كثيرًا ما يظهر في الأفلام التاريخية إحدى الشخصيات وقد اشتد مرضه فأقعده، ثم يُستدعى الطبيب ويفحص في صمت، ثم يُخرِج من جعبته قارورة دواء، ويطلب من مريضه أن يشربها وإلا سيحدث ما لا تحمد عقباه، فيتجرعها المريض مرغمًا على مضض. ومع تقدم الطب تطور معه مفهوم الحكم الذاتي أو «Autonomy»، بوصفه أحد الحقوق الأصيلة لكل إنسان عاقل في اتخاذ قرارات علاجه أو حتى رفضه.

لكن أحيانًا تؤثر بعض العوامل في قرارات المريض، ومنها السمعة السيئة لبعض الأدوية، بما قد يدفعه لرفض العلاج رغم ضرورته، فهل تقوم هذه السمعة السيئة على أسباب وجيهة؟ في هذا التقرير نتناول أشهر وأهم خمسة أدوية، يرفضها المرضى بسبب تصورات خاطئة عنها.

1. البخاخات وجلسات التنفس..

«حتى لا يُدمنها!»

هناك قاعدة طبية مهمة في اختيار الأدوية، وهي أن نختار أولًا الأدوية الموضعية أو التي تعمل بشكل موجه للجزء المريض في الجسم قدر الإمكان، طالما حالة المريض تسمح، وطالما توفرت صورة علاجية من الدواء تؤدي الغرض بكفاءة؛ لأنها تسمح بتفادي استخدام الأدوية الأخرى التي يمتصها الجسم وتصل إلى الدم وتؤثر في كل خلايا الجسد تقريبًا.

من أهم المجموعات الدوائية الموضعية هي أدوية الاستنشاق، سواء كانت عبر الأنف أم الفم، وسواء كانت في بخاخ أم عن طريق جلسات البخار، فبعض هذه الأدوية قد تنقذ حياة المريض في خلال دقائق فقط. والحق أن استخداماتها متعددة، لكن نخص منها بالذكر أدوية حساسية الصدر، وتحديدًا في الأطفال، فبعض الآباء والأمهات يجفلون من فكرة استخدام طفلهم لبخاخات وجلسات التنفس، وكثيرًا ما يرفضون استخدامها خوفًا من أن يعتادها الطفل وتصاحبه طوال حياته.

Embed from Getty Images

ورغم أن الربط غير ضروري؛ لأن المريض قد يحتاجها فترة مؤقتة أو لفترات متقطعة، لكن المشكلة أنه إن احتاجها لفترة طويلة بالفعل فالعلاقة الشرطية هنا معكوسة، فهو يستعملها لفترة طويلة لأنه يحتاجها، وليس العكس أنه احتاجها لمجرد أنه استعملها أو اعتاد عليها. فمثلًا حساسية الأنف أو الصدر قد تكونا حالات مزمنة وقد تحتاجا علاجًا لفترات طويلة، وبدون البخاخات سيضطر المريض إلى تناول أدوية بالفم، ويرتفع تركيزها في الدم، وترتفع معها فرصة حدوث آثار جانبية غير مرجوة، أما في أدوية الاستنشاق فالدواء يعمل موضعيًّا، ويكاد يكون تركيزه في الدم منعدمًا، وهي ميزة كبيرة خاصة في الأطفال.

2. الإنسولين..

«حرام!»

لو كان مخترعو حقن الإنسولين يعرفون السخط الشديد الذي سيصيب والدَي طفل مصاب بمرض السكري من النوع الأول، عندما تخبرهما أن طفلهما يحتاج للإنسولين، لانقلبوا على ظهورهم من فرط الضحك أو البكاء.

فشتّان بين هذا ومشهد غرفة مليئة بأطفال على وشك الاحتضار، ثم دبت فيهم الحياة من جديد بعد حقنهم بالإنسولين. كان هذا هو المشهد الأول لاستخدام الإنسولين لعلاج أطفال سكري النوع الأول، بعد أن كانت كل مشاهد المرض السابقة هي الوفاة المحققة.

لعل السبب وراء ذلك الرفض الشديد للعلاج بالإنسولين هو الخلط بين نوعي السكر الرئيسين، فسكر النوع الأول يعتمد اعتمادًا كليًّا على الإنسولين، وعادة ما يظهر في سن الطفولة، أما النوع الثاني من السكري فقد يُعالج بالإنسولين فقط في حالات معينة، غالبًا ما تكون شديدة أو متقدمة في محاولة للسيطرة على الأعراض، أو لمساعدة البنكرياس المنهك على مدار سنوات عديدة حتى كاد يفقد قدرته على إنتاج الإنسولين تمامًا. ولعل هذا هو السبب في الربط بين استخدام الإنسولين وظهور المضاعفات الشديدة للسكري، فالإنسولين هنا هو أول من وصل لساحة الجريمة، لكنه حتمًا ليس من اقترفها.

وطبعًا أحد أهم العوامل هو أن الإنسولين لا يُعطى إلا بالحقن المتكرر تحت الجلد عدة مرات يوميًّا، ولم يصل العلم حتى الآن إلى طريقة لتناوله بالفم مثلًا، لكن الأبحاث تجري على قدم وساق في هذا الصدد، وربما نجد صورة من الإنسولين للتناول بالفم، أو حتى الاستنشاق.

3. الفياجرا..

الفياجرا هو الاسم التجاري الشائع لعقار السيلدينافيل، هذا العقار الذي لم يكن الغرض منه عند تصنيعه أن يكون منشطًا جنسيًّا، بل هو أحد أدوية أمراض القلب والشرايين، إذ يعمل في الأساس على تحسين وصول الدم في الأوعية الدموية.

Embed from Getty Images

وبالتالي فوجوده في حقيبة رجل غير متزوج لا يعطي انطباعًا سيئًا عن أخلاقه. كما أنه ليس حكرًا على الرجال، بل إن استعمال السيدات له أمر وارد إذا دعت الضرورة، ولا علاقة له وقتها بالنشاط الجنسي للسيدة.

4. المضادات الحيوية..

بعد الحرب على استخدامها المفرط؛ ظهرت موجة رفض لاستخدام المضادات الحيوية على إطلاقها، خاصة في الأطفال. وظهر بين الآباء والأمهات تصنيف جديد لأطباء الأطفال، وفقًا لوصفهم المضادات الحيوية. فبعض الأمهات تبحث عمّن يصف المضادات من أجل سرعة الشفاء، وأخريات يبحثن عن طبيب لا يصفها على الإطلاق ويترك فرصة للجسم كي يبني مناعته بمفرده.

وكلا التصورين خاطئ لسبب وحيد؛ وهو أن اختيار الطبيب لاستخدام المضادات الحيوية يعتمد أولًا وأخيرًا على حالة المريض في هذه اللحظة، وليس بناء على تفضيلاته الشخصية. فالمضاد الحيوي يوصف للعدوى البكتيرية فقط، وينجح في التعامل معها ويحد منها، بل قد ينقذ المريض من مضاعفاتها التي قد تصل إلى الوفاة. أما دوره في العدوى الفيروسية، أو الفطرية، أو الأمراض المناعية فهو يشبه محاولة جناح فراشة أن يطفئ الشمس.

5. أدوية الأمراض النفسية..

«لا أريد دواءً يعبث في كيمياء المخ»

إذا تحدثنا عن الأدوية ذات السمعة السيئة حتمًا سنذكر أدوية الأمراض النفسية. المتهم البريء في جريمة هو المنقذ الأول فيها. إذ يقتحم الساحة ليعيد ترتيب الأشلاء المبعثرة، فيُتهم بأنه السبب في كثير من الأعراض.

لكن الحقيقة أن الاحتياج للدواء النفسي بشكل عام يعني أن كيمياء المخ أصابها بالفعل بعض العبث، فالوظيفة الأساسية المطلوبة من الأدوية هي تغيير كيمياء المخ وإعادتها لطبيعتها.

Embed from Getty Images

الأدوية السابق ذكرها – وغيرها الكثير – هي من أعظم اختراعات البشرية، لكن الشحن المجتمعي المضاد لاستخدامها في إطارها الصحيح جعلها تتحول من أداة إنقاذ حياة البشر إلى دواء سيئ السمعة قد يرفضه المريض رغم احتياجه. الحقيقة أن الأدوية بشكل عام سلاح ذو حدين، مفيدة في يد الطبيب الماهر عند توظيفها في موضعها الصحيح.

النصائح العشر لتجاوز الخوف من تناول الأدوية «سيئة السمعة»..

1. لا تؤجل طلب المشورة الطبية خوفًا من التدخلات الطبية المحتملة، فعادة ما تكون التدخلات المبكرة أبسط.

2. استثمر بعض الوقت في اختيار طبيب ماهر حاذق، وامنحه بعضًا من ثقتك.

3. اطرح كل أسئلتك على طبيبك، وتعلم منه الطريقة المثلى لاستخدام الدواء.

علوم

منذ سنتين
بادر بعلاجه.. أضرار الاكتئاب على عقولنا أكبر مما تتصور

4. إذا ساورتك شكوك حيال دواء؛ لا تمتنع أو تتوقف فجأة عن استخدامه دون مراجعة طبيبك في ذلك، سواء كان مصدر هذه الشكوك تجارب الآخرين أو تجربتك السابقة، صارح طبيبك بذلك، وناقشه في البدائل الممكنة.

5. اسأل طبيبك عن الآثار الجانبية المتوقعة من الدواء، وأي هذه الآثار يمكن تجاهله، وإذا كانت هناك طرق أخرى تمكنك من التغلب عليها، وتأكد جيدًا من أن تسأله أيها يستلزم إيقاف الدواء.

6. إذا كنت تتناول أية أدوية لأي سبب فأخبر طبيبك بها قبل أن يصف لك دواءً آخر، فقد تتداخل بعض التأثيرات العلاجية للأدوية، وكذلك المكملات الغذائية، أو حتى الأعشاب العلاجية.

7. إذا امتنعت عن تناول دوائك لأي سبب سواء كان رفضًا أو نسيانًا، فأخبر طبيبك بذلك، ولا تنكر الأمر؛ لأنه قد يتخذ إجراءات طبية بناء على معلومة خاطئة منك.

8. كرر على مسامع طبيبك ما فهمته منه؛ لتتأكد أنك لم تُسئ فهم أي معلومة.

9. لا تستخدم دواء بدون وصفة طبية، ولا تقترح أيًّا من أدويتك على الآخرين، حتى وإن بدت أعراضكم متشابهة.

10. لا تبحث عن أعراضك على الإنترنت، فمحركات البحث لم تقض سنوات في دراسة الطب.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد