من قال إن السماء لا تمطر ذهبًا؟ بالتأكيد لم يكن أحد صيادي النيازك، الذين يجوبون الصحاري طولًا وعرضًا في المغرب، والجزائر، وموريتانيا، ومصر، بحثًا عن صخور نيزكية قادمة من الفضاء، من أجل بيعها للمتاحف والمراكز البحثية في أوروبا وأمريكا، بثمن الذهب أحيانًا.

في إحدى ليالي شهر يوليو (تموز) 2011م، شاهد سكان قرية تيسنت، بالجنوب الشرقي للمغرب، شهابًا ناريًّا مخيفًا يخترق الأجواء بسرعة، ثم يرتطم بالأرض على بعد كيلومترات من قريتهم الهادئة، عقبها بيوم ازدانت المنطقة بأناس غرباء يتسابقون على تمشيط أنحاء المكان، وكانوا من صيادي وهواة جمع قطع النيازك، جاؤوا جميعًا للبحث عن أحجار نيزكية بعدما علموا بحادثة الشهب الناري.

بعد ستة أشهر من تلك الواقعة، تبيَّن أن ذلك الشهب الناري كان حجرًا نيزكيًّا قادمًا من الفضاء، وبالضبط من كوكب المريخ، اشتراه متحف التاريخ الطبيعي في لندن بمبلغ مالي ضخم من صيادي النيازك المحليين، وأطلق على الحجر «نيزك تيسنت»، على اسم المنطقة التي وجد بها، وفي العام نفسه، اكتشفت فوهة نيزكية ذات أهمية علمية في جنوب مصر، شمال الحدود السودانية.

علوم

منذ سنة واحدة
«السماء تمطر ماسًا في زحل».. تعرف إلى تلك الظاهرة وأسبابها

كان علماء الآثار يعتقدون أن تلك الفوهة ربما تحل لغزًا تاريخيًّا محيرًا؛ إذ تساءل المختصون منذ فترة طويلة، ما إذا كان المصريون قد صنعوا بعض سكاكينهم الأثرية من النيازك الحديدية التي سقطت على الأرض؛ إذ يظهر الفحص احتواء شفرات تلك السكاكين القديمة على تركيزات عالية من النيكل، وهو عنصر نادر في القشرة الأرضية.

لكن الموقع المُكتشف تعرَّض للنهب، وسرعان ما ظهرت الأحجار النيزكية المنتمية لتلك الحفرة بعد بضعة أشهر معروضة للبيع في معرض في إنسيشيم بفرنسا.

منذ ذلك العام، ازدادت حمى صيد النيازك بصحاري بلدان شمال أفريقيا، والآن أضحت أرفود، وهي بلدة سياحية صغيرة على الحافة الشرقية للمملكة المغربية، مركزًا إقليميًّا لبيع النيازك والسمسرة فيها، حيث يلتقي فيها جامعو النيازك وتجَّارها من جميع أنحاء شمال أفريقيا، بسبب التساهل القانوني مع هذه السوق في البلد.

ما هي النيازك؟ وما الفائدة من جمعها؟

النيزك هو ما تبقى من صخرة فضائية نجت من اختراق الغلاف الجوي للأرض والسقوط على سطحها، يمكن أن تكون هذه الصخرة الفضائية قطعة من مذنب، أو كويكب، أو قمر ما، فالمواد النيزكية تتساقط باستمرار على كوكبنا، ويقدر العلماء أن 44 طنًّا من المواد تصل كل يوم، لكن الكثير منها يحترق في الغلاف الجوي قبل أن يصل إلى الأرض، وهي التي نسميها الشهب النارية التي تسطع في السماء خلال الليالي الظلماء.

لا توجد قيمة مادية في هذه النيازك، لأنها مجرد حجارة، وقلة منها فقط يحتوي على معادن نفيسة نسبيًّا مثل الحديد والنيكل، لكن قيمتها تنبع من كونها «شيئًا غريبًا، يمكن للأثرياء امتلاكه على أرففهم، مثلما يطلبها العلماء والمراكز البحثية لدراستها»، كما يقول الدكتور لورانس غارفي، من مركز دراسات النيازك في جامعة ولاية أريزونا.

بدأت سوق تجارة النيازك منذ السبعينيات من القرن الماضي، لكنها تضخمت في السنوات الأخيرة مع تزايد الاهتمام باستكشاف الفضاء وتحسن التكنولوجيا، بعد أن أدرك العلماء والجامعيون المعلومات الفريدة الموجودة في أنواع معينة من النيازك، مما أدى إلى زيادة الطلب عليها، حاليًا أصبحت هذه السوق تقدر بملايين الدولارات.

وتتراوح قيمة الأحجار النيزكية في السوق الدولية بين 500 وألف دولار للجرام الواحد، حسب نوعها وقيمتها العلمية، وعمرها فوق الأرض، وهي بضاعة مطلوبة، خاصة النيازك التي تسقط من كوكب المريخ والقمر، فتبحث عنها معاهد البحوث والمتاحف، إضافة إلى هواة جمع الأحجار الثمينة من الأثرياء.

بيد أنه عادة ما يكسب صيادو النيازك، من بدو ورحل وهواة، أموالًا أقل بكثير مما يكسبه السماسرة والوسطاء، علاوة على أصحاب المتاحف العالمية، مثلًا في عام 2015م، أعلن العلماء أن صخرة بوزن 320 غرامًا عثر عليها في الصحراء الكبرى سنة 2011م، وباعها تاجر من بلدة أرفود إلى جامع أمريكي مقابل 6 آلاف دولار فقط، وبعد أن فُحصت معمليًّا تبيَّن أنها تشكلت قبل 4.4 مليارات سنة على سطح المريخ.

يمكن العثور على النيازك في أي مكان تقريبًا، لكن النيازك التي تسقط في الصحراء تحديدًا تكتسي أهمية علمية؛ لأنها لا تتعرض لآثار التلوث المائي، ولا للتفاعلات الكيميائية للتربة، مما يساعد في الحفاظ على مكوناتها الأصلية. لذلك، يتوجه صيادو وهواة جمع النيازك إلى الصحاري بحثًا عن صخور فضائية تجلب لهم أموالًا.

بين التجريم والترخيص.. صيادو النيازك يدافعون عن مهنتهم

مع تزايد الاهتمام بالنيازك في السنوات الأخيرة، ازدهرت السوق السوداء لهذه التجارة؛ مما أثار استياء الناس الذين يرغبون في دراستها والبلدان التي تراها كنوزًا وطنية، وتثير أسئلة مهمة حول ما إذا كان ينبغي حماية الصخور والحفريات التي تشكل جزءًا من التراث الطبيعي من قبل الحكومة، أم هل ينبغي إيقاف تصديرها إلى المتاحف الدولية.

في الجزائر، على سبيل المثال، من غير القانوني بيع النيازك، مما يجبر البدو هناك على السفر لمقايضة الصخور بالأموال مع البدو الرحل الآخرين في المغرب، وهو بلد يشهد فراغًا قانونيًّا في هذا المجال؛ مما وسَّع هذه التجارة، لكن خلال هذا العام اشترطت وزارة الطاقة والمعادن المغربية على صيادي النيازك والمتاجرين بها استخراج رخصة تصلح لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد.

اقتصاد الناس

منذ سنة واحدة
«كما تجذب الفراشَ النارُ».. ماذا تعرف عن «حُمى» التنقيب عن الذهب في موريتانيا؟

غير أن العاملين في هذه السوق يصرون على مقاومة محاولات المنع القانوني في بعض البلدان؛ إذ ينتظمون في جمعية هواة جمع النيازك الدولية، التي تأسست عام 2004م في نيفادا الأمريكية، وتضم حاليًا مئات الأعضاء حول العالم، وفي المغرب أسسوا هيئة تدعى «الجمعية المغربية لمهنيي وهواة جمع النيازك»، معبرين عن عزمهم التصدي لكل من يحارب أرزاقهم.

بالنسبة لرالف بي هارفي، الجيولوجي بجامعة كيس ويسترن، فإن التجارة بالنيازك هي: «سوق سوداء مثلها مثل تجارة المخدرات»، ويرى في حديثه لصحيفة «نيويورك تايمز» أن عمليات النهب المتفشية لمواقع النيازك، وبيعها بأسعار باهظة في المتاحف، يقلل وصول العلماء لعينات هذه الأحجار بغرض دراستها.

لكن يدافع العديد من هواة جمع النيازك عن هذه الهواية بوصفها مفيدة للعلماء، قائلين إن هذه السوق كشفت عن العديد من النيازك النادرة التي لم يكن بإمكان العلماء الوصول إليها في الصحاري، وتخلق العديد من فرص العمل.

وتكتسب دراسة النيازك أهمية خاصة لدى العلماء، ترتبط بفهم أسرار القصف الكوني، وتطور النظام الشمسي، والقرائن المحتملة على وجود حياة خارج كوكب الأرض.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد