شهدت البشرية بشكل مستمر خلال القرون الماضية حروبًا متتالية، وبعضها له بصمة فارقة في تاريخ الأمم والدول وتختلف الأحداث من بعدها، واليوم نتحدث عن الحرب الروسية اليابانية عام 1904، التي مهّدت لصعود اليابان لتكون قوة بحرية دوليّة.

في هذا التقرير نتحدث عن قصة نهوض ياباني مُبكر، بدأت عام 1868 بصعود ميجي، الإمبراطور الشاب لعرش اليابان، الذي أراد حرفيًّا أن يغيّر مسار التاريخ، وهو ما فعله في الحرب التي أظهرت ثمار مشروعه التحديثي.

فكيف انتصرت اليابان الناشئة آنذاك على روسيا القيصرية ودمّرت أسطولها بالكامل؟

نظام طبقي صارم

ميجي لقبٌ اكتسبه الإمبراطور الياباني موتسوهيتو، وعلى اسمه سمّيت سنوات حكمه: فترة ميجي، من 1868 وحتى وفاته في 1912. وأخذ الإمبراطور لقبه نظرًا لدوره في تحديث اليابان في فترة حكمه، ولقّب أيضًا بميجي العظيم.

عاشت اليابان قبل نهضة ميجي في نظام طبقي صارم ومحدد، لكل فرد فيه دوره وطبقته، وفي النظام الطبقي أربع فئات، التجار والحرفيّون في الطبقة الدنيا، والمزارعون يلونهم وهم أكبر فئة في المجتمع الياباني آنذاك، ثم جنود الساموراي، وهم المقاتلون الذين يدينون بالولاء للداميو، وهي طبقة من النبلاء يحكمون المناطق والأقاليم، وفوقهم الشوجون، أقوى زعيم عسكري في اليابان والحاكم الفعلي لها، ويعلوهم جميعًا الإمبراطور.

وكان فرسان الساموراي الوحيدين المصرح لهم بحمل السيوف دون غيرهم.

فرسان الساموراي.

كانت طبقة الساموراي، مع حقوقها الخاصة وامتيازاتها، مكلفةً على الإمبراطورية وتقفُ ضدّ أي تغيّر يمكن أن يزعزع مصالحها، وزعماء الساموراي كانوا على خلاف مع الإمبراطور الذي يحاول انتزاع أكبر قدر ممكن من الصلاحيات والموارد منهم.

أصبحت كلفة وجود الساموراي مرتفعةً مع استقرار اليابان وعدم اضطرارها لخوض حروب جديدة، فاضطروا للاقتراض من التجار، الذين كانوا أدنى منهم نظريًا في السلم الاجتماعي، واتسعت شيئًا فشيئًا مصالح طبقة التجار على حساب المزارعين الفقراء وفرسان الساموراي المتعطلين في ذات الوقت.

أمريكا تدقّ باب اليابان بمدافع وسفن بخارية

وصل كريستوفر كولوموبس شواطئ أمريكا فاتحًا فصلًا جديدًا من التاريخ، وبالمثل كان لبعثة بحرية أمريكية (1853-1854) أثرٌ بالغ على الحياة السياسية في اليابان ومستقبلها، إذ وصل القبطان العسكري الأمريكي ماثيو بيري لشواطئ اليابان ضيفًا ثقيلًا لم يألفوا ما جاء به.

سمّى اليابانيون الحادثة باسم «وصول السفن السوداء»، فماذا كانت أهدافها؟ ولماذا أرسلت أمريكا رحلتين منفصلتين لليابان التي لم يكن بينها وبين الغرب (أمريكا وأوروبا وروسيا) آنذاك أي علاقات ذات أهمية.

لوحة تصور وصول بعثة بيري إلى اليابان.

أرادت الولايات المتحدة أن تُنهي اليابان سياسة العزلة التي اتبعتها لسنوات طويلة ومنعت باقي الدول من دخول أسواقها، وفي البداية لم يحبّذ اليابانيون المقترح الأمريكي بالانفتاح، وأخافهم ما رأوه من سفن بخارية، ومدافعها التي استعرض الأمريكيون قوتها بإطلاق قذائف للاحتفال بذكرى الاستقلال الأمريكي التي وافقت رحلتهم لليابان.

اتفق الطرفان على عودة الأمريكيين بعد عام، ولكن بيري عادَ مبكرًا بأسطول أكبر من سبع سفن بخارية من أحدث السفن لإبهار اليابانيين، وبعد مفاوضات مطوّلة وقع الطرفان على اتفاقية صداقة وتعاون بينهما.

كان الهدف انتفاع أمريكا من اليابان اقتصاديًا، إذ أرادت الولايات المتحدة لليابان أن تكون سوقًا لمنتجاتها وأن تأخذ هي من اليابان ما تحتاج، ولكن ما حصل كشف ضعف اليابان، وسرعان ما جاءت باقي الأمم الأوربية المعروفة آنذاك بالقوى العظمى لتمد جسورًا من التعاون أو التخويف مع اليابان، وهذا الزخم من الانفتاح على الخارج والتغيير العنيف الذي تعرض له المجتمع الياباني، الذي كان مجتمعًا زراعيًّا وبسيطًا آنذاك مقارنة بالدول الغربية، ليصبح مجتمعًا صناعيًّا معقدًا، يؤرخ له بكونه النصف الأول من بداية تأسيس اليابان الإمبراطورية الإمبريالية، وهي عينها فترة ميجي، ولكن هذا التطور السريع كانت له ضرائب باهظة سنتحدث عنها لاحقًا.

موت الساموراي الأخير

استوعب الإمبراطور الياباني شيئًا واحدًا آنذاك بعد الصدمة التي شهدتها اليابان من سطوة القوة العسكرية الأمريكية: على اليابان اللحاق بالركب، ولكن بأسرع وقت ممكن، وقررت حكومة ميجي أنه حان الوقت ليكون اليابان بلدًا صناعيًا، ولكن النظام الاجتماعي القديم كان عقبة كبيرة، فما الحاجة من فرسان الساموراي في مجتمع يتجه للتصنيع والعسكرية الحديثة؟

وباختصار، قررت حكومة ميجي تجريد الساموراي من أراضيهم ودخلهم، وحتى من الحق في حمل السلاح الذي كان حصريًّا لهم.

ساييجو تاكاموري.

أشعلَت هذه التغييرات حربًا أهلية بين الإمبراطور والشوجون، قادة الساموراي، وكان ساييجو تاكاموري من أبرز قادة الساموراي الذي تزعم آخر محاولاتهم لخلع الإمبراطور ولكنها باءت بالفشل.

«زايباتسو» هو الحل

ومع سعي اليابان الحثيث لتطوير الصناعات وبناء السفن الحربية لتأسيس أسطول قوي وجيش منظم وحديث، جيش لا يحمل سيوف الساموراي ولكن المدافع ويستخدم البارود ويركب سكك الحديد، وكلها كانت أشياء جديدة تمامًا على المجتمع الياباني.

اعتمدت اليابان على إنتاج وتصدير الحرير بكثافة عالية نظرًا للطلب الكبير عليه آنذاك في أسواق أوروبا والولايات المتحدة نظرًا لجودته، وقد استخدمت الحكومة أرباح تجارة الحرير وتصديره لتنفق على مشاريع التحديث والصناعات العسكرية الضخمة.

وواجهت حكومة ميجي شراك الإفلاس، فبحثت عن حلول لتجاوزه ولتكثيف الإنتاج، وجاء الحل في «زايباتسو»، وهي كلمة يابانية من مقطعين هما: زاي بمعنى المال، وباتسو بمعنى العائلة أو العشيرة.

أي مال العشيرة، حيث استعانت حكومة ميجي بالعائلات اليابانية الغنية والكبرى، لتعمل كل منها في مجالات مختلفة مثل التعدين والتجارة وصناعة المنسوجات والبنوك، وفكرة الزايباتسو في أن تعطي الحكومة المشروعات الحكومية الصناعية الكبيرة لهذه العوائل لينفذّوها، وتكون الأرباح للعوائل، في مقابل تحقيق الحكومة لمكسب إنشاء المصانع ذاتها ولتكون أصولًا رسمية للدولة، من شأنها أن تساعدها في تحقيق نهضة صناعية وعسكرية كبيرة، والأهم: سريعة في الوقت نفسه، ولكن دفع كلفتها المزارعون والطبقات الدنيا اليابانية.

ولأن الشيء بالشيء يذكر، فقد كانت شركة ميتسوبيشي من أولى الشركات التي تعاقدت مع الحكومة اليابانية لتنفّذ أعمالها، حتى تحولت شركة ميتسوبيشي في العام 1880 من شركة شحن صغيرة و محدودة في منطقة نائية ومنسية من العالم آنذاك إلى شركة كبيرة ورائدة ما زالت تخدم وتتعاقد مع الحكومة اليابانية حتى وقتنا الراهن.

ضريبة التحول للصناعة

في كتابه «ثقافة عهد ميجي The Culture of the Meiji Period»، يوضح البروفسور ديكيتشي إيروكاوا أن هذا التغير الاجتماعي في اليابان كان عنيفًا وسريعًا للغاية، فمثلًا احتاجت أوروبا لأكثر من 150 عامًا لابتلاع آثار الثورة الصناعية ثم التقدم عنها، ولكن استطاعت اليابان استيعاب الثورة الصناعية فيها وجَنَت ثمارها في أقل من 40 عامًا، رغم آثارها الضخمة على المجتمع، إذ سعت حكومة ميجي لتحوّل معظم المزارعين لعمال في المصانع الجديدة.

بالطبع من الصعب أن تتحوّل مجموعة من المزارعين إلى عمال وحرفيين مهرة بين ليلة وضحاها، ولكن هذا ما أجبرت حكومة ميجي الفلاحين اليابانيين عليه، حتى أن مصانع غزل الحرير –الورقة الرابحة في تمويل إنشاء المصانع- عملَ فيها أطفال دون سن الحادية عشرة بأعداد كبيرة، لساعات عمل طويلة بين تسع إلى 12 ساعة يوميًا.

وربما يبيّن هذا الرقم قسوة التحولات التي عاشتها اليابان، وأهم مثال عليها قصة جزيرة «هشيما»، و هي جزيرة تبعد حوالي 15 كيلومترًا جنوب ميناء مدينة ناجازاكي، وقد اشترت شركة ميتسبوشي الجزيرة من حكومة ميجي، في إطار الـ«زايباتسو»، وقدّمت الشركة للحكوم خدمات مثل استخراج الفحم.

ولكن الجزيرة كانت بمثابة سجن كبير ومنجمٍ في وقت واحد، ضمّ عمالها مساجين ومجرمين وفقراء وفلاحين وعاشت عائلات بأكملها في الجزيرة داخل زنازين ضيقة وخانقة، وتقول مصادر مختلفة أنه حتى 1890 كانت محاولات المضطهدين في الجزيرة للهرب تواجه بالقتل المباشر، ولما تفشى بينهم وباء الكوليرا قامت شركة ميتسوبشي بحرق جميع المصابين الأحياء و الأموات.

بقايا وأطلال المنجم على جزيرة هشيما – صورة حديثة 2008 ويكيبيديا

اليابان تتوسع

بعد تخلص حكومة ميجي من المعارضة التقليدية، تقدّمت في تحويل المجتمع من مجتمع زارعي يعتمد على زراعة الأرز إلى مجتمع صناعي يبني منتجات ثقيلة، بل غيّر اللباس وتراجع حضور الأزياء اليابانية التقليدية أمام سيطرة الزي الأووربي الحديث على معظم أفراد النخبة الحاكمة، بما فيهم الإمبراطور شخصيًا.

فتحت اليابان عينها الآن لتنظر خارج حدودها، وهي جغرافيًا دولة جزرية، أي تتكون من مجموعة من الجزر القريبة من بعضها البعض، وهذا بطبيعة الحال لا يمنح أراضي الدولة مساحةً تسهّل تنفيذ التحديثات، وتنذر بقلة الموارد الطبيعية في البلاد، وعليه فقد اتجهت حكومة ميجي بعد تأسيس جيشها القوي وأسطولها البحري لتختبر قوتها الجديدة وترفع صوتها إقليميًا وترسم صورتها قوة إمبريالية آسيوية.

وبدأت اليابان في التمهيد لتوسعها بحرب مع الصين، فكانت الحرب الصينية اليابانية الأولى من يوليو (تموز) 1894، وحتى أبريل (نيسان) 1895، وجائزة المنتصر من الحرب السيطرة على كوريا التي حكمتها آنذاك سلالة جوسون، وبعد أكثر من ستة أشهر من انتصارات مستمرة لليابان انتصرت بميناء يهايوي، وبدأت مفاوضاتها مع الصين انتهت ببسط نفوذ اليابان على كوريا.

استسلام الصينيين للقادة العسكريين اليابانيين في 1894.
استسلام الصينيين للقادة العسكريين اليابانيين عام 1894.

وقبل الحرب رَعت الصين وحمتها كوريا من القوى الإمبريالية الأوروبية، ولكن ليس من اليابان، وصارَ إيتو هيروبومي، أول رئيس وزراء لليابان، كذلك أول جنرال حاكم مقيم عيّن نفسه في كوريا بعد سيطرة اليابان عليها، وحين ثارت الاعتراضات الكورية واجهها اليابانيون بالقوة وقتل أكثر من 12 ألف كوري.

وإمعانًا في فرض السيطرة عيّن الجنرال إيتو ابنه الصغير «حاكمًا لكوريا»، وعمليًا صارت كوريا محميةً يابانية ثم احتلّتها اليابان بشكل رسمي في 1910، وظلّت فيها حتى عام 1945.

صراع الكبار.. روسيا واليابان

كانت الإمبراطورية الصينية شبه المنهارة آنذاك بمثابة غنيمة يرغب الجميع بأخذ نصيبهم منها، وسيطرت روسيا القيصرية على منطقة منشوريا الاستراتيجية شمالي شرق الصين المتاخمة لحدود روسيا، وقد كانت كوريا بالفعل تحت السيطرة اليابانية، وهنا نشب النزاع بين الإمبراطوريتين اليابانية الناشئة من جهة وروسيا القيصرية العتيقة من جهة أخرى حول مناطق النفوذ في منشوريا وكوريا، وتركزت العمليات الحربية بمناطق جنوب منشوريا والبحار المحيطة بكوريا واليابان وكذلك البحر الأصفر الذي يقع بين الأراضي الصينية وشبه الجزيرة الكورية.

وجدير بالذكر أن معظم مسارح العمليات تلك كانت بحرية، وهو ما جعل الحرب الروسية اليابانية نقطةً مفصلية يؤرّخ للمعارك البحرية بوقوعها، وفيها تمكنت المدفعية اليابانية الحديثة بمقاييس عصرها من تدمير الأسطول الروسي العتيق تدميرًا كاملًا.

مقطع يصوّر تقدّم اليابان على الخريطة أثناء الحرب الروسية اليابانية.

هدف روسيا الوصول للمياه الدافئة في المحيط الهادئ، لتستعملها طوال العام وتتحرر من قيود مينائها الموسمي فلاديفوستوك، الذي لم يعمل إلا خلال شهور الصيف نظرًا لبرودة الجو في الفصول الأخرى، وأرادت روسيا أيضًا أن توفّر كلفة الإيجار الباهظ الذي دفعته للصين طوال العام مقابل استعمال ميناء آرثر، بمقاطعة ليودونج الصينية.

في ديسمبر (كانون الأول) 1897 ظهر أسطول روسي قبالة سواحل منطقة «لوشونكو» غرب الصين على المحيط الهادئ، واعتبر هذا الظهور المفاجئ للأسطول الروسي بمثابة استعراض الذراع الطويلة للبحرية الروسية أمام الصين شبه المنهارة في ذلك الوقت، وقد أتت هذه التحركات الاستعراضية المفاجئة بنتيجتها المرجوة، فبعد ثلاثة أشهر، وتحديدًا في 1898، تفاوضت الصين وروسيا على اتفاقية أجّرت بموجبها الصين لروسيا ميناء آرثر وتالينوان -خليج داليان في وقتنا الحاضر- الواقعة جنوب شرق شبه جزيرة ليادونج الصينية (انظر الخريطة أدناه).

وهذا الميناء أعطى روسيا وجودًا أكبر في المياه الدافئة طوال العام، وتضمن الاتفاق تأجير المياه الإقليمية المحيطة بالمنطقتين سالفتي الذكر.

خريطة توضح موقع مدينة وميناء فلاديفوستوك الروسي، وتظهر في الخريطة اليابان والصين وكوريا.

حصّن الجيش القيصري الروسي ميناء آرثر، ليصبح قاعدة بحرية رئيسية، نظرًا لأنه المنفذ الوحيد لروسيا على المياه الدافئة في المحيط الهادئ، ولتسيطر به على الملاحة البحرية في العمق الآسيوي، ولأهميته كان الهدف العسكري الأول لليابان في الحرب لتدمير الأسطور الروسي فيه أو تقزيم دوره على الأقل.

وبعد مرور عام تقريبًا منذ دخلت اتفاقية الصين وروسيا حيز التنفيذ، بدأت روسيا ببناء خط سكة حديدة، لتعزيز مواقعها وتحصيناتها العسكرية، يمتدّ في مناطق تقع شمال شرق الصين وبالقرب من روسيا، كان هذا مشروع الروس الأهم في المنطقة، وكان لمشروع السكك الحديدية دور في تصعيد غضب ثوار ثورة الملاكمين، المناهضين للاستعمار والتوسّع الأجنبي في الصين، وأحرقت قواتهم بعض محطات السكك الحديدية.

وحركة الثوار الملاكمين، أو حركة يهيتوان هي انتفاضة شعبية وقعت في الصين ضد الإمبريالية وضد التدخل الأجنبي وضد التبشير بالمسيحية داخل الصين بين عامي 1899 و1901، خلال الفترة الأخيرة من حكم سلالة تشينج.

وكانت لروسيا القيصرية –بوصفها قوة إمبريالية كبرى- طموحات في الشرق، وبحلول تسعينيات القرن التاسع عشر، وسّعت مجال نفوذها وسيطرتها عبر آسيا الوسطى حتى أفغانستان، وابتلعت الدول الصغيرة في مسيرتها التوسعية، لتمتدّ الإمبراطورية الروسية آنذاك من بولندا في الغرب إلى شبه جزيرة كامتشاتكا في الشرق.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
ثورة الملاكمين.. حين ثار فلاحو الصين في وجه الأجانب فانتفض لحربهم 8 دول

وهنا اصطدمت خطط روسيا بخطط اليابان للتوسع في آسيا، فقامت اليابان ببادرة –باعتبارها دولة عظمى– عرض الاعتراف بالسيادة الروسية على منشوريا الصينية، مقابل اعتراف الأخيرة بالسيادة والنفوذ الياباني على كوريا، إلا أن روسيا رفضت العرض ولم تعترف بالسيادة اليابانية على كوريا.

وبحلول 1904، قررت اليابان دخول الحرب ضد روسيا، لتخوض القوتان الكثير من المعارك، كانت معركة ميناء آرثر أهمها إذ أعطت اليابانيين تفوقًا نفسيًا وعسكريًا عاليًا.

معركة بورت آرثر

في 8 فبراير (شباط) 1904، افتتح الأسطول الياباني بقيادة الأدميرال توجو هيهاتشيرو الحرب، بإطلاق طوربيدات مفاجئة على السفن الروسية في ميناء آرثر، ولم يتوقع الروس الهجوم على أكثر قواعدهم تحصينًا خارج الحدود الروسية.

ألحق الهجوم ضررًا جسيمًا باثنتين من البوارج الروسية هي الأثقل والأقوى في الأسطول الروسي بأقصى الشرق، وأضرّت بمدمّرة روسية أخرى، وتطوّرت الهجمات في اليوم التالي لسلسلة اشتباكات مستمرة.

احتمى الأسطول الروسي بمدفعية متمركزة على شواطئ الميناء، وتردد الروس في إخلائها والخروج للبحار المفتوحة، ومن مساوئ الصدف الوفاة المفاجئة للأدميرال الروسي الذي قاد الأسطول في الحرب، بعد شهرين من حصار الميناء.

وعلى الرغم من أن معركة الميناء لم تكن الحاسمة، فإن هجماتها المفاجئة كان لها تأثير نفسي مدمر على الأسطول الروسي وسمحت لليابان بتولي زمام المبادرة وتولّوا دفة الهجوم، واقتصر دور الروس في صدّ الهجمات.

وفرت هذه الضربات الاستباقية غطاءً آمنًا لهبوط ياباني على الأرض بالقرب من منطقة «انتشون» في كوريا، ومنها انطلقوا ليحتلوا بقية كوريا بشكل كامل.

وبعد الاحتلال الياباني لهانسونج أرسل آخر إمبراطور كوري قوةً عسكرية قوامها 17 ألف جندي لدعم روسيا، وبحلول نهاية أبريل (نيسان) كان الجيش الإمبراطوري الياباني آنذاك جاهزًا للعبور ليصل لمنشوريا الصينية التي تحتلها روسيا.

الروس يجربون الخروج للمياه المفتوحة

فشلت محاولات الروس لكسر الحصار المفروض على ميناء آرثر، وفوجئوا باستعمال اليابان لألغام بحرية انفجرت في بارجتين مدرعتين وأغرقتهما وقتلت الأدميرال الروسي ستيفان ماكاروف، أحد أهم أدميرالات روسيا وممن قادوا البحرية الروسية في الحرب الروسية التركية (1877-1878).

بدأ الحصار الياباني كما قلنا في أغسطس (آب) 1904، وانتهى في يناير (كانون الثاني) 1905، ولكن بعد أن قتل آلاف اليابانيين للسيطرة على الميناء، ومن الأسلحة التي قلبت موازين المعركة مدافع الهاوتزر التي استعملها اليابانيون، وهي سلاح قصف مدفعي بأنبوب قصير يُطلق المقذوف باتجاه مقوّس ومنحن ما يسمح له بتجاوز التحصينات، على عكس المدفع التقليدي الذي يقذف بشكل مباشر.

خسائر روسية فادحة

غرقت أربع بوارج وطرادان روسيان، وبعدها بأسابيع دمّرت البارجة الخامسة، وبذلك غرقت جميع السفن الرئيسية للأسطول الروسي في المحيط الهادئ، وبينما كانت المدفعية اليابانية تدكّ الأسطول الروسي، حاول الروس كسر الحصار عن المدينة دون طائل، وفي النهاية ارتأى اللواء الروسي أناتولي ستيسل، قائد القوة الروسية هناك، أن الغرض من الدفاع عن المدينة انتهى بدمار الأسطول.

في هذه الأثناء، فشلت كل المحاولات الروسية في تخفيف الحصار عن المدينة عن طريق البر، وبعد معركة لياويانغ في أواخر أغسطس، تراجعت القوة الروسية الشمالية التي ربما كانت قادرة على إعفاء بورت آرثر من الحصار تراجعت إلى موكدين (شنيانغ).

فقرر قرر اللواء ستيسل الاستسلام للجنرالات اليابانيين في 2 يناير (كانون الثاني) 1905، متخذًا قراره دون استشارة أي من الضباط الآخرين الموجودين معه، أو القيصر أو حتى قيادته العسكرية، وقد رفضوا جميعًا القرار، ولاحقًا أدانت محكمة روسية عسكرية ستيسل في 1908 وحُكم عليه بالإعدام للجبن وعصيان الأوامر، ولكن لم يُعدم وعفا عنه القيصر.

اللواء أناتولي ستيسل قائد الأسطول الروسي – ويكيبيديا

اسم اليابان يسطع على القوى الكبرى

فقدت روسيا في الحرب ثلثي أسطولها ولم يبقَ لها سوى الثلث الأخير في البحر الأسود، وقد دخلت اليابان هذه الحرب مبتدعة تكتيكات حربية جديدة سرعان ما طبقها الأوروبيون في الحرب العالمية الأولى.

ونذكر منها على سبيل المثال، أن اليابانيين كانوا في موقع الهجوم طيلة الحرب تقريبًا، وصمّموا تشكيلات هجومية حاشدة من جنود المشاة نحو المواقع الدفاعية الروسية، وهو أسلوب جديد حينها من الدفع بهذا العدد الهائل من الجنود مرة واحدة.

والاستخدام الكبير للمدافع الرشاشة والمدفعية الأرضية كان بمثابة الدعاية لهذه الأسلحة وإمكاناتها التدميرية، ولاحقًا ظهرَ في الحرب العالمية الأولى اعتماد كبير على المدافع الرشاشة والمدفعية الأرضية في حروب الخنادق.

تقديرات روسية ويابانية لعدد قتلى الحرب تشير إلى 71 ألف قتيل روسي، يقابلها 8-86 ألف قتيل ياباني، وقد جنّدت روسيا لهذه الحرب مليونًا و365 ألف مقاتل، وجنّدت اليابان مليونًا و200 ألف.

لم تكن الحرب الروسية اليابانية حربًا عادية، ولكنها حرب أعلنت فيها اليابان عن وجودها لاعبًا إقليميًا ودوليًا بقدرات إمبريالية، وحققت بالحرب أهدافها إذ ثبتت نفوذها في كوريا، وهزمت قوةٌ آسيوية لأول مرة منذ بداية عصر الاستعمار قوةً أوروبية غربية. وبها مهدت اليابان لدخولها الحرب العالمية الأولى بعد ذلك. معلنة للعالم عن مولد قوة إمبريالية آسيوية ترغب في التوسع وباستطاعتها أن تكون ندًا قويًا.

المصادر

تحميل المزيد