ماركوس أوريليوس هو أحد أشهر أباطرة روما، وقد عرف عنه أنه آخر «الخمسة أباطرة الجيدين» الذين حكموا الإمبراطورية في الفترة من 96- 180م، وهي تلك الفترة التي يطلق عليها «العصر الأنطونيوني»، وتعد في نظر المؤرخين الأسعد في تاريخ الإمبراطورية الرومانية؛ إذ تلتها فترة انهيار للإمبراطورية وسبقها عصر من الفوضى والاضطهاد.

لكن هناك وجهًا آخر لهذا الإمبراطور، فقد كان فيلسوفًا، يُقال عنه إنه من أهم وأبرز الفلاسفة الرواقيين، وقد استخدم تلك الروح الفلسفية في الحكم؛ إذ عطف على الفقراء وخفف من وطأة الضرائب، وفي السطور التالية نتعرف أكثر إلى هذا الجانب الخفي من حياة الإمبراطور الروماني، وكيف حكم إمبراطورية شاسعة في فترة صعبة من تاريخها.

عصر الرخاء.. حين حكمت الفلسفة الرواقية

كان ماركوس أوريليوس هو الحاكم الأكثر نفوذًا حينذاك؛ إذ تغطي إمبراطوريته أجزاء كبيرة من العالم المعروف حينذاك من حدود الهند وأواسط آسيا شرقًا، وحتى الجزر البريطانية غربًا. وقد وصفه بعض المؤرخين بأنه بلغ أعلى درجات الحكمة، التي لم يبلغها أحد من معاصريه، فكان مثالًا للعدل ورقة القلب، وتعد كتاباته في الفلسفة الرواقية من أرفع ما أنتجه العقل القديم في الفكر الأخلاقي.

ولد ماركوس أوريليوس عام 121م، وحكم الإمبراطورية الرومانية من 161م وحتى وفاته عام 180م، وخلال تلك الفترة اضطر الإمبراطور الروماني إلى القتال وهو كارهٌ له؛ إذ كانت الإمبراطورية حينذاك عُرضة لهجمات الفرس البارثيين والقبائل الجرمانية.

وقبل أن يصبح إمبراطورًا، كان أوريليوس طالبًا للعلم، فدرس اللاتينية واليونانية، وعُرف عنه حبه للفلسفة، وقد كانت «الرواقية» تمثل اهتمامه الفكري الأكبر، وهي المدرسة الفلسفية التي أسسها زينون في أثينا حوالي 301 ق.م، والتي حثت على الحياة وفق الطبيعة، حيث القانون الطبيعي الإلهي، والعدالة الكونية والتي تعني أن طبيعة الكون وطبيعة الإنسان واحدة، وكما تجدد الطبيعة من نفسها على فترات زمنية متباعدة قد تصل إلى ملايين السنين، يخضع البشر أيضًا إلى عدالة كونية وفقًا لدورات التاريخ والزمن ويشبه ذلك في مضمونه «مبدأ الكارما في الثقافات الشرقية».

فلسفة

منذ سنة واحدة
9 نصائح يقدمها لك الفلاسفة لتجاوز المحن والبلاء

جاءت الرواقية حينها مناقضة للفلسفة المنفتحة الأبيقورية المُنشغلة بمذاهب المتعة والسعادة، والتي كانت شائعة في المجتمع الروماني في ذلك الوقت، فكانت الرواقية تهدف إلى الغايات النبيلة والزهد في الدنيا وبساطة العيش، وتعدُ إنكار الذات أسمى الغايات.

وترى الفلسفة الرواقية أن على الإنسان أن يتشبه بالطبيعة من حوله، فطبيعة الإنسان والطبيعة الكونية لا فرق بينهما، والعيش وفق الطبيعة يعني الامتزاج بها، بمعنى عيش الإنسان في انسجام ووئام مع البيئة المحيطة به دون ضجر، فبالنسبة إلى الرواقية، أي خلل يصيب النفس البشرية يصيب النظام الكوني بالخلل هو الآخر، ويعني هذا الخلل هزيمة العقل أمام العاطفة والأهواء، والحكيم الرواقي وفقًا لهذه الفلسفة هو الحر الوحيد والإنسان السعيد بحق، لأنه أولًا وأخيرًا قهر نفسه، ومن قهر نفسه فقد قهر العالم بالوقتِ ذاته.

كان زينون قد كتب في سنٍ صغيرة كتابه «جمهورية الحكماء»، وفيها رأى أن تصبح هناك حكومة عالمية قائمة على الأخوة بين البشر، ويحكمها الحكماء، وبحسبه لم تكن الحكمة مقتصرة على فئات أو طبقات دون غيرها بل درجة يستطيع أن يبلغها أي من الأفراد العاديين وفقًا للرواقية، وذلك بأن يصعد سلم الحكمة من خلال التمارين الروحية والمثابرة والفضيلة، والتحكم في الغرائز البشرية، وقد كان السعي نحو الفضيلة في حدِّ ذاته من الفضائل، وقد عاش زينون مؤسس الرواقية زاهدًا يواصل الليل والنهار في دراساته وتأملاته، ولم يتخذ لنفسه عبدًا واحدًا، على عكسِ ما كان شائعًا، في ذلك الزمان.

قيل لزينون: «أيُ الملوك أفضل: ملك اليونانيين أم الفرس؟» قال: «من مَلَك شَهوتَه وغَضبَه». *كتاب التأملات

تمثلت في ماركوس أوريليوس صورة الحاكم الفيلسوف الذي تحدث عنه أفلاطون في مدينته الفاضلة، كونه فيلسوفًا على العرش أخذ على عاتقه تحقيق العدالة الكونية والمبادئ الرواقية، لذا فقد كان نزيهًا عفيفًا لا يميل لحياة الترف والبذخ، كما كانت سياسته العامة هي حماية الفقراء المعدمين من الأغنياء، وكان حريصًا على رعايتهم وتوفير حاجتهم من الغذاء خاصةً في أوقات الأزمات الاقتصادية، وقد خفف عن كاهلهم الضرائب المتأخرة. 

عرفت تلك الفترة من تاريخ الإمبراطورية الرومانية بأسعد الفترات بين المؤرخين؛ وهي المرحلة الأخيرة من العصر الأنطونيوني الذي امتد من عام 96م وحتى 180م، والذي سميَّ بهذا الاسم نسبةً إلى الإمبراطور أنطونيوس بيوس الذي ساد في عهده الرخاء الاقتصادي وامتلأت خزائن الدولة بالأموال التي أنفقها بيوس على العمران وأعمال الخير وإرضاء المحتاجين، وفي عام 139م أنعم بيوس على خليفته ماركوس أوريليوس بلقب القيصر، وقد كان ذلك يعد إعلانه خليفةً له رسميًّا.

Embed from Getty Images

(ماركوس أوريليوس)

تعلم أوريليوس من أنطونيوس بيوس أصول الحكم والإدارة؛ إذ تدرج في المناصب من قنصل لزعيم مجلس الشيوخ، وقد تزوج من ابنة الإمبراطور فوستينا عام 145م، وأنجب منها العديد من الأطفال بينهم ابنه كومودوس، الذي سيخلفه فيما بعد إمبراطورًا لروما.

بعد وفاة بيوس، حكم أوريليوس جنبًا إلى جنب أخيه بالتبني لوكيوس فيروس، وقد تمكنا معًا من محاربة البارثيين عندما غزا ملكهم فولوجاسيس الثالث أرمينيا، حيث تولي فيروس المجهود الحربي في حين بقى أوريليوس في روما يباشر شئون إمبراطوريته. لكن ما إن انتهى صراع الإمبراطورية ضد البارثيين، حتى بدأت مواجهة جديدة مع القبائل الجرمانية التي عبرت نهر الدانوب وهاجمت المدن الرومانية هناك، إلا أن وفاة أخيه فيروس عام 169م في الحرب الأخيرة قد أضعفته.

استطاع أوريليوس بمفرده أن يحكم قبضته على جبهة الدانوب، وأن يحبط محاولة أفيدوس كاسيوس حاكم سوريا للاستيلاء على الحكم عام 175م، وفي عام 177م أعلن ولده كومودوس شريكًا له في الحكم، وقد توفي هذا الإمبراطور عام 180م تاركًا وراءه أفكاره وأحاسيسه تجاه المسائل الأخلاقية والدينية داخل يومياته التي جمعت في كتابه «التأملات»، هذا الكتاب الذي لم يكن مقررًا لأحد أن يقرأه، إلا أنه نجا من اختبار الزمن وأصبح بين أيدينا اليوم، لنتعرف منه إلى الجانب الآخر من حياة هذا الإمبراطور الحكيم، وكيف حكم إمبراطورية شاسعة في فترة صعبة من تاريخها.

«محاسبة النفس».. طريق للحكمِ العادل

كتب ماركوس أوريليوس في كتابه التأملات عن نظرته الرواقية للعالم، مشيرًا إلى أن خط سير الطبيعة واحد لا يتغير منذ الأزل، وكأن التاريخ الإنساني يعيد ذاته في دورات، أشبه بالدائرة، تتعاقب فيها التغيرات المستمرة، إلا أن التاريخ الإنساني رغم ذلك واحد لا يتغير من حيث محتوياته، مُشيرًا إلى أن «من شهد العصر الحاضر، فقد شهد كل شيء كان أو سيكون إلى الأبد».

«إن الأرض تموت لتصبح ماء، وإن الماء يموت ليصبح هواء، وإن الهواء يموت ليصبح نارًا، والعكس بالعكس». *ماركوس أوريليوس نقلًا عن الفيلسوف هيراقليطس

وإنطلاقًا من هذا المفهوم عن فلسفة التاريخ، انقسمت نفس ماركوس أوريليوس داخل تأملاته إلى اثنين، نفس عُليا عاقلة تواجه نفسًا دُنيا واهنةٌ في حالة مران وتدريب مستمر، لذا كان عليه طوال فصول التأملات أن يُذكر نفسه الدُنيا بما يجب أن تضعه في الحسبان، فهو يخاطب نفسه على مدار الفصول قائلًا: «تذكر»، «ضع في اعتبارك»، «لا تَنس». وهو تدريبٌ رواقي هدفه تعليم الذات.

وعلى الرغم من أن أوريليوس كان قائدًا عسكريًّا مُحنكًا، لم يخسر معركة في حياته، إلا أن نظرته إلى الحياة العسكرية نجدها مدونة في شذرات الفصل العاشر، وتبدو مثل عبء يحتم عليه الواجب تحمله، وهي النظرة نفسها التي رأى بها حياة المُلك بصفته حاكمًا للعالم القديم، فالمُلك عبءٌ وابتلاء، لكن يمكنك عيش حياة الفضيلة حتى في «قفص البلاط»، بحسبه.

«حيثما أمكن لإنسانٍ أن يعيش، أمكنه أيضًا أن يعيش حياةً فاضلة، وإن كان عليه أن يعيش في قصر؛ إذن فليعش في القصر حياةً صالحة». *تأملات – أوريليوس

خلال فترة حكمه، سواء كان على جبهة الحرب أو داخل قصره في روما، عَمد أوريليوس إلى محاسبة نفسه، فما إن يخلو مع الورقة والقلم حتى يُدون ما يجول بخاطره، مُذكرًا نفسها بمن يجب أن يكون، مدونًا مبادئه حتى لا ينساها، متسائلًا عن كيفية تحقيق الخير والعدل داخل العالم.

كانت تلك هي الوسيلة التي درب بها أوريليوس نفسه، ليكون حاكمًا ورواقيًّا أفضل، وهي التي انعكست على ميله للفقراء والمحتاجين ورفع الضرائب عن كاهلهم، وتأمين الغذاء لهم إبان المجاعة وعصر الطاعون في منتصف فترة حكمه.

على الرغمِ من ذلك، حمل أوريليوس داخله تناقضاتٍ إنسانية، خرج بها عن الصورة المثالية للحكيم الذي لا يخطئ، وهو ما وُصف في كتابه «التأملات» بأنه عامل مهم في نقد الأفكار الرواقية المتحجرة التي سبقت عصره وإضفاء بعض الطوابع الإنسانية عليها؛ إذ ظهر أوريليوس في كتابه حكيمًا، لكنه بالمثلِ إنسان يمكنه أن يصيب ويخطئ.

كان أكثر ما يميز فلسفة ماركوس أوريليوس عن سابقيه، أنه أضفى عليها طابعًا إنسانيًّا، بدلًا من أن تكون الحكمة متحجرة في منطقها النظري؛ إذ كانت الرواقية لديه مبدأً عمل على تطبيقه بشكلٍ عملي، واختبر جوانبه المختلفة، ليختبر كيف يمكن أن تتغير الحكمة ما إن تخرج من الحيز النظري إلى حيز التنفيذ.

(ملخص كتاب التأملات- لماركوس أوريليوس)

مع ذلك، كان للإمبراطور الرواقي وجه آخر شديد الشراسة ظهر في قيامه بـ«اضطهاد المسيحية» إبان فترة حكمه، إذ على الرغم من أن تعاليم أوريليوس لم تختلف كثيرًا عن تعاليم المسيح، فإنه قد رأى أن مجتمعه الذي كان يعاني بالأخص مع اقتراب حكمه من نهايته من كلفة الحرب والطاعون، لا شيء يستطيع أن يجعله كتلة واحدة سوى العقيدة التي تمثلت حينذاك بالنسبة له في صورة الآلهة القديمة وتوقيرها، ولكي يحارب ما رآه بابًا لتشرذم المجتمع، أصدر قرارًا باضطهاد المسيحية.

عجز أوريليوس حينذاك عن تصور عقيدة جديدة تستطيع أن تستبدل القديمة القائمة حينذاك، كما أنه لم يستسغ فكرة «الإله المصلوب»، لذا عمد إلى اضطهاد المسيحيين الأوائل، باعتبار ذلك جزءًا من الواجب المقدس.

هكذا أنهى «الطاعون» فترة حكم الفيلسوف الرواقي

لم تكن فترة حكم ماركوس أوريليوس وردية، فعلى الرغم من أنها تُصنف ضمن آخر فترات الإمبراطورية السعيدة؛ فإنها لم تكن خالية من المتاعب التي استطاع الإمبراطور بحكمته أن يحتويها حتى توفي على جبهة الدانوب عام 180م.

«قَدرُ الملوك أن تفعل الخير وتُذم عليه». *تأملات ماركوس أوريليوس

ما إن تولى أوريليوس عرش الإمبراطورية حتى تقاطرت عليه المشكلات من كل حدب وصوب، بدايةً مما ذكرناه سابقًا عن هجمات البارثيين والقبائل الجرمانية، وحتى وصول وباء «الطاعون» المميت إلى روما نفسها.

كان الطاعون قد انتقل من الشرق مع جيش فيروس – شقيق ماركوس بالتبني- وبدأ يفتك بالناس، كما أتلفت فيضانات التيبر كميات هائلة من الحبوب؛ مما تسبب في مجاعة أجبرت الإمبراطور على تدبر الحاجات المُلحة للسكان من الغذاء، وحينها اضطر أوريليوس إلى بيع المجوهرات الملكية ليواجه المجاعة.

تمكن أوريليوس خلال سنوات حكمه من إخماد التمردات وتحقيق الاستقرار في الإمبراطورية وقهر أعدائه في الحروب التي خاضها، كما تدبر أمر تأمين حاجة الإمبراطورية من الغذاء خلال أحلك الفترات. إلا أن خيانة واحد من أهم قادة جيشه وهو أفيديوس كاسيوس حاكم سوريا وقائد جيوش آسيا، مثلت بالنسبة إليه فجيعة كبرى.

كان كاسيوس واحدًا من قادته الثقات، لكن ما إن سمع عن مرض أوريليوس، حتى أعلن موت الإمبراطور ونصب نفسه إمبراطورًا؛ وهو ما استدعى أن يذهب الإمبراطور بنفسه إلى آسيا على رأس جيشه لإخماد هذا التمرد واستعادة مُلكه؛ وقبل وصوله كان كاسيوس قد لقي مصرعه على يد بعض ضباطه.

وعندما وصل أوريليوس إلى آسيا قدمت له رأس كاسيوس هدية؛ وعلى الرغمِ من الخيانة فإنه أسف لمقتله، ورفض مقابلة قاتليه من الضباط، قائلًا إنهم حرموه من غبطة تحويل عدو إلى صديق، كما أبدى رأفة هائلة بعائلة كاسيوس وأنصاره.

وتعد رسالة ماركوس أوريليوس إلى مجلس الشيوخ خير شاهد على أخلاقه في رأي المعجبين به؛ إذ أرسل رسالة يطالب فيها بالرأفة بالجناة، إلا أنه ما لبث أن توفي بالوباء ذاته الذي كان آخذًا في الفتكِ بالناس، وقضى نحبه في 17 مارس (آذار) من عام 180م، ويقال إنه يوم وفاته قد أوصى الجنود بألا يبكوه بل عليهم أن يقاوموا الوباء قبل أن يحصد مزيدًا من الأرواح.

تاريخ

منذ سنة واحدة
3 أباطرة قد يكونون من أصول عربيّة وحكموا الإمبراطورية الرومانية

خلف أوريليوس على العرش ابنه كومودوس الذي كان حاكمًا فاشلًا وضعيفًا، أفسد حملات أبيه من خلال اتفاقيات صُلح ليست ذات قيمة، كما أن حكمه اتسم بالعنف والدموية والانغماس في حياة الترف، ويشير بعض المؤرخين مثل الدكتور أحمد غانم حافظ، المتخصص في التاريخ القديم في كتابه «الإمبراطورية الرومانية من النشأة إلى الانهيار»، إلى أن العيب الوحيد الذي نال من مكانة أوريليوس حقًّا كان إنجابه لهذا الغلام «التافه الدموي»، بحسب وصفه.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد