في 12 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أطلق مستوطنون إسرائيليون النار على الطفل المقدسي، أحمد مناصرة، ليصاب بجروح متوسطة، قبل أن تتحول إلى نزيف في الرأس. كان المستوطنون يحاوطونه متوجهين إليه بالسباب أمام عدسات الكاميرات.

أثار مقطع الفيديو غضب الشارع الفلسطيني، وأخذ يُصدّر روايته، عن انتهاك الإسرائيليين لأبسط حقوق الإنسان، ويكشف وحشية المستوطن الإسرائيلي الذي يتعمد قتل الأطفال. أمام هذه الضجة الإعلامية، بخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وزّع مكتب الرئيس الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بيانًا صادرًا عن مُستشفى «هداسا» في القدس الغربية المُحتلة، يُوضّح أن الطفل يُعالج على يد أحد أطباء المُستشفى الإسرائيلية.

البيان الإسرائيلي رسم صورةً وردية، لم يكن ارتباطها بالواقع قويًا، فما حدث حقيقة أنه بالفعل نُقل إلى المشفى، لكنه ظل هُناك مكبّل اليد في سريره، ويُعامل مُعاملة غير مُنصفة.

تطور ملحوظ

كشف المحامي لكذب الرواية الإسرائيلية، مهد الطريق إلى تصدر الرواية الفلسطينية المدعمة بالدليل عربيًا وعالميًا، وسط سباق إعلامي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أظهرته العديد من النماذج الحية بالصوت والصورة.

ما سبق يوحي أن الإعلام الفلسطيني، الذي كادت روايته تختفي أمام نظيره الإسرائيلي، بدأ يُطور من أساليبه وأدواته، وأن صوته في الخارج أصبح مسموعًا، بعد مساهمته بجزء من انحسار وتدهور الرواية الإسرائيلية.

الطفل المقدسي «أحمد المناصرة» خلال وجوده في مشفى إسرائيلي بعد إصابته

وتعقيبًا على ذلك، أشار الباحث في الشأن الإسرائيلي، عماد أبو عوّاد، إلا أنّ «إن الداخل الإسرائيلي، وبخاصة الإعلام، ينظر إلى وجود تطور ملحوظ في الرسالة الإعلامية الفلسطينية، وهناك اعتقاد إسرائيلي بأن الإعلام المقاوم بات الأكثر متابعة من قبل الفلسطينيين».

وأضاف عوّاد في حديث خاص لـ«ساسة بوست»، أن «إسرائيل أقرت خسارتها للحرب الإعلامية، بعد أن أظهرها الإعلام الفلسطيني في صورة المجرم والقاتل، ما دفعها إلى تجنيد جيش من الدبلوماسيين لتغيير ذلك النمط».

فضلًا عن أنه من وجهة النظر الإسرائيلية، فإن الإعلام الفلسطيني قد نجح في التمهيد لمزيدٍ من المقاطعة الأكاديمية والاقتصادية لإسرائيل، لذلك كانت المطالبة بمحاربة هذا الإعلام، وهو ما تُرجم بالفعل بإغلاق مكتب قناة فلسطين اليوم مُؤخرًا، وصفحة قناة الأقصى عبر فيس بوك، وغيرهما.

إدراك غربي

بعيدًا عن تأثر المجتمع الإسرائيلي برواية الإعلام الفلسطيني، فإن الأكاديمي والمهتم بالإعلام الغربي مشير عامر، يرى أن حضور الرواية الفلسطينية وتأثر الخارج بها، يعزو إلى الثورة الإلكترونية، التي ساهمت في تغيير النظرة صوب إسرائيل وسياساتها ضد الفلسطينيين على المستوى الشعبي الغربي.

ومن خلال متابعة الأكاديمي الفلسطيني لوسائل الإعلام الغربية وتعاطيها مع الأخبار الفلسطينية المرتبطة بالصراع مع إسرائيل، فإنه يرى أن وسائل التواصل الاجتماعي، أحدثت ثغرات في الجدار السميك الذي بنته إسرائيل لتمنع وصول الرواية الفلسطينية إلى الجمهور الغربي.

وأضاف عامر لـ«ساسة بوست»، أن «الصوت الفلسطيني بدأ يظهر بشكل واضح عبر وسائل التواصل الاجتماعي بقوة، لاسيما بعد أن نشأت وسائل إعلام مستقلة منفصلة عن منظومة الإعلام الحزبي، وتحاول أن تقدم نسخة مختلفة عن الواقع».

تنديدًا بالاعتداءات الإسرائيلية على غزة، مظاهرة نظمت في 12 يوليو (تموز) 2014 بأيرلندا

اقتراب وجهات نظر «أبو عواد» و«عامر» حول أسباب تصدر الرواية الفلسطينية، وتطور الإعلام عن نظيرتها الإسرائيلية، يدعمها بقوة المدون والناشط الإعلامي الفلسطيني خالد صافي، عبر عرضه بعضًا من النماذج الإعلامية.

يستشهد صافي بمراحل تطور الرواية الفلسطينية من خلال الحروب الثلاثة الأخيرة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة المُحاصر، والتي أحدثت فرقًا شاسعًا في تعاطي الإعلام العربي والغربي معها، بفعل تراكم الخبرات لدى الشباب الفلسطيني، وإدراكه لفهم ما يريده الإعلام الغربي.

في الحرب الأولى عام 2008، لم يكن الفلسطيني على قدر من الوعي لحشد رأيه ونفي الرواية الإسرائيلية المدعمة بالتضليل ومزاعم «محاربة الإرهاب»، بيد أن التوسع في علاقاته الخارجية عبر الوفود القادمة إلى غزة بدأت رسالته تصل شيئًا فشيئًا.

يلفت المدون والناشط الإعلامي في حديثه مع «ساسة بوست»، إلى أن عام 2012، وبالتزامن مع كثرة توافد الوفود والجمعيات والمؤسسات الخارجية إلى غزة، حدث فارق في إدراك أهمية مواقع التواصل الاجتماعي وما ينشر عليها بالنسبة للمواطن العربي والغربي.

وأضاف خالد صافي: «العديد من الصحافيين، ومن يعملون في الوكالات والأنباء العربية والدولية، أصبحوا على تواصل مباشر مع الفلسطينيين المتخصصين في نقل الرواية المدعمة بالأرقام والصورة عبر متابعة حساباتهم على موقعي فيس بوك وتويتر».

فضلا عن أن اتساع الرواية الفلسطينية، وتصديقها عالميًا، كان عبر الحملات التي ينظمها الفلسطينيون على مواقع التواصل الاجتماعي، والوسوم (الهاشتاجات) المرتبطة بالمجريات على الساحة الفلسطينية، وما أحدثته من صدى كبير. على هذا باتت الصحافة الغربية، بدرجة كبيرة، تضع الرواية الفلسطينية جنبًا إلى جنب مع الإسرائيلية، وهذا يعني تحولًا كبيرًا لصالح الإعلام الفلسطيني، فعلى مدار سنوات كانت الرواية الإسرائيلية هي المتصدرة دون غيرها تقريبًا.

آليات المواجهة الإسرائيلية

بالعودة إلى تأثر إسرائيل بالإعلام الفلسطيني، وطبيعة الإجراءات التي تتخذها بحقه، فإن الإعلام الإسرائيلي يخضع لرقابة عسكرية شديدة بنسبة تصل إلى 73% من المنشور، بخاصة المتعلق بالأمن. وفيما يتعلق بالمجتمع الإسرائيلي، وُجد أن نسبة الإسرائيليين الذين باتوا يرغبون في متابعة الإعلام الفلسطيني، في ازدياد.

ويرى الباحث عماد أبو عواد، أن جزءًا من المجتمع الإسرائيلي، أبدى ثقة أعلى في تصريحات قيادة المقاومة سابقًا، خلال حرب غزة. إضافة إلى وجود جزء آخر يتابع الإعلام الفلسطيني المكتوب، إذ أظهرت استطلاعات الرأي تبني جزء ليس بالقليل منهم، للرواية التي تقول إن سبب الأحداث بالضفة الغربية المحتلة، هم المستوطنون، والذين يسعون إلى «تشويش» حياة الإسرائيليين.

الشهيد بلال العواودة بعد طعنه جنديًا إسرائيليًا

وحول آليات مواجهة إسرائيل للإعلام الفلسطيني، يتصدر حجبها لمواقع التواصل الاجتماعي قائمة تلك الآليات، بخاصة وأن مواقع التواصل الاجتماعي، الأكثر انتشارًا وتأثيرًا في شريحة واسعة من الشباب، بالإضافة إلى قدرتها الفائقة للوصول إلى العالمية.

تلك المواجهة الجادة للتواصل الاجتماعي، يراها خالد صافي في سياق أن الرواية الإعلامية الفلسطينية استطاعت أن تصيب إسرائيل في مقتل، للدرجة التي دفعت بها إلى التعاقد مع مواقع عالمية مُتخصصة لتتبع أي مُحتوى «تحريضي» وإزالته، إلى جانب وضع قائمة بالصور والأغنيات التي يراها الإسرائيليون «تحريضًا» ضدهم.

آلية أخرى تمارسها إسرائيل لدحض الرواية الفلسطينية، وهي محاولة سبقها برواية مضادة، وهو ما جرى بكثرة خلال الأشهر القليلة الماضية، عند تبريرها قتل أي شبان فلسطينيين، بزعمها أنهم كانوا في محاولة لطعن جندي أو مُستوطن إسرائيلي.

مع هذا، لا يمكن المغامرة بالقول، إن الرواية الفلسطينية قد رجحت كفتها عن نظيرتها الإسرائيلية، إذ لا يزال الإعلام الفلسطيني في حاجة إلى مراجعة خطابه، ووضع محددات ينطلق منها، إلى جانب التركيز أكثر على «أنسنة» الحق الفلسطيني.

وهو ما تم تأكيده من قبل مركز الدراسات السياسية والتنموية، الذي لفت إلى أن «السياق العام للتغطية الإعلامية الغربية، قائم على لوم الضحية الفلسطيني، وتبرئة الاحتلال الإسرائيلي، ومعاملة الفلسطينيين على أنهم أرقام بلا أسماء، مقابل التركيز على القتلى والمصابين من إسرائيل، وهو النسق الذي اتبعه الإعلام الغربي ولا يزال في تغطيته للأحداث، باستثناء بعض الصحف والمواقع الليبرالية واليسارية».

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد