نشر موقع «جاده إيران»، تقريرًا بعنوان: «شخصيات إيرانية: مهدي بازرغان، سلحفاة السياسة على طريق الثورة السريع (1908 – 1995)»،  تحدث فيه عن مهدي بازرغان، أول رئيس حكومة في إيران بعد سقوط الشاه؛ وفيما يلي نص المادة:

عام 1979، اختار روح الله الخميني، مهدي بازرغان تبريزي رئيسًا مؤقتًا للحكومة. كان الخيار الأفضل لا الأسلم، شخصيّة بين الإسلاميّين والشيوعيّين. لم يختره الخميني لحنكته السياسيّة أو لأفضليّته، بل لاستقطاب القوى الليبراليّة في إيران، وإشارة واضحة على أنّه لم يكن ينوي إقامة نظامٍ ثيوقراطيّ.

بازرغان مع الخميني

الولادة والتعليم

تلميذ المدرسة السلطانية في طهران انتقل للدراسة في دار المعلّمين المركزيّ، وعندما أتمّ أعوامه العشرين، وصل إلى باريس ليبدأ رحلة دراساته العليا في هندسة الديناميكا الحراريّة، ليعود بعد سنوات إلى بلاده أستاذًا في الكليّة الفنيّة بجامعة طهران، ويتسلّم بعدها رئاسة الجامعة.

مهدي بازرغان

السياسة في السجون

يعدّ بازرغان من الشخصيّات التي عاشت مراحل ما قبل الثورة وما بعدها. كان فعّالًا في العديد منها، ولا سيّما بشخصيّته المتأثّرة بالغرب. عام 1952 عيّنه رئيس الوزراء محمّد مصدّق مديرًا عامًا للشركة الوطنيّة للنفط الإيرانيّ. برز دور بازرغان في إخراج البريطانيين من هذه الشركة، ثم أدارها بالتعاون مع خبراء ومختصّين إيرانيّين. لكنّه سرعان ما عزل من مناصبه الرسميّة، إثر الانقلاب الذي أطاح بمصدّق عام 1953.

هذه الانتكاسة لم تمنع بازرغان من نشاطه السياسيّ. فقد شارك في تأليف حركة المقاومة الوطنيّة، مع ما كلّفه ذلك من أعباءٍ ليس أبرزها السجن 8 أشهر بعد كشف المقهى السرّي للحركة عام 1954، وفي سجنه ألّف أول كتبه: «العشق والعبادة أو الديناميكية البشريّة».

شارك بازرغان في تأليف الجبهة الوطنيّة الثانية، كما أسّس مع آية الله طالقاني والدكتور سحابي حركة «نهضة الحريّة الإيرانيّة»، وكان منشوره «النضال السياسيّ والنضال الدينيّ» بمثابة جدول أعمال وعقيدة أساسيّة لعمل أعضاء ومناصري الحركة. أعادت قوات أمن نظام الشاه اعتقاله مع أشخاص آخرين بسبب أنشطة الحركة، وبعد محاكمة طويلة، حُكم عليه بالسجن لعشر سنوات. نفّذ بازرغان ورفاقه عددًا من الإضرابات في السجن، فكان أن تم إبعادهم إلى سجن «برازجان».

خلال فترة سجنه ألقى بازرغان خطابات بمناسباتٍ عديدة، والأهم، أنّه أنتج سبعة مقالاتٍ و11 مجلّدًا من الكتب العلميّة والبحثيّة أبرزها: الدعاية النبوية، والتكيّف الإيرانيّ، وحريّة الحركة الهندية. غادر بازرغان السجن بعد خمس سنوات، وعاد لنشاطاته العلميّة والاجتماعيّة والدينيّة.

بازرغان المتديّن «الليبرالي»

رأى بازرغان في الدين أيديولوجيا سياسيّة، وعنوانًا لبناء الأخلاق الاجتماعيّة ، كما كان مهتمًّا بأيديولوجيّا النضال الحكوميّ الذي من شأنه «إنتاج مجتمعٍ متحدٍّ موّحدّ». كما اعتبر بازرغان أنّ النضال ضرورة، وأنّ التطوّر والحضارة هما نتاج النضال والثورة. هكذا، بدأ خطابه يتحوّل من النشاط السياسيّ نحو النضال السياسيّ، وتخطّى بازرغان الإطار الدينيّ المحافظ، نحو الدين الثوريّ، كما أنّه أدان «أيّ فكر غير مناضل» وصنّفه منافيًا للطبيعة البشريّة والهدف من الخلق، ومن هنا ومع تكرار خطابه، بدأت علاقته مع مقاتلي حرب العصابات الثائرين في البلاد.

في نهاية ستّينيّات القرن الماضي، شهدت أفكار بازرغان تحوّلات لافتة عمّا تبنّاه في الخمسينيّات. أدان في سنواته الأولى منظومات فكريّة عالميّة، كالاشتراكيّة والليبراليّة والديموقراطيّة، بهدف فتح فضاءٍ جديد للأيديولوجيا الإسلاميّة. لكن أفكاره مالت فيما بعد إلى هذه الأفكار التي أدانها، فحظي باحترام مؤسّسي جماعة «مجاهدي خلق» إذ كانت أطروحاته من أبرز روافد الجماعة فكريًا ونضاليًا. احتفوا به بعد خروجه من السجن عام 1969. معارضته لنشاطهم السريّ لم تمنعهم من توطيد العلاقات معه.

كانت لنشاطات بازرغان الدينيّة أولويّة على تلك السياسيّة، حيث شارك في تشكيل المنتدى الإسلاميّ للمهندسين والأطبّاء والنقابة الإسلاميّة للطلاب، وبعدها النقابة الإسلاميّة للمعلّمين، وكان بازرغان أوّل من سمح بإقامة الصلاة في حرم الكليّة الفنيّة بجامعة طهران، كما ألقى الكثير من الخطابات في مجالس ومحافل دينيّة وعلميّة.

الثورة والحكومة والاعتكاف

لعب بازرغان دورًا مثيرًا عام 1978 في تأليف «الجمعيّة الإيرانيّة للدفاع عن الحريّة وحقوق الإنسان»، كما شارك في توجيه الشعب لمواجهة النظام الملكيّ للشاه، وقبل انتصار الثورة بأياّم عام 1979، تسلّم منصب رئيس وزراء الحكوم المؤقتة بقرارٍ من روح الله الموسويّ الخميني، لكنّه لم ينجح في ضبط وتهدئة الأوضاع التي نشبت آنذاك، كما أنّه فشل في مواجهة الجهات المتطرّفة في الثورة، ما دفعه للاستقالة، فيما تقول مصادر أخرى إنّه أُجبر على الاستقالة بسبب معارضته للخميني.

وقد اتّسم أداء بازرغان بشيء من البطء والرويّة الزائدة، حتى شُبِّهَ بالسلحفاة، وكانت هذه إحدى النقاط التي تضعه على جبهة الاختلاف مع الخميني، فقد صرّح بازرغان في إحدى خطاباته بعد تولّيه رئاسة الوزراء قائلًا: «إن الثورييّن يطلبون حكومة ثوريّة هادرة. إن الإمام يريد منا شيئًا أكبر من إمكانيّاتنا، إننا نحقق ونتحرك، لكنَّ واقع حالنا يحتّم علينا السير بتأنٍّ وبطء».

ومن القضايا التي جعلت بازرغان على الضفة المواجهة لمن تسلّموا زمام الأمور في البلاد، معارضته للمحاكم الثوريّة التي أُعدم خلالها العديد من الناس على يد صادق خلخالي، الذي كان في بعض الأحيان يتصرّف من تلقاء نفسه ويصدر أحكامًا بحق المتهمين. مثلًا، عارض بازرغان تطبيق حكم الإعدام بحق عباس هويدا، وطلب من الخميني منع تنفيذ هذا الحكم، وقد وافق الأخير وسلّمه رسالة بهذا الخصوص، فما كان من بازرغان إلا أن توجّه مسرعًا إلى المحكمة، إلا أنّ خلخالي صمّ أذنيه عن الأمر ونفذ الإعدام.

واتضحت أكثر الخلافات بين فكرَيْ الخميني وبازرغان عندما أرسل بازرغان رسالة إلى الخميني ومزقها الأخير بسبب عدم إلحاق كلمة الإسلام بعبارة الثورة الإيرانية، وقد ردّ الخميني بقوله: «إنّني مزقت الرسالة. كم مرة عليَّ القول إنّ الثورة إسلامية وإنّ الثورة لم تعمل شيئًا في إيران، وإنّما الإسلام الذي عمل».

في البرلمان

تابع بازرغان نشاطه السياسي وترشّح في أول انتخابات برلمانيّة بعد الثورة، ونال دعمًا شعبيًّا كبيرًا، ثمّ عملَ مع مجموعاتٍ من الأقليّات في البرلمان على انتقاد الحكم القائم وما اعتبرها انحرافات في المجتمع. رفضت السلطات طلب ترشيحه فيما بعد، كما تعرّضت له مجموعات مسلّحة موالية للثورة بالإهانة والهجوم على محل إقامته، كما يروي صهره محسن محقّقي بأنّه تم اختطافه ثم الإفراج عنه بعد توسّط آية الله منتظري مع وزير الداخلية الإيراني آنذاك علي أكبر محتشمي بور. اعتكف بازرغان عن العمل السياسي بعد سيرةٍ حافلة بالعمل الفكريّ والسياسي.

توفِّيَ بعد صراع مع المرض أثناء توجّهه للعلاج في سويسرا عام 1995، تاركًا أكثر من 350 كتابًا ومقالة، وما زال حتى اليوم بشخصيته مثار جدلٍ في إيران.

وصفه الرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد على حسابه في تويتر منذ أسابيع «بالرجل الذي بقي حتى نهاية عمره ثابتًا على الدين والأخلاق والعلم، الذي لم يقف ضد مصالح إيران، وقام بإخراج البريطانيين من صناعة النفط»، وأضاف أنّ «بازرغان تم سجنه وطرده من الجامعة التي كان يعمل فيها، وأنه شارك بأمر من الخميني في إضراب شركة النفط».

ونفى عباس عبدي في مقابلة مع مجلّة «ادنيشة بويا» وجود صلة وصل بين إصلاحيي اليوم وبازرغان، وأشار إلى أنّ أهم اختلاف بينهما هو أن بازرغان لم يكن سياسيًا، وإنما تحدث كثيرًا عن الإسلام، ولم يوفّق في عمله السياسي، مضيفًا أنه لم يكن قادرًا على تعبئة القوى وجذب مشاركة الناس، مستدلًّا على ذلك بإشارته إلى أنّه عندما انتصرت الثورة «خاطب بازرغان الناس طالبًا منهم أن يعودو إلى بيوتهم على أن تكمل فئة النخبة العمل الباقي»، وقد اعتبر عبدي ذلك دليلًا على أن تبريزي لم يكن يؤمن بالمشاركة.

المجلة نفسها أفردت صفحتين لرسومات كاريكاتورية عن حالة الحكومة في عهد بازرغان، منها رسم يحمل تشبيهًا بالسلحفاة، عليه كلمة «الساخر» بسبب لجوء بازرغان لروح السخرية وقول النكات أثناء خطاباته. وقد اعتبر البعض هذا الأمر محاولة للتهرّب من التراجيديا التي تعمّ البلاد، فيما رأى البعض هذا الأسلوب دليلًا على عدم امتلاك بازرغان رؤية سياسيّة محدّدة.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد