يعيش الإعلام الجزائري، في الآونة الأخيرة، صدمةً مفاجئةً على وقع قرار رئيس الوزراء، عبد المالك سلال، القاضي بإغلاق أكثر من 50 قناةً فضائيةً خاصة، لا تملك تصريحًا للعمل بالداخل الجزائري.

فتح القرار نقاشًا ساخنًا، بين أطياف الرأي العام الجزائري، حول وضعية الإعلام بالبلاد، بين من يرى أن هناك توجهًا عدائيًّا، من قبل السلطة، لضرب حرية الإعلام، ومن يرى أن القرار «جاء متأخرًا»، لتنظيم حالة الفوضى المتخبط فيها إعلام البلاد.

 

تطور حرية الصحافة بالجزائر تاريخيًّا

بدأت الصحافة في الجزائر مع الحقبة الاستعمارية، حيث ظهرت مجموعة من الصحف الفرنسية والعربية، المعنية بالوضع السياسي، وانتظمت المؤسسات الصحفية حينها تحت الإطار القانوني للإعلام، إطارٌ وضعه المستعمر الفرنسي، وبقي هذا القانون ساري المفعول، حتى بعد الاستقلال سنة 1962.

وبالرغم من أن القانون لم يكن «منتوجًا وطنيًّا»، وكان مكبلًا لحرية الصحافة، وغير مكتمل الجوانب، إلا أنه منحها هامشًا من الحرية، ليأتي بعد ذلك قانون عام 1982، ليعكس الوضع السياسي السائد في الجزائر آنذاك، إذ كرس سيطرة الدولة على قطاع الإعلام بشكلٍ تام، وعزز من جهة أخرى هيمنة الحزب الواحد، الممثل في جبهة التحرير الوطنية، ومن ثم كان من الطبيعي أن يفتقر قانون 1982 لحس الحرية، حتى سُمي حينها، من قبل الوسط الإعلامي، بقانون العقوبات.

طوال الثمانينات، تدهورت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بشكلٍ حاد، بسبب فشل السياسات الاشتراكية على مستوى الاقتصاد، وكذا هيمنة الحزب الواحد على الحياة السياسية، ما قاد في الأخير إلى اندلاع مظاهرات احتجاجية، خرج فيها الآلاف، يوم الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) لعام 1988، يومٌ سيمثل منعطفًا مهمًّا في تاريخ الجزائر الحديث.

أفرزت هذه المسيرات عن تعديلات دستورية، خرجت إلى العلن عام 1989، وأقر الرئيس الشاذلي بن جديد حينها تعددية سياسية حزبية، نتج عنها في ظرف وجيز، لا يتعدى العامين، ظهور ما يفوق ستين حزبًا، جسدت كل التوجهات السياسية والاجتماعية، المتواجدة على الساحة الجزائرية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

 

 

في ظل هذه الفترة النشطة سياسيًّا، فُتح الباب على مصراعيه أمام الأحزاب، والمبادرين لإنشاء صحف وإذاعات، تجسد مشروعاتهم السياسية المتعددة، فبرزت إلى الوجود حوالي 40 جريدة يومية، تتفاعل مع هموم الجزائريين، وتتناول قضايا متنوعة في مختلف المجالات. بيد أن هذه القفزة النوعية، للصحافة الجزائرية، ستعود إلى نقطة الصفر عام 1991، عندما تم فرض قانون الطوارئ، إثر اندلاع حرب العشرية السوداء، حرب تعرض خلالها مئات الصحافيين إلى الاغتيال، من طرف الجماعات الإسلامية المسلحة، بسبب مواقفهم الداعمة للنظام.

عاشت الصحافة الجزائرية في هذين العامين أزهى عصورها، وبرزت لأول مرة «الصحافة المستقلة»، في تاريخ الجزائر الحديث، كتوجه إعلامي يلتزم بمعايير المهنية، والحرفية الإعلامية العالية، توجهٌ جسدته صحيفة «Le Soir d’Algérie»، وجريدة «الخبر».

 

وضع الإعلام الجزائري حاليًا

ألقت العشرية السوداء بتبعاتها المأساوية، على وضعية الصحافة الجزائرية، طوال العقد التسعيني من القرن الماضي، وفور انتهائها في بداية الألفية الجديدة، عادت الصحافة لتنتعش شيئًا فشيئًا، إلا أنها بقيت دومًا تحت حدود «خطوط حمراء» تفرضها السلطة.

بعد عقد آخر ستأتي ثورات «الربيع العربي»، في عام 2011، وستلقي حجرًا في مياه الساحة الجزائرية الراكدة، لتحرك الحياة السياسية والحقوقية، بالمجتمع الجزائري، وإن لم ترق إلى تحدي النظام السائد، كما حدث في تونس ومصر.

في هذا السياق، ستظهر 60 قناة فضائية جزائرية دفعة واحدة، فيما يشبه انفجارًا إعلاميًّا، كلها تبث خارج البلاد، وخمسة منها فقط معتمدة بصفة قانونية، بينما ظلت تنشط بقية القنوات بدون موافقة حكومية، حتى الآونة الأخيرة، حين أعلن الوزير سلال «إغلاق كافة القنوات غير المعتمدة»، مبررًا قراره بأن «الحكومة سمحت منذ صدور قانون السمعي البصري، ببداية غير منظمة، في انتظار ضبط ذاتي، لكن ذلك لم يحدث للأسف، وحان الوقت ليعرف المواطنون الحقيقة، ولتطبيق القانون على الجميع بشفافية وإنصاف».

 

 

من جانب آخر، تلفظ عشرات الصحف الجزائرية أنفاسها الأخيرة، بسبب تراجع حاد لسوق الإعلانات، إثر سياسة التقشف التي تتبعها الحكومة، منذ تقلص أسعار البترول قبل عامين، مما تمخض عنها وقف المشاريع الحكومية الاقتصادية الكبرى والمتوسطة، وبالتالي انخفاض طلبات الإشهار والإعلانات، على صفحات أغلب الصحف.

تسببت هذه الأزمة المالية في إفلاس 16 صحيفة، فيما توقفت 20 صحيفة أخرى عن الصدور بشكل منتظم، بينما قلصت بعض الجرائد صفحاتها، من 24 صفحة إلى 16 صفحة، في محاولة يائسة لتقليل مبالغ الطباعة، مع تقليص عدد الصحافيين، بينما ما زالت صحف أخرى تقاوم حتى الآن، على غرار صحيفة الشروق اليومي، وصحيفة الخبر.

وتجدر الإشارة إلى أن تصنيف منظمة «مراسلون بلا حدود» لحرية الصحافة العالمية، لعام 2016، يعكس تراجع الجزائر في مجال الصحافة وحرية التعبير، بـ10 مراكز، إذ حلت بالمرتبة 129 من بين 180 دولة، بعدما كانت في المرتبة 119 العام الماضي.

 

الصحافة والسلطة الجزائرية

تنظر السلطة الجزائرية إلى الصحافة عمومًا كقطاع منفلت، يهدد استقرار البلد، ويؤلب الرأي العام ضد السياسات الحكومية، ومن ثم تسعى جاهدة للسيطرة عليه، سواء عبر التحكم في قطاع الإشهار، وتوجيهه حسب منطق الطاعة، أو عبر الإغلاق المباشر للمؤسسات الإعلامية، إذا ما مست الخطوط الحمراء، كما حصل مع قناة الوطن الخاصة.

وصادقت الحكومة الجزائرية، خلال عام 2011، على قانون حرية الإعلام، في محاولة منها لتنفيس الشارع من الاحتقان آنذاك، إلا أنها ظلت تناور، دون أن تصدر القوانين التنظيمية لمشروع القانون، حتى الساعة، ويبدو أنها لا ترغب في ذلك، ما دام الوضع السياسي مستقرًا، وبعدما ما بدا وكأنه فشل «الربيع العربي».

 

 

 

ولعل إقدام السلطة الجزائري، على قرار إغلاق 55 قناة خاصة دفعة واحدة، يبين مدى الارتياح الذي يسكن الحكومة، في تقديرها لردود أفعال الرأي العام، إزاء قراراتها المتسارعة، لتطهير الإعلام من الأصوات غير المسايرة للنظام، بينما يعتبر البعض قرار الإغلاق «إجراءً تحضيريًّا» لمرحلة ما بعد بوتفليقة، والاستعداد لانتخابات العام المقبل، من أجل استبعاد أي تشويش، قد يعرقل الخيارات المستقبلية للحكومة.

لا يقتصر انزعاج السلطات الجزائرية على وسائل الإعلام المحلية فقط، بل يتعدى ذلك إلى الصحف الأجنبية، كما يظهر عندما قررت رئاسة الجمهورية مقاضاة جريدة لوموند الفرنسية، بعد نشرها صورة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، على صدر صفحتها الأولى، في الخامس من أبريل (نيسان) الماضي، مرفقة بتقرير عما عرف بـ«وثائق بنما» المتعلقة بالفساد.

عمومًا فإن الصحافة الجزائرية هي انعكاس لسياق سياسي تعمل فيه، كما يتسبب شح الموارد المالية في تقليص دورها، في تأطير الرأي العام شيئًا فشيئًا، وبالتالي صار بقاؤها مرتهنًا من جهة أولى بعصا السلطة، ومن جهة ثانية بجيوب أرباب المال، ما دفع بعض المهنيين، في القطاع الإعلامي، إلى التوجه نحو الوسط الإلكتروني لممارسة الصحافة، باعتباره فضاءً أكثر مرونة وأقل تكلفةً.

عرض التعليقات
تحميل المزيد