممارسة هذا الفعل؟ كم ساعة تقضيها على وسائل التواصل الاجتماعي؟ كم عدد الساعات التي تقضيها في اللعب؟ لكن الباحثون لا يركزون أو ينتبهون إلى أننا قد نفعل بعض هذه الأمور في الوقت نفسه.

لذلك، سيكون من المهم التحقيق فيما إذا كان تعدد المهام المرتبطة بوسائل التواصل يتسبب في هفوات متعمدة وفشل في الذاكرة أو ما إذا كان هناك عامل آخر، مثل مدى تشتت الشخص بشكل عام.

يمكن التحقق من ذلك من خلال الدراسات التي تراقب الناس بمرور الوقت. مثلًا، في الأيام التي يكون لديك فيها المزيد من المهام المتعددة المرتبطة بالهاتف الذكي ووسائل التواصل، هل تقل قدرتك على التذكر في اليوم التالي؟ أو هل انخفاض الذاكرة في يوم ما يتنبأ بأنك تقوم بمهام متعددة أكثر في اليوم التالي؟

هذا مجال مثير للاهتمام حقًا يجب أن يستكشفه العلماء ويخبروننا بما يجدونه من نتائج، لأنها مهمة جدًا بالنسبة للناس الذين تحولت حياتهم إلى عملية مستمرة من المهام المتعددة، والفضل بالطبع لهذا الهاتف الذكي في أيديهم.

صحة

منذ 8 شهور
الإصابة بالزهايمر ليست السبب الوحيد.. 9 مسببات لاضطراب الذاكرة قد لا تعرفها

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد