هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

في وسط سباق محموم للفوز بالانتخابات الرئاسية لعام 2016 في أمريكا، عملت تركيا على التواصل مع شخصية مفتاحية مهدت الطريق لعلاقة شخصية قوية بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، الذي كان آنذاك منافسًا لهيلاري كلينتون التي تتفوق عليه في استطلاعات الرأي.

من خلال رجل أعمال يدعى كامل إكيم ألبتكين، دخل الأتراك دارَ ترامب بتوظيفهم لمايكل فلين، الذي أصبح أول مستشار أمن قومي لترامب بعد الانتخابات، وعمل مع تركيا في الضغط لمصلحتها في ملفي فتح الله جولن، والأكراد في سوريا.

مديرو وكالات استخبارات أمريكية يعملون لصالح أنقرة

بدأ رجل الأعمال التركي إكيم ألبتكين تحركاته في الولايات المتحدة بهدف واحد: جلب فتح الله جولن لتركيا لمحاكمته. جولن هو المتهم الأول من قبل تركيا في محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في 2016، ويعيش في الولايات المتحدة منذ 1999، ويشرف من هناك على أنشطة التنظيم في تركيا وحول العالم، بما في ذلك مدارس التنظيم وجوامعه المنتشرة في عدة دول.

تركيا

منذ شهر
قبل وصول ترامب للرئاسة.. كيف وجد اللوبي التركي طريقه إلى قلب الحزب الجمهوري؟

عملت تركيا على اعتقال جولن وطالبت الولايات المتحدة بتسليمه في 2014، واتهمه أردوغان حينها بإدارة «دولة موازية» تتخلَّل الحكومة والإعلام والقضاء التركي. ومع وقوع الانقلاب اشتدّت المطالب التركية بالتسليم، ويأتي التعاقد الذي بين أيدينا في هذا السياق.

أما إكيم ألبتكين، فهو رجل أعمال تركي – هولندي، يحظى بعلاقاتٍ واسعة مع مسؤولين كبار بالحكومة التركية. يُقيم في إسطنبول، ويملك شركة تعمل من هولندا باسم «إينوفو في بي – InovoVB»، وهي الشركة التي وقّع ألبتكين العقد من خلالها.

اختار ألبتكين من سيعملون لصالحه بإتقان، فوظّف الجنرال الأمريكي مايكل فلين، جنرال متقاعد عمل في الجيش 33 عامًا، قاتل في خمس سنوات منها، ثم قاد لعامين وكالة استخبارات الدفاع، وهي وكالة استخبارات تتبع لوزارة الدفاع الأمريكية.

Embed from Getty Images

إكيم ألبتكين، رجل الأعمال التركي الهولندي، ومنسق التعاقد مع الجنرال الأمريكي مايكل فلين.

انضم فلين لحملة ترامب للانتخابات الرئاسية في 2015، وكان من العسكريين القلة ذوي الرتب العليا الذين ينضمون للحملة ويروّجون لترامب، وعملَ آنذاك مستشارًا له في السياسة الخارجية والأمن القومي، وتواصل معه ألبتكين أثناء عمله في قيادة حملة ترامب.

يملك فلين شركة باسمه يعمل فيها أمريكيون محترفون بمجالات الأمن والاستخبارات، أبرزهم جيمس وولسي، رئيس «وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي ايه)»، بين أعوام 1993 و1995. ويعمل في الشركة أيضًا براين مكولي، مدير سابق لوحدة العمليات الدولية في «مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي (إف بي آي)»، الذي عمل مع الأتراك فورَ تقاعده من «إف بي آي».

حصلت شركة فلين على 530 ألف دولار مقابل خدماتها، وفقًا لوثائق الشركة في قاعدة بيانات وزارة العدل الأمريكية.

جولن على رأس القائمة

بدأ التواصل بين ألبتكين وفلين في 31 يوليو (تموز) 2016، أي بعد أسبوعين من محاولة الانقلاب. اتفق الطرفان على تنفيذ حملة لاستهداف جولن هدفها الضغط لتغيير الموقف الأمريكي من مسألة تسليمه.

ولهذا الهدف أجرت الشركة تحقيقات خاصة عن جولن وأنشطته في الولايات المتحدة، وخاصةً على سلسلة المدارس التي يشرف عليها تنظيمه داخل أمريكا وخارجها. وعملت الشركة بعد ذلك على نشر التحقيقات والمعلومات المتوافرة عن جولن والحديث عن خطورته على التحالف التركي – الأمريكي، وعلى أمريكا نفسها.

ووفقًا لوثيقة نشرتها وزارة العدل الأمريكية، رسمت الشركة سردية جديدة عن جولن، تصوّره على أنه واحد من «الملالي» الإيرانيين، وتُذكّر الساسة الأمريكيين بخطئهم القديم عندما تهاونوا مع آية الله الخميني، زعيم الثورة الإيرانية عام 1979، الذي كان يقيم في باريس ويتحدث للصحافة العالمية عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ويدرّس الروحانيات والتصوف لأتباعه، وهنا تُشبِّه الشركة جولن بالخميني، إذ انقلب على المصالح الأمريكية في إيران بعد تسلّمه للحكم فيها.

Embed from Getty Images

فتح الله جولن، سياسي وإمام تركي، تعتبره تركيا المتهم الأول في محاولة الانقلاب عام 2016.

وبالفعل، أنتجت الشركة تحقيقًا عن التنظيم ومدارسه في الولايات المتحدة كان الأساس لمشاريع أخرى أدارتها تركيا ضد التنظيم.

نسّق ألبتكين اجتماعًا هامًا مع فريق العمل الأمريكي، بقيادة مايكل فلين ومعه وولسي رئيس «سي آي ايه» الأسبق، مع مولود جاويش أوغلو، وزير الخارجية التركي، وبرفقته بيرات البيرق، وزير الطاقة آنذاك وصهر الرئيس التركي. تذكر وثائق وزارة العدل الأمريكية أن الاجتماع ناقش عملَ الشركة وجهود تركيا لتسليم جولن.

وقبيل الانتخابات الرئاسية بقليل اشتكى ألبتكين للشركة من أنها «لم تنشر معلومات سلبية بما فيه الكفاية»، ما دفع الشركة لكتابة مقال رأي باسم الجنرال فلين ونشره بعنوان «حليفتنا تركيا في أزمة وبحاجة لدعمنا». نُشر المقال في يوم انعقاد الانتخابات الأمريكية الرئاسية في 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016.

وفي مذكرة كتبها المحقق الخاص روبرت مولر، قالَ عن المقال الذي كتبه فلين أنه «مهم لجهود الجمهورية التركية للتأثير في الرأي العام» بشأن الانقلاب الأخير وتبعاته والمسؤولين عنه. ولهذا لفت المقال الأنظار، وعلى إثره افتتحت وزارة العدل الأمريكية تحقيقًا في علاقة فلين بتركيا. وقد انتهت علاقة مايكل فلين بتركيا في نوفمبر (تشرين الثاني)، شهر انعقاد الانتخابات الأمريكية، وأُغلقت الشركة بعد تعيينه مستشارًا للأمن القومي للرئيس ترامب في 17 نوفمبر 2016.

من تعاقد مايكل فلين وشركته مع شركة «إينوفو في بي» المملوكة لرجل الأعمال التركي الهولندي إكيم ألبتكين. مصدر الصورة: وثائق وزارة العدل الأمريكية.

الأكراد على الطاولة

يبدو أن جولن لم يكن الشاغل الوحيد لتركيا، وكان لملف الأكراد مقعدٌ على الطاولة، إذ تنقل صحيفة «واشنطن بوست» أن فلين تواصل مع مستشارة الأمن القومي للرئيس باراك أوباما، سوزان رايز، في الفترة الانتقالية قبل تسلّم ترامب للسلطة، وناقشها بشأن خطة وضعها فريق أوباما لعملية ضدّ «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)».

هدفت الخطة للإطاحة بعاصمة التنظيم، مدينة الرقة، بالتعاون مع قوات وحدات حماية الشعب الكردية وتسليحها، وهي قوات كردية تعتبرها الحكومة التركية واحدة من التفريعات الأيديولوجية والسياسية لحزب العمال الكردستاني (بي كا كا)، وجميعها تصنفها تركيا على أنها جهات إرهابية.

طلب مايكل فلين من رايز أن توقف الخطة وأخبرها أن فريقه سيعمل عليها. ووافق أوباما على ترك القرار لإدارة ترامب، وأكّد فريقه لفلين ضرورة اتخاذ قرار تسليح القوات الكردية سريعًا، ولكن مع تسلم ترامب لمنصبه تعطّلت الخطة وانتهت.

مايكل فلين في قلب العاصفة

لم تنتهِ العلاقة بين فلين وتركيا بدون مشاكل، لعدة أسباب، إذ لم يصرّح فلين عن عمله مع ألبتكين على خلاف ما ينصّ عليه القانون الأمريكي، وتحديدًا قانون «فارا».

لم يصرّح فلين بهذه العلاقة إلا بعد بدء تحقيقات مولر بشأن مساعدي ترامب في حملته الرئاسية وشبهة تواطئهم مع روسيا للفوز بالانتخابات، وفي تلك الفترة صارَ فلين في قلب عاصفة التحقيقات لتورطه بتواصل غير قانوني – قبل استلامه لمنصبه – مع السفير الروسي بأمريكا بشأن العقوبات على روسيا، واستقال بعد 22 يومًا فقط من عمله مستشارًا للأمن القومي.

البحث في علاقات فلين قاد المحققين نحو تعاقده مع ألبتكين. في الوثائق التي قدّمها فلين لوزارة العدل الأمريكية عن عمله لصالح ألبتكين، كذب فلين عمدًا بشأن عدم علمه أو علم شركته بأن ألبتكين مرتبطٌ بالحكومة التركية أو يعمل لصالحها، ومن ثم لم يقم بالتصريح عن أنشطته.

وقدّم فلين قصة مختلقة لشرح هدف التعاقد، يزعم فيها أن شركة ألبتكين تقدم استشارات لشركة طاقة إسرائيلية تفكّر بتصدير الغاز الطبيعي لتركيا، ولكن قبل الإقدام على هذه الخطوة طلبت الشركة استشارات بشأن طبيعة علاقات تركيا بأمريكا والمزاج السياسي بين البلدين، ولهذا السبب تعاقدت شركة ألبتكين مع فلين وشركته، وهو ما تبين عكسه في التحقيقات.

في ديسمبر (كانون الأول) 2017 اعترف فلين بالكذب في الوثائق التي قدّمها لوزارة العدل، بشأن عدم اطلاع شركته على علاقة الزبون بالحكومة التركية.

وبدأت وزارة العدل الأمريكية تحقيقًا انتهى بإدانة ألبتكين بالتآمر والعمل بدون تسجيل لصالح تركيا، وتقديم معلومات خاطئة للمحققين، وأدان التحقيق بيجان كيان، رجل أعمال يدير شركة فلين وشريك في تأسيسها، وعمل في فريق الأمن القومي بالفريق الانتقالي للرئيس ترامب. واتهمته وزارة العدل الأمريكية بالتآمر وبالعمل لصالح الحكومة التركية دون تسجيل قانوني.

رغم أن الشركة تحصّلت رسميًّا على 530 ألف دولار مقابل خدماتها، ولكن كشف تحقيق وزارة العدل أن ألبتكين وصله نسبة 20% من هذه المدفوعات، ولكن ألبتكين وشركة فلين ردّوا بأن هذه أموال أعيدت للشركة بسبب عدم تنفيذها بعض الخدمات المتفق عليها في بداية التعاقد.

وفي 14 سبتمبر (أيلول) 2020 تحدث ألبتكين على تويتر عن ضغط الديمقراطيين، وتحديدًا شركة «بوديستا» للضغط السياسي، لتشويه صورة الجنرال فلين والضغط ليوجّه مولر تحقيقه بشأن أنشطة ألبتكين.

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

سياسة

منذ 3 سنوات
سقوط مستشار «ترامب» للأمن القومي.. 5 أسئلة تشرح لك نتائج تحقيقات «مولر»

المصادر

تحميل المزيد