يلجأ البعض إذا ما شعر بالقلق والتوتر إلى الاستماع لبعض الموسيقى الهادئة والاستقرار في الزاوية المفضلة في المنزل من أجل التأمل. لكن، هل هذه الممارسة تخفف حقًا من التوتر الذي نشعر به، أم أنها تزيد الأمر سوءًا؟

عادة ما يُنظر إلى التأمل بأنواع المختلفة على أنه مسكن بسيط للتوتر، ويمكن أن يقلل من القلق والعصبية التي تتميز بهما حياة البشر في العديد من مدن العالم الآن. لكن الأمر الصادم هنا أن التأمل يمكن أيضًا أن يتسبب في ردود فعل سلبية غير متوقعة، إذ يمكن أن يجعل الناس في حالة أسوأ بدلًا من أن يجعلهم أفضل. فكيف هذا؟

أفكار انتحارية ونوبات هلع.. تأثير سلبي للتأمل!

وفقًا لدراسة علمية حديثة تحت المراجعة، يعاني حوالي واحد من كل 12 شخصًا ممن يمارسون التأمل من تأثير سلبي غير مرغوب فيه، إذ عادة ما يتفاقم الشعور بالاكتئاب أو القلق اللذين يُمَارس التأمل في محاولة للتخلص منهما. في بعض الحالات لا يحدث تفاقم لقوة الشعور ولكن تزايد في المدى الزمني للإحساس بالاكتئاب أو القلق.

يقول ميجيل فارياس من جامعة كوفنتري في المملكة المتحدة، وهو أحد الباحثين في دراسة عن هذا الأمر: «بالنسبة لمعظم الناس، فإن التأمل يعمل بشكل جيد، لكنه بلا شك مبالغ فيه، كما أنه ليس عملًا جيدًا بشكل دائم كما نتوقع». بحث فريق العمل بهذه الدراسة في المجلات الطبية، ووجد 55 دراسة ذات صلة. وبمجرد أن استبعد الباحثون تلك الدراسات التي انطلق فيها الباحثون عمدًا للعثور على تأثيرات سلبية، توصلوا إلى مدى انتشار الأشخاص الذين عانوا من أضرار في كل دراسة، ثم حسبوا المتوسط.

وجد الفريق البحثي أن حوالي 8% من الأشخاص الذين يحاولون ممارسة التأمل يعانون من تأثير غير مرغوب فيه. وبحسب الباحثين، فقد عانى أولئك الناس، بداية من زيادة القلق وصولًا إلى نوبات الهلع. كما وجدوا حالات عانت من الذهان بل وحتى الأفكار الانتحارية.

Embed from Getty Images

قد يكون رقم 8% أقل من الواقع، إذ إن العديد من دراسات التأمل تسجل فقط آثارًا سلبية خطيرة أو لا تسجلها على الإطلاق. هذا الرقم كان يمكن أن يرتفع بشكل ملحوظ إذ ما أضفنا الأشخاص الذين يحاولون التأمل بسبب القلق أو الاكتئاب غير المشخصين أيضًا.

في دراسة أجريت عام 2009، شعر المشاركون ببعض الوهم بعد التأمل. بينما، في دراسة أجريت عام 2017، وجدت أن ما يقرب من نصف المشاركين عانوا من أفكار وهمية أو غير عقلانية أو خوارق ناتجة عن التأمل، فضلًا عن تغيير في الوظيفة التنفيذية، والقدرة على التحكم في نفسك وإنجاز الأمور.

لماذا تحدث هذه الآثار السلبية؟

قد ينبع الحماس للتأمل جزئيًا من الوعي المتزايد بالآثار الجانبية للأدوية المضادة للاكتئاب والصعوبات التي يبلغ عنها بعض الأشخاص في التوقف عن تناولها. كانت هناك بعض التقارير عن الأشخاص الذين عانوا من صحة نفسية أسوأ بعد بدء التأمل ولكن من غير الواضح عدد مرات حدوث ذلك.

يُفترض أن التأمل يستخدم لمساعدة الناس على الاسترخاء وإعادة التركيز ومساعدتهم عقليًا وجسديًا. لكن في بعض الأحيان عندما يحاول الناس الاحتفاظ والتركيز على أفكارهم، يمكن للعقل أن «يتمرد». هذا التمرد هو بمثابة رد فعل عنيف من العقل على محاولة السيطرة عليه، وهذا يؤدي إلى نوبة من القلق أو الاكتئاب.

هناك سبب آخر يوضح لماذا يجعلك التأمل تشعر بمزيد من التوتر؟ فعندما تقوم بممارسة التأمل «ترتفع الحثالة إلى السطح»، بمعنى أن بعض الأفكار والمشاعر المتطفلة والسلبية تبدأ في البروز من داخل أماكنها المظلمة. معظم معلمي التأمل يعرفون ذلك، لكن لا يحبون مناقشة هذه الأفكار والمشاعر المتطفلة، مثل الأفكار والمشاعر الجنسية أو الحزينة أو المخيفة أو العنيفة التي قد تظهر فجأة عند التأمل.

بالطبع هذا لا يعني أنه يجب على الأشخاص التوقف عن تجربة التأمل وممارسته، ولكن بدلًا من ذلك يجب أن يختاروا جلسات التأمل الإرشادية، أي بقيادة مدرس أو تطبيق مع سرد مسجل، وهو ما يعتقد الباحثون أنه أكثر أمانًا. إذ يمكن أن تمنع نتائج الدراسة الحالية الأشخاص من المشاركة في شيء يمكن أن يكون مفيدًا في السياق الصحيح، لذلك يجب معرفة الطريقة الصحيحة والآمنة لممارسته.

التأمل واليقظة

هناك العديد من أنواع التأمل، ولكن أكثرها شيوعًا هو «اليقظة»، إذ ينتبه الناس إلى اللحظة الحالية، مع التركيز إما على أفكارهم ومشاعرهم أو أحاسيسهم الخارجية. يوصى بهذا النوع من قبل العديد من هيئات الخدمات الصحية الوطنية في أوروبا، بوصفه طريقة للحد من انتكاسات الاكتئاب لدى الأشخاص الذين عانوا من هذه الحالة عدة مرات.

«اليقظة» هي تقنية تحاول من خلالها تطوير حالة من «الوعي المجرد» من خلال التركيز على ما تشعر به، وتفكر فيه في اللحظة الحالية. فالتأمل لمدة 20 دقيقة في اليوم من المرجح أن يثير تغييرات طفيفة في إدراك الذات. أثناء ممارسة هذا، عادة ما تشعر بمزيد من الوعي بتنفسك وجسدك وأفكارك، فما بالك بالاعتكاف الكامل للتأمل لمدة تصل إلى ست ساعات أو أكثر في اليوم، ومحاولة تمديد فترة تركيزك على تدفق الوعي لديك؟ قد يبدو أن هذا الأمر يمكن أن يجعلك سعيدًا مع تبدد المخاوف اليومية.

Embed from Getty Images

أحد التقارير العلمية أوضح أن العلاج المعرفي القائم على «اليقظة» يمكن أن يكون بديلاً لمضادات الاكتئاب لمنع الانتكاس من الاكتئاب. وربما تكون النماذج المبنية على العلاج المعرفي مثل اليقظة أكثر أمانًا من الأنواع الروحية الأخرى للتأمل. لكن رغم ذلك، لسنا قريبين من فهم الجزء المحدد من هذا العلاج الذي يوفر الفائدة. هل التأمل بحد ذاته أم التعليم المعرفي الذي يأتي مع العلاج؟

شكوك حول العلاج بالتأمل

لا يتفق الجميع على المزايا العلاجية للتأمل. إذ يتحدث بعض الخبراء بشكل نقدي عن استخدام التأمل في العلاج، ويجادلون بأنه يجب استخدامه فقط بوصفه أسلوب لـ«تشتيت الفكر» أو «الاسترخاء». وأوضح الباحثون سابقًا أن التأمل، مثل المهدئات، قد يكون له آثار جيدة وسيئة. وجادل البعض بأن التأمل ليس متاحًا للجميع، موضحين أن بعض المرضى تعرضوا لاضطرابات خطيرة بعد ممارسته.

ولاحظ الخبراء أن تقارير وسائل الإعلام كانت شديدة التحيز تجاه التأمل، إذ ضخمت نتائج التأثيرات الإيجابية، في حين لم يتم الإبلاغ عن النتائج غير الهامة والسلبية. ووجدت دراسة أن ممارسة اليقظة لمدة 20 دقيقة في اليوم أدت إلى مستويات أعلى من الإجهاد البيولوجي، على الرغم من انخفاض مستويات الإجهاد الذاتي المبلغ عنها، لكن هذه النتيجة الهامة لم تتصدر عناوين الأخبار!

منوعات

منذ 5 شهور
كيف يساعدك تلوين الماندالا على التخلُّص من الضغط النفسي؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد