صباح يوم أمس الأحد، الواحد والثلاثين من شهر أغسطس (آب)، شهدت أكشاك بيع الجرائد في مختلف محافظات الجزائر، قدوم عناصر أمنية بلباس مدني، لسحب كل أعداد جريدة «الوطن» الناطقة باللغة الفرنسية، وقد احتوى العدد على صورة ضخمة لقائد الأركان السابق ونائب وزير الدفاع، الفريق أحمد قايد صالح، في الصفحة الأولى وعنوان بالبنط العريض «تفاصيل ثروة تكوَّن تحت ظلِّ الجنرال».

وجرت عملية السحب هذه بسبب مقال صحفي يخصُّ قضايا فساد متَّهمة فيها عائلة قائد الأركان السابق ونائب وزير الدفاع، الفريق أحمد قايد صالح، الذي توفي في ديسمبر (كانون الأوَّل) 2019م، بعد أقل من أسبوعين من انتخاب رئيس الجمهورية الجديد، عبد المجيد تبُّون.  

ويحكي المقال الصحفي تفاصيل التحقيق الذي أطلقته الأجهزة الأمنية عن أملاك الأخوين عادل وبومدين، أبناء الفريق أحمد قايد صالح، وشبهات الفساد المالي التي تطال العائلة. وحسب التقرير فإن الأخوين الممنوعين من السفر منذ أسبوعين، يملكان ثروة طائلة كوَّناها أثناء عهدة الوالي السابق لمحافظة عنابة، محمد الغازي، الذي يقبع حاليًا في السجن بسبب قضايا فساد.

وتشير التحقيقات – بحسب التقرير – إلى أن الأخوين استفادا من «تسهيلات» غير مشروعة سمحت لهم بالاستحواذ على العديد من الشركات بالدينار الرمزي، من بينها شركة لتحويل القمح التي استحوذ عليها الابن بومدين؛ مما سمح لهما بالوصول إلى آلاف الأطنان من القمح المدعَّم بطريقة غير مشروعة. ويضيف التقرير أن عادل أحمد قايد، يمتلك ميناءً بريًّا، بالإضافة إلى جريدة جهوية، والعديد من الفيلات التي بيعت في المزاد. 

غلاف جريدة «الوطن» الجزائرية التي جرى سحبها من باعة الجرائد

وكان قائد الأركان السابق، أحمد قايد صالح، قد أجبر الرئيس بوتفليقة على الاستقالة، استجابة لثورة شعبية عمت كل شوارع الجزائر اعتراضًا على ترشح الرئيس المُقعد بسبب المرض، لعهدة خامسة سنة 2019م. كذلك أجرى الجنرال الذي كان الحاكم الفعلي للبلاد بعد استقالة بوتفليقة؛ العديد من التغييرات داخل المؤسسة العسكرية، من خلال إقالة العديد من الجنرالات، والأمر باعتقال آخرين ذوي نفوذ كبير في السلطة، من بينهم رئيسا المخابرات السابقان «الجنرال توفيق»، و«الجنرال طرطاق»، بالإضافة إلى حملة اعتقالات كبيرة شملت عددًا هائلًا من الوزراء والمسؤولين السابقين في عهد بوتفليقة.

صراع الأجنحة.. هل ينتقم توفيق من القايد صالح حتى في قبره؟

يرى مراقبون أن هذه الحملة الإعلامية ضد قائد الأركان السابق، تأتي في إطار صراع العصب العسكرية في الجزائر حول الثروة والسلطة؛ إذ يجري التخلص من الرجال المحسوبين على القايد صالح الذين عينهم في السابق، علاوة على بوادر عودة لجناح رئيس المخابرات السابق «الجنرال توفيق».

وكان الرئيس تبون قد أقال في أبريل (نيسان) الماضي الجنرال واسيني بوعزة، الذي يعرف بأنه كان الذراع اليمنى للقايد صالح، كما يشاع بأن بوعزة كان هو المسؤول عن اعتقال الجنرال توفيق في أبريل 2019م، وجرى تسلُّم أحد أقرب مساعدي القايد الصالح، العريف بونويرة قرميط، من تركيا، حيث كان فارًّا هناك، ويعرف هذا الشخص بأنه «غرفة أسرار القايد صالح».

رئيس الأركان السابق أحمد قايد صالح رفقة الرئيس السابق بوتفليقة

هذا التوجُّه نحو تصفية تركة القايد صالح، وحتى «الانتقام» منه بعد موته، من خلال فتح ملفات الفساد لعائلته المقربة؛ تطرح عدة تساؤلات حول الصراع في دواليب المؤسسة العسكرية، واحتمالية عودة جناح «الجنرال توفيق» من جديد، بعد أن جرى تحجيمه بشكل كبير في السنوات الأخيرة من طرف قائد الأركان السابق.

بالإضافة إلى ذلك يشكك بعض المعارضين في حقيقة وجود الجنرال توفيق في السجن؛ إذ يقول بعضهم باحتمالية وجوده في إحدى إقامات الدولة، وليس في السجن كما هو معلن، حيث من المفترض أن يقضي رفقة شقيق الرئيس السابق، سعيد بوتفليقة، وقائد المخابرات السابق، طرطاق، عقوبة 15 سنة سجنًا بتهمة التآمر على الدولة والجيش. 

هل ينجح الرئيس الجزائري في إنهاء صراع الجنرالات؟

عند حديثنا مع أحد الكتَّاب الصحافيين المتابعين للمشهد السياسي الجزائري، حول سرِّ هجوم صحيفة «الوطن» على قائد الأركان رغم خروجه من المشهد، وسبب سحب هذا العدد من الصحيفة من الأكشاك أجاب: «غالبًا، مثل هذه الموضوعات ذات الطابع العسكري الحساس تتولى تغطيته والحديث عنه بقدر من التفصيل صحيفة «الوطن»، المقربة من أجهزة الاستخبارات، وخاصة ما يعرف بجناح الشبكة العميقة التوفيقية (نسبة لمدير المخابرات سابقًا، الجنرال الأكثر نفوذًا وتأثيرًا في تاريخ الجزائر المستقلة، ولمدة تزيد على عقدين من الزمن)»

مظاهرات الحراك الجزائري

وحول خلفيات نشر هذه المعلومات في صحيفة «الوطن» الفرانكوفونية بالذات، أفاد محدثنا بأنَّها كانت معروفة منذ سنوات بقربها من بعض الدوائر داخل السلطة: «مدير الصحيفة سابقًا، عمر بلهوشات، كان قريبًا من دائرة رئيس الاستخبارات سابقًا وشبكته، وصاحب نفوذ وعلاقات قوية وممتدة؛ مما أتاح لصحيفته «الوطن» الوصول والاطلاع على أكثر الملفات حساسية في صراعات العصب والشأن العسكري الأمني عمومًا»، بحسب قول الصحافي الجزائري الذي تحدث إلى «ساسة بوست» وطلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية.

ويرى محدِّثنا أنَّ سبب هذا التصعيد يعود إلى رغبة جناح قائد المخابرات السابق – الجنرال توفيق – في الانتقام من تركة قايد صالح الذي سجن العديد من المحسوبين على فريق المخابرات سابقًا، خصوصًا بعد سجن اثنين من قادة المخابرات السابقين، مشيرًا إلى أن: «ما يجري حاليًا، وتحديدًا منذ الوفاة «الغامضة» لقائد الأركان سابقًا، أن الجناح النافذ المؤثر أو ما يعرف محليًّا بـ«شبكة الدولة العميقة» انتقم وثأر للنكبة العسكرية والسياسية التي تعرض لها على يد قائد الأركان الراحل ومجموعته، فلم يشعر مدير المخابرات السابق، النافذ القوي، الجنرال محمد مدين (الجنرال توفيق) بطعن وغدر وإهانة بالغة مثل الذي تعرض له من مجموعة قائد الأركان السابق، وسجن لفترة قصيرة ومعه بعض رجاله».

وأضاف: «وإن كان جناح الجنرال توفيق تعرض للضربات الموجعة منذ 2018م على يد جناح قائد الأركان الراحل نفسه، لكن ذلك كان بتغطية سياسية من الرئيس المخلوع، بوتفليقة وشقيقه سعيد، الحاكم الفعلي في أثناء مرض أخيه، ثم لم يتعرض الجنرال توفيق، للمحاكمة، فضلًا عن سجنه، بل استعان به آل بوتفليقة في الأيام التي سبقت إطاحة الرئيس بوتفليقة. لكن أن يسجن ويتهم بالخيانة، ويهان على مرأى ومسمع الجميع، فهذا لم يكن يتوقعه أحد».

ويضيف الصحافي: «كان أحد أهم الدوافع في انتقام شبكة الدولة العميقة وخوضها حرب تطهير وتصفية لجناح قائد الأركان سابقًا، حتى اقتربوا من أبنائه في الفترة الأخيرة، وفتحوا ملفات فسادهم وثرائهم الفاحش، وكانت واجهتهم الإعلامية والدعائية والتسويقية في عملية الانتقام والتصفية هذه صحيفة الوطن».

لكن، أين يقع الرئيس الجديد عبد المجيد تبون من هذا الصراع بين أجنحة النظام؟ وهل هو من دفع بسحب نسخ الجريدة من الأكشاك؟

يرى محدِّثنا أن الرئاسة في هذا الصراع تبقى مهمشة إلى حد كبير، فيقول: «الرئاسة، أو تحديدًا الرئيس، هو أحد أضعف حلقات الصراع الآن، وربما ليس إلا واجهة للشبكة العميقة؛ لأنها هي التي أنقذته من صراع العصب، واعتمد عليها في مواجهة تناحر وتطاحن الأجنحة المتضاربة، فوجد في الشبكة العميقة طوق نجاة مما وجد نفسه غارقًا في دوامته بعد رحيل راعيه قائد الأركان السابق، الذي فرضه فرضًا رئيسًا معيَّنًا».

فالحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير (شباط) 2019م وأدى إلى رحيل بوتفليقة، وبقي مستمرًا لأكثر من سنة، قبل أن يتوقَّف بسبب أزمة فيروس كورونا، يبدو أنه يعاني من الضعف والتفكك، ويفتقد للرؤية السياسية المستوعبة، ولخريطة الطريق»، على حد تعبيره.

عربي

منذ 6 شهور
بعد عام من الحراك الشعبي في الجزائر.. أين رجال بوتفليقة الآن؟

وبسؤاله عن وضع الحراك الآن، قال: «يحاول الحراك أن يلملم شتاته ويستعيد المبادرة، وإن كانت السلطة ضعيفة فإن الحراك فوت على نفسه فرصة تاريخية، ولهذا عليه إعادة ترتيب أوراقه والتكتل لمواجهة عبث السلطة وفشلها، فلو تُرك الأمر للحكم لهوت به تصدعاته وانقساماته وقاد البلاد إلى الهاوية، ولا يبدو أن لانقساماتهم نهاية، وهذا يضعف البلد أكثر، ويعرضها للمخاطر والمقايضات. والخشية أن يستقوي أطراق الصراع بقوى أجنبية متربصة، وهكذا تصبح البلد نهبًا ويستبيحها الأجنبي المتربص الطامع».

لافتًا إلى أن مهمة الحراك الآن هي إنقاذ الدولة من غرق النظام وتهالكه، لكن على الحراك أن ينضج مساره ورؤيته ويتكتل، لا أن يبقى حبيس تصورات تجريدية ويغرق في الوهم.

المصادر

تحميل المزيد