يقف حاملًا كأسه الفارغ في يده منتظرًا انتهاء الجلاد من تنفيذ حكم الإعدام؛ حتى يهرع في اندفاع يزاحم الآخرين ليتمكن من ملء كأسه من الدماء الحارة الطازجة المنسابة من الجسد الذي فارقته الروح للتو. ليس هذا مشهدًا من فيلم رعب، لكنه يصلح أن يكون مشهد البداية في فيلم يجسد تاريخ علاج الصرع في أوروبا خلال القرن الثامن عشر!

استمر هذا المشهد في التكرار خلال القرن التاسع عشر في الدنمارك، ووفقًا للدكتور ريتشارد سوج، الباحث في الأدب والطب في قسم دراسات اللغة الإنجليزية بجامعة دورهام بالمملكة المتحدة، فقد نبع تصرف هؤلاء من إيمانهم بما كان يحدث قبل ألفي عام تقريبًا في روما، حينما اتجه الرومان إلى شرب هذا السائل الجوهري من أجسام المصارعين الجرحى.

لم يقتصر الأمر على الدماء المتساقطة من الجثث؛ فقد أوصى الباحث الإيطالي في عصر النهضة، مارسيليو فيتشينو، بشرب الدم البشري كونه ليس مجرد علاج محدد، لكنه إكسير للحياة! كما اقترح أن يشربه كبار السن مباشرة من وريد ذراع أي من الشباب الأصحاء ليستعيدوا حيويتهم. وفي عام 1679 كان هناك راهب فرنسيسكاني يصنع نوعًا من المربى من دم الإنسان لمن لا يحبذون فكرة شرب الدم طازجًا.

ولكن ما يعنينا في السطور التالية هو طب الجثث، وكيف استُخدمت المومياوات والجثث الطازجة – الدماء، واللحوم، والجماجم – في علاج المرضى.

المومياوات لعلاج الكدمات ومسحوق الجماجم لأمراض الرأس

في بداية الحقبة الحديثة المبكرة لجأ الأطباء إلى استخدام الجثث في علاج مرضاهم، فمنهم من استخدم مومياوات المصريين القدماء المحنطة، ومنهم من استخدم مواد مشتقة من الجثث الميتة حديثًا: دهونها، ولحومها العضلية، ودمائها الطازجة.

وفقًا للدكتور ريتشارد كانت أجساد المومياوات المحنطة تستخدم لعلاج الكدمات والنزيف، إما بوضعها مباشرة، أو بعد مزجها بالمشروب الكحولي. كما أشار إلى أن الملك فرانسيس الأول كان يحمل معه مومياء دائمًا خوفًا من تعرضه لأي حادث، فقد كان يؤمن أن المومياء لديها القدرة على وقف نزف الدماء.

مومياء مصرية في المتحف البريطاني

مومياء مصرية في المتحف البريطاني. مصدر الصورة: فليكر

أما بالنسبة للجماجم فكانوا يطحنونها، ويتناولها المرضى لعلاج أمراض الرأس، كما مزج الطبيب توماس ويليس مسحوق الجمجمة مع الكاكاو لعلاج السكتات الدماغية والنزيف. كذلك استخدموا طحالب «usnea» التي تنمو فوق الجماجم المدفونة لعلاج نزيف الأنف، وأحيانًا الصرع. كانت دهون الجسم تستخدم لعلاج الجروح عن طريق نقع الضمادات فيها قبل مسح الجروح بها، وكذلك لعلاج النقرس عن طريق فرك الدهون على الجسم.

ويبدو أنهم استخدموا الجثث لعلاج كافة الأمراض، حتى أنهم خمروا شعر الموتى، واستخدموه للمساعدة في إنبات الشعر، وتعزيز نموه، لكل من يعاني من انحسار خط الشعر. كذلك كانوا يتناولون مسحوق الشعر لعلاج اليرقان (الصفراء). أما لمنع تسوس الأسنان فكان الشخص يرتدي حول رقبته، سنًا مأخوذة من إحدى الجثث!

الجثث الطازجة دخلت المنافسة.. وهذه صفات الجثة التي يفضلها الأطباء

في القرن السابع عشر، كان المصلح الطبي السويسري الألماني باراسيلسوس يفضل الجثث الحديثة إلى حد ما، وقال إن الأطباء لو علموا قوة هذه المادة، فلن يُترك أي جسد ميت على الحشائش لأكثر من ثلاثة أيام.

لجأ الأطباء إلى معالجة اللحوم العضلية أولًا، ثم تجفيفها قبل الاستخدام، وبينما استخدمت المومياوات لعلاج الكدمات والنزيف، استخدمت الدماء لعلاج الصرع، فقد ظل الأطباء الإنجليز يوصون بشرب الدم البشري للجثث الميتة حديثًا لعلاج الصرع عام 1747.

كذلك أعطى الأطباء المعالجون للملك تشارلز الثاني في عام 1685 قطرات مصنوعة من جمجمة بشرية لعلاجه من التشنجات التي أصابته أثناء احتضاره. وقيل إنه دفع للطبيب ويليام جودارد 6 آلاف جنيه إسترليني مقابل الوصفة، كما كان يحضرها بنفسه في كثير من الأحيان في معمله الخاص.

تقطيع الجثة لتناولها كدواء

تقطيع الجثة لتناولها كدواء. مصدر الصورة: «all thats interesting»

وقد رأى مفكرو عصر النهضة أن طب الجثث نوع من الكيمياء، يوفر الفرصة لاستهلاك القوة الروحية عن طريق الجسد. بمعنى أن شرب الدم الطازج من جثة حديثة الوفاة يعد اقترابًا كبيرًا من شرب الروح، فقد اعتقدوا أن الأرواح تتكون من خليط من الهواء والدم، وتربط بين العالمين المادي والإلهي.

وقد وضع الأطباء صفات للجثة المثالية من وجهة نظرهم، فكانت جثة لشاب في ريعان الشباب حوالي 24 عامًا، لم يمت من المرض، لكنه تعرض لعنف شديد أرداه ميتًا، ولكنه لم يفقد الكثير من الدماء التي تفقد معها الأرواح الحيوية، لذا من الأفضل أن يموت خنقًا أو غرقًا، وعليه يعتقد بعض المفكرين أنه إذا خُنق رجل، فإن أرواح الرأس ستبقى محاصرة في الجمجمة لمدة تصل إلى سبع سنوات.

كذلك رأوا أن من يتعرض للخوف الشديد أثناء موته يكون لحمه أكثر قوة وصحة؛ فهذا الخوف يطرد الأرواح من الأعضاء الحيوية، وهي: الكبد، والقلب، والدماغ إلى باقي الجسد، فيشعر الشخص بالوخز في جلده، وتومض عيناه نتيجة وصول الأرواح إليها.

ولكن ماذا عن المومياوات القديمة، ألا يشير جفافها إلى فقدانها للأرواح بداخلها؟ رأى الأطباء الممارسون لطب الجثث أن هذه المومياوات لم تزل تحتفظ بأرواحها بفضل عملية التحنيط، حتى أنهم آمنوا بأن الطحالب على الجماجم الميتة منذ زمن طويل تشارك أيضًا في الروح.

السلطة الطبية هي كلمة السر

«كانوا ينقبون عن الجثث القديمة يوميًا، لم تكن متعفنة، لكن كاملة، ويجبرنا الأطباء والصيادلة على ابتلاع هذه الجثث رغمًا عن إرادتنا»

هذا ما سجله أحد المسافرين لما رآه في منطقة الأهرامات المصرية عام 1599، ويوضح أن الأطباء كانت لديهم السلطة لإجبار مرضاهم على تناول المومياوات، وفقًا لموقع «هيستوري إكسترا».

صورة تخيلية لصيدلية تبيع أجزاء من الجثث للتداوي

صورة تخيلية لصيدلية تبيع أجزاءً من الجثث للتداوي. مصدر الصورة: atlas obscura

ولم يشر أحد تقريبًا آنذاك صراحةً إلى أن المرضى الذين يتناولون مكونات الجثث للعلاج يندرجون تحت آكلي لحوم البشر. فقد كان استخدام الجثث للتداوي أمرًا شائعًا لدرجة أن التجار لم يسرقوا المقابر المصرية فحسب، بل سرقوا الجماجم من المدافن الأيرلندية، وكانوا يبيعون في كثير من الأحيان بدائل احتيالية، تتراوح بين لحم المتسولين ولحوم الإبل.

انتهاء عصر طب الجثث بعد أن أكلوا مومياوات المصريين!

استمر انتشار طب الجثث حتى أواخر القرن الثامن عشر، وبدأ يتلاشى شيئًا فشيئًا، ولكن كان لم يزل متاحًا في ألمانيا منذ 100 عام؛ إذ سُجلت آخر حالة محاولة لابتلاع الدم بغرض الشفاء في عام 1908. ورغم هذا فقد كان له بعض المعارضين في أوج انتشاره خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر.

أعرب الجراح الملكي الفرنسي أمبرواز باري عن أسفه عام 1585 بسبب اضطرار المرضى إلى تناول الجثث الفاسدة ومومياوات المصريين القدماء. وقد سبقه عام 1580 المفكر الفرنسي المستنير ميشيل دي مونتين حينما هاجم نفاق الأوروبيين الذين أدانوا أكل لحوم البشر، بينما كانوا يتناولون المومياء.

كان هذا الرأي مشابهًا لوجهة نظر المعالج بالأعشاب ليونارد فوكس الذي هاجم قبل وفاته بفترة وجيزة عام 1566 الجثث المباعة للأدوية، مستنكرًا على أولئك الذين أدانوا أكل لحوم البشر عدم إبداء آراء معارضة لهذا العلاج.

في أواخر القرن الثامن عشر انتشر العداء والكراهية لطب الجثث، وأصبح أكثر فاعلية، وعبر الطبيب وعالم النبات جون هيل عن استيائه من تناول الجثث الميتة، ووصفه بالأمر المروع. وبحلول عام 1782 أعرب الطبيب ويليام بلاك عن سعادته للتخلي عن بعض العلاجات البغيضة، مثل المومياوات المصرية، وجماجم الموتى، واستبعادها جميعها من الصيدليات.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد