شهدت تونس، الأسبوع المنصرم، هجماتٍ مُسلحةً عنيفةً، خلفت عشرات القتلى، وبعد نجاح القوات الأمنية في صد الهجمة التي نفذتها عناصر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) للسيطرة على منطقة بنقردان، يتساءل الكثير من التونسيين حول مدى نجاح وسائل الإعلام التونسية في تغطية الحدث، مع الوضع في الاعتبار المُقارنة بين هذه التغطية، وبين مثيلاتها العالمية، بخاصة التغطية الفرنسية لهجمات باريس الأخيرة.

أولًا: الإعلام التونسي ينقل صور قتلى

أحد الأشياء التي أثارت استياء العديد من الناشطين والمهنيين في الصحافة، خلال التغطية الإعلامية التونسية لـ«هجوم بنقردان» الأخير، هو تجرؤ عددٍ من المواقع الإلكترونية التونسية على نقل صور ومقاطع فيديو لعدد من قتلى عناصر «تنظيم الدولة»، الذين لقوا حتفهم إثر معركتهم مع الجيش التونسي، علنيًّا، بدون حتى تمويهها أو محاولة تخفيتها. هذه الصور اجتاحت الصفحات التونسية والأجنبية على مواقع التواصل الاجتماعي.

في هذا السياق، انتقدت رئيسة المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب راضية النصراوي هذا السلوك الإعلامي، قائلة إنه «من الضروري احترام الحرمة الجسدية لقتلى هذه العملية والمقبوض عليهم، نظرًا لعدم فصل القضاء في التهم الموجهة إليهم».

خلافًا لذلك، لم تظهر أي صور أو مقاطع فيديو لجثث قتلى هجمات باريس، سواء كانوا من المدنيين أو منفذي العملية، بالرغم من حصيلة الأرواح المرتفعة، التي فاقت 130 شخصًا. يعود ذلك إلى أن القانون الفرنسي يجرم انتهاك «الخصوصية»، كما أن نقابة الصحافة الفرنسية تعتبر نقل صور جثث القتلى إلى المشاهدين سلوكًا إعلاميًّا «لا أخلاقيًّا».

ثانيًا: تغطية شحيحة لهجوم بنقردان

كانت التغطية الإعلامية لهجوم باريس مكثفة، فمنذ لحظة وقوع الحادث، بادرت كل وسائل الإعلام الفرنسية، بأنواعها المتلفزة والورقية والإلكترونية والإذاعية، إلى تناول الموضوع في حينه ولحظة بلحظة، وقد استمرت التغطية الإخبارية لأيام وهي تكاد لا تخرج عن وقائع الهجوم الذي حدث في باريس.

وكذا الشأن بالنسبة لوسائل الإعلام الأجنبية، الغربية منها والعربية والآسيوية، حيث تطرقت إلى موضوع أحداث باريس باستفاضة.

أما أحداث بنقردان، لسوء حظها، لم تلق تغطية إخبارية مكثفة حتى من وسائل الإعلام التونسية، إذ انتقد الشارع التونسي اكتفاء معظم القنوات التلفزيونية والإذاعية، الرسمية منها والخاصة، بأخبار مقتضبة حول المعركة التي شنتها عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية ضد ثكنات عسكرية بمنطقة بنقردان الحدودية.

ثالثًا: القضاء الفرنسي حاسب التغطية الإعلامية لهجوم باريس

في 18 أغسطس (آب) 2015، فتح القضاء الفرنسي تحقيقًا، على خلفية تغطية وسائل الإعلام الفرنسية لهجوم باريس، حيث اشتبه في مخالفة بعضها للقانون، الأمر الذي اعتبره المحامي الفرنسي ليليان لوبير حينها «خطوةً جيدةً ومنتظرةً، حتى تفكر المؤسسات الإعلامية مليًّا فيما تنشره للعموم».

وكان القضاء الفرنسي قد باشر تحقيقًا في حق قناة «BFM-TV» الفرنسية، والتي اشتبه في ارتكابها أخطاء قانونية، خلال تغطية لواقعة «الأخوين سعيد وشريف كواشي» في التاسع من يناير (كانون الثاني) من العام الماضي.

وبالرغم من أن بعض وسائل الإعلام التونسية، كان واضحًا أنها اقترفت أخطاءً مهنيةً في تغطيتها لهجوم بنقردان، إلا أن القضاء التونسي لم يفتح تحقيقًا ضدها حتى الآن، من بينها تلك التي نقلت صور جثث القتلى علنيًّا.

وكان عددٌ من الناشطين التونسيين، قد طالب بمحاكمة موقع «حصاد» الإلكتروني التونسي، الذي بث خبرًا مفاده أن «تنظيم الدولة» قد سيطرت على مدينة بنقردان. في هذا الشأن علق الروائي التونسي أنس العبيدي، عبر صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، قائلًا: «شخصيًّا أطالب بمحاكمة المشرفين على موقع الحصاد بمقتضى قانون الإرهاب، لنشره أخبارًا زائفة من شأنها الإخلال بالأمن».

رابعًا: وسائل التواصل الاجتماعي حاضرة بقوة في أحداث باريس

كان لمواقع التواصل الاجتماعي دورٌ فعالٌ خلال أحداث باريس، فمنذ ليلة الهجوم، انتشرت وسوم شاركها مئات الآلاف من رواد التواصل الاجتماعي، من هذه الوسوم: «rechercheparis» (بحث باريس)، الذي استعمل خصيصًا ليتعرف البعض ممن فقدوا أقاربهم وأصدقاءهم على مفقوديهم ليلة الحادث، وكذلك وسم «Porteouverte» (بيتنا مفتوح)، الذي استعان به الفرنسيون لإيواء من تعذر وصولهم إلى بيوتهم، بعدما دعت السلطات الأمنية المواطنين إلى البقاء في أماكنهم وعدم التحرك. ناهيك عن أن موقع فيس بوك نفسه أفرد، حينها، خدمة safety check خصيصًا للمواطنين الفرنسيين للاطمئنان على ذويهم.

وبعكس ذلك، في تونس، لم تبرز وسوم محددة على الشبكات الاجتماعية، لها علاقة بالأحداث «الإرهابية» التي تضرب البلاد الفينة والأخرى، اللهم بعض الهاشتاجات التي لا تتجاوز حدود التضامن الرمزي.

خامسًا: الإعلام العالمي كان بجانب باريس دون تونس

بمجرد وقوع هجوم باريس، بادرت مختلف وسائل الإعلام العالمية بتلوناتها، إلى التضامن مع فرنسا، وذلك من خلال المقالات الافتتاحية والرسومات الكاريكاتورية والبرامج الحوارية، التي تندد بالهجمات.

وبلغ هذا التضامن أوجه حينها مع شبكات التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت حينئذ الصور المعبرة والتدوينات الغاضبة، وبرزت وسوم تعبر عن التعاطف مع الضحايا الفرنسيين، شاركها ملايين الناس من كل أنحاء العالم على صفحاتهم الشخصية، منها هاشتاج «prayforparis» و«je suis paris».


وبالمقابل، كان تفاعل وسائل الإعلام العالمية مع «هجوم بنقردان» في تونس ضعيفًا، وكذلك العربية، أما اهتمام رواد التواصل الاجتماعي بالحادث فقد كان شبه غائب.

سادسًا: الإعلام الأمريكي لم يهتم بهجوم «تنظيم الدولة» على تونس

حظيت «أحداث باريس» بتغطية مكثفة من كبريات القنوات والصحف الأمريكية، إلى درجة أن شبكة «سي إن إن» أرسلت مكتبها في لندن لحظتها إلى باريس لتغطية الوقائع. وقد سمح جبروت وسائل الإعلام الأمريكية في إكساب «هجمات باريس» طابعًا عالميًّا.

بينما كان الأمر مختلفًا في تونس، إذ لم تجد أحداث بنقردان صدى في الإعلام الأمريكي، ما عدا بعض التقارير من هنا وهناك. وهو الأمر الذي يثير انتقادات ضد المؤسسات الإعلامية الأمريكية بشأن انتقائيتها بين مناطق العالم في تغطياتها الإعلامية.

سابعًا: حضور الحس الفكاهي في أحداث بنقردان

طغت مشاعر الحزن والأسى خلال واقعة باريس، لما خلّف الهجوم من ضحايا بالعشرات، ومن ثم انتشرت حملات التضامن وطرح الورود على أرصفة الشوارع الفرنسية.

بيد أن الأمر كان مختلفًا في تونس، فرغم أن رائحة الموت كانت تفوح من حرب الشوارع بين الجيش التونسي وعناصر «تنظيم الدولة»، إلا أن هذا لم يمنع من ورود بعض الوقائع الطريفة، كإصرار أهالي بنقردان المدنيين على المشاركة في المعركة، بملاحقة الجنود وراء ظهورهم، وهم يساندونهم بالأهازيج والشعارات، بينما طلقات الرصاص تتطاير في الهواء! الأمر الذي اعتبرته وسائل الإعلام التونسية دعمًا للجيش.

وذلك خلافًا لما حدث خلال هجوم باريس، حيث دخل المواطنون الفرنسيون منازلهم، وتركوا مهمة القضاء على المسلحين للقوات الأمنية المختصة؛ تلبيةً لنداء السلطات الفرنسية بحظر التجوال.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد