ترجمة وتحرير الخليج الجديد

سقطت مدينة الرمادي العراقية مرة أخرى في أيدي «الدولة الإسلامية» في العراق، وهي جماعة خرجت من رحم تنظيم القاعدة في العراق. ولا تحتاج وحشية هذا التنظيم الإرهابي إلى تعليق أو وصف، وقد أزعجني إعادة سيطرة التنظيم على مدينة الرمادي وتورط جنود أمريكيين في محاربته والتصدي له. لقد عشت انتشارين في مدينة الرمادي لمحاربة تنظيم القاعدة، وقتل رفاق في تلك المعارك التي خضناها، وأصبت في الرمادي. وكان رد فعلي الأولي، مثله في ذلك مثل العديد من المحاربين القدامى، لماذا هذا كله الذي نعيشه بينما لا نلمح أي تغيير. لم يكن هناك إراقة الدماء، ويبدو أن الثمن الذي دفعناه لم يسفر عن أي منفعة فعلية. ويبقى يوم الذكرى،الذي تحتفل به الولايات المتحدة، مجرد يوم للتفكير نستعيد فيه ذكريات مضت لكنها بقيت محفورة في الأذهان. لقد قررت أن أجلس وأحدد بالضبط ما الذي نحييه في هذا اليوم.

يتعلق يوم الذكرى بتكريم أولئك الذين ماتوا في القتال من أجل بلدنا. وفي كثير من الأحيان ترتبط تلك الذكريات بمكان معين. ومن المسلم به بديهيًا أن الجنود يقاتلون ويموتون في بيئة ملموسة ماديا. وغالبا ما يكون مكانا بعيدا عن الوطن. وتجعلنا الطبيعة البشرية نحتفظ بذاكرة تتعلق بتلك البيئة الملموسة. أوكيناوا وأنتيتام وتشوسين ولادرانج وغيرها ليست سوى عدد قليل من الأسماء التي تتحدث عن معارك منذ أزمنة بعيدة. شخصيا، أقدس تلك الأماكن وتلك الأسماء. النقطة التي تعنينا في المقام الأول الآن بالنسبة لهذه الأماكن وتلك الأسماء هي من قتلوا هناك وسالت دماؤهم في تلك المعارك. أماكن معينة باتت رمزا، وعادة تصبح قيمتها أعلى كلما كان القتال أكثر شراسة. فعادة أذهب إلى المكان الذي جرحت فيه، وأول ما يجول بخاطري هو المكان الذي سالت دمائي عليه، والمعركة التي جرحت فيها. على الرغم من أنها كانت منطقة زراعية بين الرمادي والفلوجة. ومع ذلك، فإنه عند إعطاء إجابة فنية، هناك شيء يُفقد في الترجمة ونقل الأمر. ولا تزال منطقة الرمادي محفورة في أذهان كثيرين. كانت مهمتنا في ذلك اليوم تتركز في داخل المدينة، ولكنها امتدت للخروج إلى محيط المدينة.

إحياء ذكرى مكان ما بسبب الوزن النسبي المرتبط به يمثل إشكالية على جبهتين، أنه يضع مغالطة جزئية بينما يتجاهل ما أعتقد أنه مكون آخر حاسم غالبا ما يتم تجاهله: الزمان أو الوقت.

وتتمثل المغالطة الجزئية في آلية ربط أهمية آخر عمل شجاع للجندي بالمكان الذي حدث فيه الأمر. فقد يموت جندي للسيطرة على، أو دفاعا عن، تلة خطرة، على سبيل المثال، لكنهم في الأساس لا يرهنون حياتهم لمجرد تلة. لا أحد ينضم إلى الجيش للقتال من أجل قطعة معينة من الأرض أو مدينة أو جماد. نلتحق لخدمة بلدنا، والتي تنتهي بإنجاز المهام التي دعينا لإتمامها. تصوير الحرب على أنها امتداد للدبلوماسية بوسائل أخرى، يعني أن الجنود هم المنفذون النهائيون للإرادة السياسية الوطنية. ويمكن أن تشمل مهمة محددة جيدا وأخذ تلة معينة، ولكن الجندي ليس هناك من أجل قطعة معينة من الأرض. هم هناك لأن المهمة أرادت لهم أن يتواجدوا.

المكون الآخر الذي نتجاهله هو الوقت. وبمجرد اقتران الموت بالمكان وتأسيس أهميته في عقولنا، فإن ذلك يصبح له مغزى منذ ذلك الحين. فمن الصعب التفكير في مكان مادي دائم على أن له علاقة مؤقتة فقط في وقت الدم الذي أريق هناك. هناك سبب لماذا ساحات قتال الحرب العالمية الأولى قبل قرن لا تزال تشكل هذه الأهمية الخاصة.

لقد كنت أفكر في ذلك كله عندما أسمع الدعوات لإعادة القوات الأمريكية المقاتلة إلى العراق بسبب الأحداث الأخيرة في مدينة الرمادي. العديد من المبررات لمثل هذا العمل لا تركز على الاستراتيجية العسكرية والسياسة الخارجية للولايات المتحدة أو ما يمكن أن يكون أفضل للعراق. وبدلا من ذلك، يتم استدعاؤهم بناء على حقيقة أن الأمريكي يعيش حيث يعمل لتحقيق الانتصار في الرمادي في الماضي. ويبقى السؤال: إذا سقطت الرمادي مرة أخرى في أيدي المسلحين، فما الذي يموت الجنود الأمريكيون لأجله في المقام الأول؟

لقد سيطر على خاطري للوهلة الأولى هذا المنطق الواضح المعالم. ومع ذلك، تنهال أسئلة كثيرة إلى الذهن على الفور. ولسوف أركز على اثنين منهما؛ هل سيطرة العدو على مكان هؤلاء الناس قد قضى على الذكريات والآثار المحفورة في ذاكرة التاريخ، وهل يجب علينا السماح لذلك بالتأثير على أعمالنا؟ بالنسبة للسؤال الأول فقد توصلت لنتيجة مفادها لا، على الرغم من أنه أمر مؤلم جدا. لقد كان للجنود، الذين ضحوا بحياتهم لإنجاز مهمة ما، تأثير. وكان هذا التأثير غير مقتصر على مكان واحد. تندلع الحروب على مساحة وتتأثر بكافة الإجراءات اللانهائية التي تحدث في هذه المساحة في ذلك الوقت من التاريخ. نجاح العدو في الوقت الحاضر، حتى لو كان في ذلك المكان نفسه، لا يسلب من الجندي ما قام به الماضي وما ساهم فيه من تأثير. وفي ضوء ذلك، أجد من الصعب تبرير إرسال المزيد من الجنود للقتال، حيث سيموت بعضهم لا محالة، فقط في محاولة لحماية ذكرى أولئك الذين ماتوا بالفعل.

تلك الذكريات لا تحتاج إلى حماية مادية. يوم الذكرى هو تقديرنا الرسمي لتضحيات رفقائنا. علينا أن نتذكر أعمالهم واستعدادهم لتقديم كل ما يمكنهم تقديمه لإنجاز المهمة. هذه الذكريات هي بالطبع مرتبطة بالمكان، ولكن لا ينبغي أن تكون تلك هي السمة المميزة. ما يحدث الآن في موقع مثل الرمادي لا يحط من قيمة تصرفات سابقة وقعت هناك. هم أعلنوا عن أنفسهم خارج إطار المكان وهذا هو أريد شخصيا أن أحيي ذكراه.

المصدر | بول فلويد، ستراتفور

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد