ترجمة وتحرير عربي 21

يبدو أن مشروع العاصمة الإدارية الجديدة الذي طرح في مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، سيلحق من سبقه من المشاريع التي أعلن عنها في عهد عبدالفتاح السيسي ولم تر النور، مثل مشروع بناء مليون وحدة سكنية، وجهاز علاج الإيدز المعروف بـ”جهاز الكفتة”.

وأثارت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية الشكوك في مدى إمكانية تنفيذ المشروع، ورأت أنها حركة “دعائية مثيرة لا أكثر”.

وقالت الصحيفة إنه وبدلاً من أن يتم الإعلان عن المشروع لعامة الشعب في البلاد أو للصحفيين المصريين، فقد جرى الكشف عن الخطة بشكل مباشر أمام المستثمرين الأجانب أثناء مؤتمر المتبرعين والمستثمرين في منتجع شرم الشيخ الساحلي، حيث نجحت مصر في إغراء الخليجيين بدفع 12 مليار دولار أخرى.

وبحسب الصحيفة فإنه “يتوقع أن تتربع المدينة على مساحة قدرها 700 كيلومتر مربع، أي بحجم سنغافورة تقريباً، وفيها مطار يتجاوز في حجمه مطار هيثرو في لندن، وحديقة عامة تقريباً ضعف مساحة سنترال بارك في مدينة نيويورك، وحديقة ألعاب مساحتها تقريباً أربعة أضعاف ديزني لاند، وكل هذا من المفروض أن ينجز خلال مدة تتراوح ما بين خمسة وسبعة أعوام”.

وجاء في صحيفة “الغارديان” أنه بحسب ما ورد في كتيّب وزع أثناء المؤتمر، فستشتمل العاصمة الجديدة بالضبط على 21 حياً سكنياً، و25 “حياً مكرساً”، و 663 مستشفى وعيادة، و 1250 مسجداً وكنيسة، و 1.1 مليون منزل سيقطنها ما لا يقل عن خمسة ملايين نسمة.

وبينت الصحيفة أن فكرة إنشاء عاصمة جديدة كان قد أعلن عنها بادئ ذي بدء في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك من قبل ابنه جمال، إلا أن المشروع تم التخلي عنه بعد أن أثبتت دراسة جدوى مبدئية أن الخطة باهظة التكاليف وغير عملية.

مشروع الخطة “مهزلة”

وطبقاً لما يقوله نزار السيد الخبير في شؤون القاهرة وأستاذ المعمار والتخطيط وتصميم المدن وتاريخ المدن في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، فإنه إذا ما قورنت بالخطط التي كان يقصد منها إنشاء عواصم إدارية جديدة لبلد ما أو لمنطقة ما، “تعتبر هذه الخطة مهزلة ولا تتوفر لها أي مقومات النجاح”، كما نشرت الصحيفة.

وتنقل “ميدل إيست آي” عن دافيد سيمز، وهو مخطط مدن مقيم في القاهرة عن المشروع قوله: “ما هي إلا رزمة من الأرقام الجنونية. المخطط مهول، وهناك أسئلة من مثل: كيف ستنشأ البنية التحتية؟ وكيف ستحصل على المياه؟ وكيف سيقومون بنقل كل هذه الوزارات؟ بمعنى آخر، أظن أنه عمل بائس ويائس. سنرى ما إذا كان شيء من ذلك سيتحقق في أرض الواقع، ولكني أشك في ذلك”.

في الوقت الذي أكد فيه الخبراء عدم النضج الذي تتسم به المخططات التي تبدو كما لو أنها كانت “حركة دعائية مثيرة” لا أكثر، بهدف جذب المستثمرين، أشار سيد إلى أن الرسومات التي عرضت لعاصمة مصر الجديدة أثناء المؤتمر الاقتصادي كانت في الواقع رسوماً لمنتجعات بحرية موجودة في سنغافورة.

وقالت إن “الذي كان ينبغي أن يكون محرجًا هو أن بعض الصور التي ظهرت في فيديو عرض أثناء المؤتمر بحضور وفد من سنغافورة، كانت قد سرقت منها، دون شعور واضح بالخجل”.

تجديد لفكرة “فشلت”

وقالت الصحيفة البريطانية: “لقد جربت مصر من قبل فكرة إنشاء مدن جديدة للحد من الازدحام في المدن الرئيسة، ومنذ عهد الرئيس أنور السادات، الذي تم فيه تبني سياسة المدن الجديدة، جرى إنشاء مدن جديدة في الصحراء (مدينة السادات غرب القاهرة، ومدينة العاشر من رمضان في شرق القاهرة، والأميرية بالقرب من الإسكندرية) ولكن معظمها بقيت إلى حد كبير مدناً غير مكتملة”.

وأوضحت “ميدل إيست آي” أنه في حالة مدينة السادات – التي خططت في عام 1975 ودشنت من قبل مبارك في عام 1982 وكان من المفروض أن تشتمل على مدينة إدارية جديدة – فإن هناك قطاعا بأكمله اسمه مجمع الوزارات ما زالت كل وزارة من وزاراته يشار إليها بيافطة مرفوعة، ومع ذلك تبقى بعد مرور ثلاثين عاماً مجرد هياكل فارغة أو – كما يقول سيد – جرى استخدامها لأغراض أخرى مختلفة تماماً.

ولكن، بينما كانت هذه المدن الجديدة تحت الإنشاء، فقد ظهرت في ضواحي القاهرة مجمعات وبلدات مثل مصر الجديدة، ورحاب، ومدينة السادس من أكتوبر. ولأنها كانت أقرب إلى القاهرة، وبذلك أريح لقاطنيها، فما لبثت أن اكتظت على حساب المدن الجديدة، وأصبحت أكنافاً نخبوية بإمكان الأثرياء أن يعيشوا فيها ويتنقلوا يومياً بينها وبين أماكن عملهم داخل القاهرة.

وقالت إنه “نظراً لأن 96% من المصريين يعيشون في ما لا يزيد على 4% من مساحة مصر، كان من المفروض أن تحل المدن الجديدة مشاكل الاكتظاظ السكاني في مصر. ومع ذلك، فالمدن الجديدة القائمة وعددها 22 – والتي أنشئ بعضها منذ أكثر من ثلاثين عاماً – ما زالت مجتمعة لا يقطنها أكثر من مليون ساكن، وما زال يوجد بداخلها الآلاف من البيوت الفارغة، كما ورد في تقرير الغارديان”.

والسبب في أن المستوطنات الصحراوية المبكرة فشلت في جذب السكان، يعزى بشكل أساسي إلى نقص البنية التحتية وعدم وجود وظائف، وتناقض السياسات العمرانية. لم تفلح البلدات التابعة التي تم إنشاؤها في توفير ما يكفي من الوظائف للسكان الأكثر فقراً أو في توفير وسائل مواصلات محتملة التكاليف إلى الأماكن التي يمكن أن يجدوا فيها عملاً. أما المدن الجديدة فكان بُعدها لا يشجع الناس على الانتقال للعيش فيها.

يبنون مدينة جديدة والمشاكل تملأ القديمة

وقال الصحيفة إن بناء مدينة جديدة بدلاً من حل مشاكل القاهرة، ترك الكثيرين من أهل القاهرة يتساءلون: لماذا لا تستثمر الحكومة في العاصمة الموجودة لديهم حالياً؟ وأعربوا في الوقت نفسه عن قلقهم من أن المشاريع التي جرى التخطيط لتنفيذها في القاهرة لم تعد لها أولوية.

ونقلت “ميدل إيست آي” عن هاري بيتيت، وهو جغرافي مدن تابع لكلية الاقتصاد في جامعة لندن ويركز في أبحاثه على القاهرة: “من خلال ضخ كل هذا المال في مشروع المدينة الجديدة، فإن مشاريع التنمية في مجال المواصلات والتخلص من النفايات وتوفير الوظائف في القاهرة سينالها التهميش وسيكون نصيبها التجاهل.. الذي يحدث هو أن الاهتمام سينصب في غير محله”.

ويوافق سيد على ذلك ويقول: “من المضحك أن تترك مدينة بلغ تعدادها 20 مليوناً وتتوجه لإنشاء مدينة أخرى يراد لها أن تكون ضعف الحجم ولا يقطنها سوى خمسة ملايين بأموال لا تملكها، وعلى أرض لا مياه فيها، وفي منطقة نائية جداً عن كل عمران قائم. والأنسب من ذلك بكل المقاييس هو أن تستثمر في حل مشاكل البنية التحتية التي تعاني منها القاهرة ذاتها لجعلها مدينة أفضل للعيش، وبتكلفة لا تتجاوز ربع ما يرصد لإنشاء المدينة الجديدة”، كما تقول الصحيفة.

إعمار “تتبرأ” من المشروع

وقالت الصحيفة إن حكومة السيسي أعلنت في المؤتمر أنها كلفت ببناء المدينة الجديدة “صندوقاً خاصاً للاستثمار العقاري” يتخذ من دبي مقراً له اسمه “كابيتال سيتي بارتنرز”، والذي قام مؤسسه محمد العبار بتنفيذ مشروع معلم دبي الأهم ناطحة السحاب المعروفة باسم “برج خليفة”.

وبحسب ما ذكرته مجلة “غالف بيزنيس”، فإنه يتوقع أن يطلق اسم قادة الإمارات العربية المتحدة على الجزء الأكبر من المدينة الجديدة.

ورغم ما أعلنته الحكومة في مصر، فإن العبار في دبي، وهو أيضاً رئيس “مجموعة إعمار” العقارية، أعلن يوم الاثنين أن شركته “إعمار” لا علاقة لها بمشروع بناء عاصمة إدارية جديدة في مصر، بحسب ما أوردت وكالة رويترز.

وكانت “إعمار” التي يملك صندوق استثمار دبي التابع للدولة 29% منها، قد تقدمت بطلب الشهر الماضي لوضع فرعها المصري في البورصة المصرية، علماً بأن الإمارات العربية المتحدة حليف مقرب من الرئيس السيسي.

ولم تصرح إعمار عما إذا كان من المحتمل أن تشارك في المشروع في المستقبل، وكل ما صدر عنها هو: “نود أن نوضح أن إعمار ليست مشاركة في تطوير مشروع مدينة العاصمة الجديدة في مصر”.

وقالت الصحيفة البريطانية، إن إحدى الشركات الأخرى المملوكة لـ العبار هي “إيغيل هيلز”، و التي وافقت في يناير على المشاركة في تمويل وتنفيذ مشروع واجهة بلغراد المائية في صربيا والذي سيكلف أربع مليارات دولار، وسيتكون من مجمعات فخمة للمكاتب والمساكن وثمانية فنادق ومركز تسوق وبرج يشبه برج خليفة في دبي، ويقام على الضفة التي تقع على يمين نهر سافا.

وبحسب ما أوردته “بلومبيرغ” يوم الجمعة، فإن الشخص الذي يقف وراء الصفقة هو أليكساندر فوتشيك، الذي يحتمل أن يصبح رئيسا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد