من خارج المكان كصورة خارج إطارها، كان مسعود زقار المعروف أيضًا بـ«رشيد كازا»، بمثابة صوت الجزائر وممثلها في الخارج. لم يعش كازا في وطنه كثيرًا، لكنه حمل الوطن في حقيبته من المغرب إلى أمريكا، ونسج شبكة علاقاتٍ مع رؤساء وملوك دول العالم واستطاع بدهائه اختراق المخابرات الفرنسية والأمريكية، وكان أيضًا المورد الأساسي للثورة الجزائرية بالسلاح.

في هذا التقرير نتعرف سويًا على «الرجل اللغز» في الاستخبارات والاقتصاد الجزائري، والذي عمل على امتلاك الجزائر للسلاح النووي.

صناعة الحلوى.. رحلة مسعود زقار لاكتشاف العالم

في «سانت أرنو» الاستعمارية أو مدينة «العلمة» بعد الاستقلال؛ ولعائلةٍ محافظةٍ يشتغل فيها الوالد بالفلاحة والتجارة، ولد مسعود زقار في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 1926؛ وهو العام الذي شهد تأسيس أول الأحزاب الوطنية الجزائرية، حزب «نجم شمال أفريقيا» من طرف مصالي الحاج الذي سيكون له دورٌ في نظرة مسعود للوطن الجزائر، وهو العام نفسه الذي شهد انتفاضة عبد الكريم الخطابي بالمغرب؛ القائد الذي سيلتقيه مسعود زقار فيما بعد ويرسم معه طريق دعم الثورة الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي.

كسائر أقرانه التحق مسعود زقار بالمدرسة الإبتدائية التستعمارية في سنّ السادسة؛ لكنه ما فتئ أن غادرها مبكرًا ليشتغل بمقهى أقامه والده بوسط مدينة العلمة، وهي التجربة التي  كانت بمثابة مقدمةٍ لامتهانه التجارة مبكرًا؛ فقد سافر في سنّ العاشرة إلى فرنسا بطريقةٍ سريةٍ، وعاد بعدها إلى مسقط رأسه ليؤسس مصنعًا لصناعة الحلويات.

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وقيام قوات التحالف بالنزول بالجزائر سنة 1942 كان مسعود زقار أمام موعدٍ لاكتشاف العالم. إذ يذكر المؤرخ محمد عباس في كتابه «ديجول والجزائر.. نداء الحق»، أن مسعود زقار استفاد من احتكاكه بقوات التحالف من اكتشاف أمريكا، وذلك من خلال تعلّمه للغة الإنجليزية وعقد علاقاتٍ مع قادة من الجيش الأمريكي بعد أن أبرم معهم صفقاتٍ لتزويد الجنود الأمريكيين بالجزائر بحلوى «البرلينجو» المصنوعة من السكر ونقيع النعناع البري؛ ما أدخله عالم المال والأعمال.

يضيف محمد عباس أنّ اشتغال مسعود زقار بالتجارة وإبرام الصفقات لم يمنعه من اكتشاف عالم النضال ضدّ الاستعمار، إذ كانت الكشافة الإسلامية الجزائرية بوابة مسعود زقار لاقتحام عالم النضال السياسي ضدّ فرنسا الاستعمارية، ليتعرف على محمد دباغين مسؤول حزب «الشعب» في مدينة العلمة، وتربطه به علاقة صداقة تطوّرت فيما بعد؛ ليصبح مسعود زقار عضوًا بارزًا وممولًا للحزب في محافظة سطيف.

سنة 1945 السنة المأساوية بالجزائر؛ ففي الوقت الذي كان العالم يحتفل بنهاية الحرب العالمية الثانية وهزيمة ألمانيا، كانت فرنسا تحصد في رؤوس الجزائريين الذين خرجوا في الثامن من مايو (أيّار) للاحتفال بنهاية الحرب والمطالبة بالاستقلال؛ بارتكاب واحدةٍ من أبشع المجازر التي ارتكبت في التاريخ الحديث سقط ضحيتها أكثر من 45 ألف قتيلٍ في ظرف أسبوعين فقط.

كانت مدينة علمة مسقط رأس مسعود زقار واحدةٍ من المدن التي لاقت الويلات من تلك المجزرة؛ كما كان مسعود ضحيةً للاعتقالات التي رافقت المجزرة، فوجد نفسه معتقلًا في معتقلات سطيف إلى أن أصدر البرلمان الفرنسي سنة 1946 قانون العفو العام بالجزائر.

«عرّاب تهريب السلاح».. هل كانت الثورة الجزائرية ستنجح لولا مسعود زقار؟

يذكر الكاتب الصحافي حنفي تاجموت في كتابه «قضية زقار ميوعة دولة في عهد الشاذلي» أنّ مسعود زقار توجه إلى وهران بعد خروجه من السجن، حيث أسس مصنعًا للحلوى وانضمّ إلى صفوف المنظمة الخاصة وبدأ ينشط في مجال تهريب السلاح مستغلًا نشاطه التجاري وسفره إلى المغرب في الفترة ما بين 1947 و1950، غير أنّ اكتشاف أمر المنظمة كاد ينسف أعماله.

يضيف تاجموت أنه باندلاع الكفاح المسلح في الفاتح من نوفمبر (تشرين الثاني) 1954؛ وجدت الثورة الجزائرية نفسها أمام شحٍ في التموين بالسلاح كاد يقضي عليها في أيّامها الأولى. غير أنّ مسعود زقار الذي أصبح يعرف بـ«رشيد كازا» نسبةً إلى مدينة «كازابلانكا» التي بات يتردد عليها كثيرًا، كان ينسج علاقاتٍ وثيقةٍ مع القيادي في الثورة التحريرية المناضل العربي العربي بن المهيدي الذي أمره بالتوجه إلى المغرب خشية اكتشاف فرنسا لأمره؛ واستطاع أن يفكّ ينقذ الثورة الجزائرية عبر تمويله ودعمه للثوار الجزائريين بالسلاح من خلال مصنع السلاح الذي شيّده بالمغرب، وهو المصنع الذي وهب له كريم الخطابي أرضه في إحدى اللقاءات به بالدار البيضاء.

استطاع زقار أن يخفيّ أمر المصنع عن الجميع ويمدّ الثورة الجزائرية بحوالي 20 طنًا من المتفجرات، وهي العملية التي قال بشأنها مؤسس المخابرات الجزائرية عبد الحفيظ بوصوف لرشيد: «قد أنقذت الثورة بهذه العملية» كما اشتهر مصنعه بإنتاج سلاح «البازوكا» وتهريبها إلى الجزائر.

مسعود زقار يحمل سلاح البازوكا
                                              مسعود زقار يحمل سلاح البازوكا

يرى الباحث في الشئون الأمنية والإستراتيجية الدكتور سمير محمود قديح أنّ علاقة زقار مع الأمريكيين أسهمت في إعطاء نفسٍ جديدٍ للثورة الجزائرية، خصوصًا علاقته بعميل «سي أي أيه» جيمي أوبال، أو ما يسمى «العميل ثيودور» الذي تعرّف عليه في المغرب سنة 1955؛ والتي كانت مهمته تقديم المساعدة الأمريكية العسكرية للحركات التحررية. إذ نجح  زقار في توطيد العلاقة معه وخلق خط سري من أمريكا إلى المغرب تُهرب عبره قطع الغيار الحربية والمتفجرات الموجهة إلى المصنع، وهو الخط الذي ظل تحت حيّز الخدمة الى غاية انتهاء الثورة، وأصبح جيمي الصديق المقرّب لزقار ليبدأ معًا في  تسطير الملاحم الاستخباراتية.

بعد الاستقلال يذكر جيلاني صغير – الذي كان زقار قد كلفه بتسيير مصنع السلاح – في شهادته بأنّ مسعود زقار أمرهم بالدخول إلى وجدة والقيام بتفكيك المصنع وردم آلياته تحت التراب لتنتهي بذلك قصة هذه المؤسسة التي أدت مهمتها بنجاح.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
من بينهم الأمير عبد القادر.. أبرز الثوريين الذين تعرضوا للتشويه في الجزائر

لم يكن المصنع الذي أنشأه للسلاح بالمغرب في الخفاء طريق زقار الوحيد في تموين جيش التحرير الوطني بالسلاح؛ فقد كانت قاعدة «النواصر» الأمريكية بالمغرب نقطة انطلاق لعمليات التهريب التي قادها زقار لفائدة الثوار الجزائريين. إذ يذكر المؤرخ والعقيد الجزائري أحمد عظيمي أنّ «زقار قام باختراق القاعدة الأمريكية بمنطقة النواصر المغربية، وإقناع الكثير من الضباط الأمريكيين بتدعيم الثورة الجزائرية بالسلاح، وقام بجلب عمال أجانب من دولة ألبانيا ومهندس أمريكي للعمل على مشروع إنشاء مصنعٍ للمتفجرات بالحدود الجزائرية المغربية. وأنه نجح في شراء جهاز إرسال متطور للبواخر من القاعدة الأمريكية استعمله الثوار الجزائريون في إنشاء أول إذاعة جزائرية بمنطقة الناظور المغربية».

ولم  يقتصر نضال مسعود على الإمداد بالسلاح وتهريبه إلى الداخل الجزائري؛ إذ يشير محمد حربي في كتابه «جبهة التحرير الوطني  الأسطورة والواقع» إلى أنّ «مسعود زقار تمكّن من التوغّل في مكتب الرئيس الفرنسي شارل ديجول من خلال نجاحه في إقناع عقيد فرنسي بالعمل لصالح الثورة الجزائرية، وبات هذا الأخير يمدّ «رشيد كازا» بجميع الأخبار التي يعرفها مكتب الرئيس الفرنسي».

في ذات السياق يكشف الدكتور أحمد عظيمي أنّ زقار نجح في وضع جهاز تنصّت في مكتب الرئيس الفرنسي، ونجح في إقناع سكرتيرة الرئيس الفرنسي بالعمل لصالح المخابرات الجزائرية.

كيف صار مسعود زقار صديقًا لزعماء العالم؟

بعد الاستقلال طلب مسعود زقار إعفاءه من الجيش؛ ليقوم بالتفرغ إلى أعماله ونشاطاته الخاصة، وخلال تلك الفترة  استطاع مسعود زقار الإحتفاظ بعلاقاتٍ جيدة مع الأمريكيين بعد استقلال الجزائر، وتحوّل إلى رجل أمريكا بالجزائر، وهو الأمر الذي زاد من علاقة الرئيس الجزائري هواري بومدين بمسعود زقار التي وصفها المعايشون لتلك الفترة بالعلاقة الخاصة، وذلك بعد أن أصبح منزل مسعود زقار إقامة لهواري بومدين في نهاية الأسبوع.

وكان زقار يدخل على الرئيس الجزائري «دون إذن أو مرورٍ على التشريفات»، وزار الجزائر شخصياتٌ عالمية كبيرة في  السبعينات؛ كانت تربطها علاقة صداقةٍ مع مسعود زقار، أبرزها رجل الفضاء الأمريكي فرانك بورمان الذي التقى الرئيس بومدين وأثنى على مسعود زقار.

تشير التقديرات التي نقلها تاجموت عن شخصيات عاصرت الرجل، أنّ ثروة مسعود زقار بلغت ملياري دولار في فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي؛ فعلاوةً على مصانع الحلوى واللبان اقتحم مسعود زقار سوق النفط لتضخّ عليه تلك الأنشطة ملايين الدولارات؛ وكانت طائرته الخاصة وسيلة تنقلٍ للمسؤولين الأمريكيين.

مسعود زقار في البيت الأبيض
مسعود زقار في البيت الأبيض

وفي تحقيقٍ لقناة «الشروق الجزائرية» حول شخصية مسعود زقار كشفت القناة عن سلسلة  العمليات التي قادها زقار لفائدة نظام هواري بومدين، بدءًا بانقلاب 19 يونيو (حزيران) 1965 والدور السري الذي كلفه به هواري بومدين في حرب 1967، لإعادة العلاقات بين الجزائر وأمريكا. إضافة إلى إنجازه الباهر في تحرير الأسرى الأمريكيين من الفيتناميين في 1968، ومساهمته القوية في تأميم المحروقات، من خلال عقد شركة «البازو» الأمريكية سنة 1971، وصراعه مع هنري كيسنجر الذي أوشك على إذكاء نار الحرب بين الجزائر والمغرب سنة 1975، لكن رشيد كازا ألجمها وأطفأ نعرتها، في دور استخباراتي أجهض به فخ الحرب.

ويضيف التحقيق أنّ مسعود زقار قام بجلب مشروعٍ لامتلاك الجزائر للسلاح النوويؤ، غير أنّ الرئيس الجزائري شاذلي بن جديد رفض هذا المشروع رفضًا قاطعًا، ليقوم مسعود زقار ببيع المشروع إلى الرئيس العراقي صدام حسين.

سجن وإقامة جبرية.. هل تمت تصفية لغز المخابرات الجزائرية؟

يذكر الصديق لركش في  كتابه «سي زقار الأيقونة الجزائرية»، أنّ مسعود زقار عُرف بعلاقاته وصلاته بشخصياتٍ أمريكية مهمة، أبرزها الرئيسان الأمريكيان ريتشارد نيكسون، وجورج بوش الأب، والذي كان مقربًا منهما، غير أنّه بوفاة الرئيس الجزائري هواري بومدين سنة 1978، وتولي الشاذلي بن جديد قيادة البلاد بعد سنةٍ من ذلك، دخلت حياة مسعود زقار في رواقٍ جديد.

كان الصراع بين جناح هواري بومدين والشاذلي بن جديد يلقي بظلاله على تلك المرحلة، إذ يفيد الطيّب بلولة في كتابه «محاكمة زقار» أنّ الشاذلي بن جديد شنّ حملة على المقربين من بومدين، فكان مسعود زقار في دائرة المستهدفين، فلم تمض سوى ثلاث سنوات من تولي الشاذلي سدّة الحكم حتى شنت حملة اعتقالات ضدّ أنصار بومدين، وكان زقار واحدًا مِن المستهدفين، ليعتقل ويحاكم بتهمٍ خطيرة.

زقار وزوجته
زقار وزوجته في إسبانيا

يذكر المحامي حميدي قودة في تصريحٍ صحفيٍ بعد 20 سنة من وفاة زقار، أنّ الجنرال المتقاعد العربي بلخير كان وراء تحريك دعوى قضائية ضد الراحل مسعود زقار، يتهمه فيها بخيانة الوطن والعمالة للمخابرات الأمريكية، إضافة إلى عدة تهم أخرى منها المساس بالاقتصاد الوطني والرشوة.

بعد 33 شهرًا من الاعتقال أصدرت المحكمة العسكرية بالبليدة حكمًا ببراءة مسعود زقار؛ لينتقل للعيش بين أمريكا وإسبانيا، غير أنّ ملف استهدافه لم يطو، ففي مساء 21 نوفمبر عام 1987 يعثر على مسعود زقار مقتولًا بأحد فنادقه في العاصمة الإسبانية مدريد بعد ساعاتٍ قليلة من تناوله طبقًا مسمومًا – حسبما أُعلن – لينقل جثمان مسعود زقار إلى مسقط رأسه بالعلمة حيث أقيمت له جنازة رسمية.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
مصالي الحاج.. قائد الحركة الوطنية الجزائرية الذي همشته «ثورة التحرير»

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد