لم تأتِ زيارة رئيس المكتب السياسي في حركة “حماس” خالد مشعل وبعض من أعضائه من فراغ، بل حملت في طياتها جملة من الملفات العالقة والتي تخص القضية الفلسطينية، بعد موجة من التغيرات الإقليمية والعربية مؤخرًا، لا سيما في إيران واليمن وسوريا.

إذن هي الزيارة الأولى من نوعها منذ يونيو/ حزيران 2012م، بعد أن شهدت العلاقة بين الحركة والسعودية فتورًا، وانقطاعات بفعل المجريات في مصر وإيران على وجه التحديد.

وبالتالي، تطرح تلك الزيارة جملة من التساؤلات، حول طبيعة أهدافها في الوقت الحالي، وأبرز الثمار التي خرجت بها، فضلًا عن مسار تطور العلاقة بين الجانبين، ونظرة إيران لها.

أولًا: ما أهداف زيارة مشعل للسعودية؟

 

مشعل الذي وصل السعودية، مساء الأربعاء الماضي، في زيارة مفاجئة لم يعلن عنها مسبقًا، واستمرت ليومين، التقى خلالها رئيس الاستخبارات السعودية خالد الحميدان، وقيادات سياسية بارزة بالمملكة.

جاءت الزيارة لفتح ملفات عديدة، أهمها المصالحة الفلسطينية الداخلية، وإمكانية عودة السعودية للدخول على خط المصالحة، إلى جانب ملف التهدئة الطويلة الأمد، الآخذ بالتبلور في قطاع غزة بين الحركة والاحتلال الإسرائيلي.

ناهيك عن المساعي الرامية لتحسين علاقة حماس بالنظام المصري، وهي مساعٍ شرعت فيها السعودية، والتي توسطت مؤخرًا لدى مصر من أجل تحسين علاقتها مع حماس، وإنهاء حالة التوتر التي بدأت بعد عزل الرئيس محمد مرسي يوليو 2013م.

حيث تنظر الحركة إلى أن الزيارة تهدف لإعادة الجهد العربي إلى موضعه الصحيح ودعم فلسطين، عقب التطورات التي عصفت بالمنطقة وانعكست بشكل كبير على التعاطي مع الملف الفلسطيني.

حتى أن لقاء مشعل الأخير ببعض المسؤولين في السعودية جاء بعد أن أبلغت الأخيرة قيادة “حماس”، عبر وزير داخليتها حينها، وولي العهد حاليًا، الأمير محمد بن نايف، بأن الرياض لا تعتبر حماس تنظيمًا إرهابيًّا، رغم تصنيفها الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي في عهد الملك “عبد الله”، الأمر الذي مهد للحركة فتح صفحة جديدة من العلاقات.

ثانيًا: ما أبرز ثمار الزيارة؟

أبرز ما حققته الزيارة حتى الآن أن العلاقة بين الحركة والسعودية شهدت انفراجة كبيرة بعدها، وأن المملكة أفرجت عن مجموعة من الشخصيات في “حماس” كانوا موقوفين منذ عدة أشهر “إثر سوء تفاهم” في السعودية، وقدر عددهم بـ 4 أشخاص، كما يقول القيادي في حماس صلاح البردويل.

ومن بين المؤشرات الإيجابية التي تلقتها الحركة خلال الزيارة أن السعودية ستلعب دورًا في دعم المصالحة من خلال الضغط على الأطراف الفلسطينية، وسط آمال بأن تشهد الفترة القادمة حلًّا في موضوع المعبر وفتحه بشكل كامل، وتثبيت التهدئة مع الاحتلال وفقًا للشروط الموضوعة مسبقًا.

ثالثًا: ما هو مسار العلاقة تاريخيًّا بين السعودية وحماس؟

بدأت العلاقات بعد انطلاقة الحركة، حيث وجهت الاستخبارات السعودية دعوة رسمية للعضو السياسي في “حماس” “موسى أبو مرزوق” لزيارة المملكة ولقاء رئيسها الأمير “تركي الفيصل”، وكان ذلك في عام 1988م بمدينة جدة.

وتطورت العلاقات بينهما نظرًا للمحدد الديني الذي يحكم السياسة الخارجية للسعودية والتقاء هذا المحدد مع الحركة الإسلامية في فلسطين، ورغم أن المملكة تربطها علاقات متينة بمنظمة التحرير الفلسطينية لكن موقف المنظمة من حرب الخليج المؤيد لصدام حسين واحتلاله للكويت، في مقابل موقف “حماس” الرافض لغزو دولة الكويت، دفع السعودية لتوفير دعم مالي كبير كان يقدمه الشعب السعودي بموافقة من المملكة للحركة، وانعكاسه الإيجابي في دعم قدرات الحركة وتطوير أداء مؤسساتها المختلفة.

تكررت اللقاءات بين الاستخبارات السعودية والحركة، وتطورت العلاقات حتى وصلت للسماح بفتح مكتب اتصال لها داخل المملكة.

ويشار إلى أن أبرز ملامح الخلاف بين الحركة والمملكة كان خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، عندما ارتضت “حماس” وقياداتها قطر وتركيا وسيطًا عنها في المفاوضات الخاصة بوقف العدوان.

إلى جانب رفض الرياض زيارة مشعل للمملكة، ليس فقط بسبب العلاقة مع إيران ولكن بسبب علاقة الحركة مع الإخوان، والموقف من النظام المصري بعد 3 يوليو والذي أدى إلى شبه قطيعة بين السلطات السعودية والحركة.

والجدير ذكره أن القضايا التي لا تزال مثار بحث بين السعودية وحركة “حماس”، هو الموقف من المبادرة العربية للسلام، والتي ترفضها حركة “حماس”، فيما كانت السعودية في عهد الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز تعتبرها من الشروط الأساسية لتطوير العلاقة مع الحركة.

رابعًا: هل حماس بحاجة إلى السعودية؟

تدرك “حماس” جيدًا أن وصول الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز إلى سدة الحكم بعد وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز في يناير الماضي، يعني لها الكثير، لا سيما وأن العلاقات بين “سلمان” تحديدًا والحركة لم تنقطع على الرغم من القطيعة التي جرت بين الحركة والمملكة.

وبالتالي، تدرك الحركة أهمية السعودية ومكانتها، وأن المنطقة مقبلة على تحولات مهمة، وتعلم أن خارطة إقليمية بدأت بالتشكل، وعليه تريد “حماس” أن تلتحق بالقطار، فخرج بيانها المؤيد ضمنيًّا لـ”عاصفة الحزم”.

وحينها حصل اختراق في العلاقة بين الطرفين توج باتصال هاتفي بين الملك “سلمان” و”خالد مشعل”، وتتطور العلاقات يومًا بعد يوم، فـ”حماس” تريد حشد دعم عربي لإنهاء الحصار والانقسام، وتريد وسيطًا لترميم علاقتها بمصر.

ويرى محللون أن الحركة تأمل بأن تقوم بدور كبير في إخماد الفتنة الطائفية، فغلاة التطرف عند الشيعة لا يمثلون كل الشيعة، كما هو عند أهل السنة والجماعة، فمحاربة التطرف منهج عند الحركة، وتتقاطع معها السعودية وأطراف إقليمية أخرى، كما يرى الكاتب السياسي حسام الدجني.

خاصة وأنها تعاني أزمة مالية خانقة، حيث توقف الدعم الإيراني للحركة بعد موقفها من الأزمة السورية وقد تأثر أكثر بعد بيان “عاصفة الحزم”، وعليه تنتظر الحركة من أشقائها العرب التكافل لإنقاذ الواقع الاقتصادي الصعب للغزيين ولموظفي حكومة “حماس” السابقة، والتي يرفض الرئيس الفلسطيني محمود عباس دمجها بالجهاز البيروقراطي للسلطة وفقًا لاتفاقيات المصالحة الماضية.

خامسًا: كيف تنظر إيران إلى الزيارة؟

 

سلطت بعض الصحف الإيرانية هجومًا لاذعًا على “حماس” والسعودية في خضم الحديث عن زيارة مشعل للأخيرة، حتى وصل الأمر إلى بث معلومات مفبركة عن الحركة وزجها في أتون الأحداث الجارية في المنطقة العربية، لا سيما اليمن.

وكالة أنباء فارس الإيرانية، وعلى لسان المغرد السعودي الشهير “جمال بن” المعارض للنظام السعودي، قد كشف عن تفاصيل خطيرة للقاء، الذي جمع وزير الدفاع السعودي محمد بن سلمان وخالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس.

حيث يزعم المغرد أن مشعل خلال زيارته المملكة، قدم خلال لقائه بنجل الملك السعودي سلمان, طلبًا للمملكة السعودية بمرتب 20 مليون دولار لحكومة حماس في غزة، وأن محمد بن سلمان طلب منه استئجار 700 مقاتل فلسطيني ممن تم تدريبهم على تكتيكات حزب الله لقتال اليمنيين، ظنًّا منهم أنهم الوحيدون الذين لديهم القدرة على مواجهة الحوثيين.

الأمر الذي سارعت إلى نفيه الحركة، وأن ما تحدثت به الوكالة ما هي إلا أكاذيب تهدف إلى التشويش على زيارة حماس الناجحة إلى السعودية ومحاولة التحريض على الحركة.

بينما صحيفة “قانون” الإيرانية، رأت أن اللعبة السياسية التي تنتهجها “حماس” في هذا الظرف الراهن والحساس لا يمكن وضعها في إطار المساعدات المالية، لأن السعودية في الحرب الأخيرة على غزة لم تساعد غزة وسكانها إلا من خلال إرسال الأكفان لأهالي غزة.

واعتبرت أن الزيارة بمثابة إعلان حرب على إيران من قبل حماس بالوكالة عن السعودية، مشيرة إلى أن الحركة سترسل قوات خاصة إلى السعودية، وهذه القوات ستواجه أنصار الله الحوثيين من تحت الأرض عن طريق استخدام حفر الأنفاق التي تبرع فيها “حماس” حسب ادعائها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد