1,430

على مدى 40 عامًا، شهد العالم كله الصعود الأسطوري، ثم السقوط المأساوي لواحدٍ من أشهر المغنيين في العالم، إن لم يكن أشهرهم على الإطلاق. لقد شهد الجميع قصة اعتلاء فتى أمريكي أسود، ينتمي إلى الطبقة المتوسطة، يُدعى مايكل جوزيف جاكسون، عرش الغناء العالمي، متفوقًا على أشهر الأساطير الغنائية الغربية، كفرقة البيتلز والمغني ذائع الصيت إلفيس بريسلي، من حيث كونه أكثر من نال جوائز من الفنانين في تاريخ الغناء؛ ولأن شهرته لم تقتصر فقط على النصف الغربي من الكرة الأرضية، إذ إنه كان معروفًا في العالم بأسره، وتغنى الكثيرون، من مختلف اللغات والثقافات، بأغانيه، وحاولوا تقليد حركاته ورقصاته.

شهد العالم بأسره كيف سطَّر مايكل جاكسون تاريخ موسيقى «البوب» من جديد، بألبوماته التي حققت نجاحات عالمية ساحقة، ووقف الجميع مبهورين أمام هذا الرجل الذي استطاع كسر حواجز العرق واللون، وجعل المستحيل ممكنًا، بكونه أول أمريكي أسود تُعرض أغانيه على قناة «MTV» الأمريكية التي كانت تحظر عرض أغاني الفنانين ذوي البشرة السوداء.

لقد بدا المستحيل ممكنًا بالنسبة للكثيرين، حين رأوا ذلك الفتى الأسود الذي يلبس فردة واحدة من قفاز أبيض مُطرَّز، وجوارب بيضاء، وحذاء جلدي أسود اللون، وسترة سوداء لامعة، يبهر العالم بصوته المتميز وينتزع صيحات الإعجاب من الجمهور الغفير، الذي كان يشاهده مباشرةً ومن الملايين أمام شاشات التلفاز وهو يؤدي رقصة «مشية القمر» الشهيرة، في الحفل الذي أقامته شركة موتاون للتسجيلات الموسيقية عام 1983.

نشأ ذلك الشاب الأسود نشأة متواضعة في مدينة صناعية صغيرة بولاية إنديانا، ولكنه استطاع بموهبته وإصراره أن يصبح أشهر وأغنى مطرب في العالم، وهو ما يزال في ريعان شبابه، منذ ذلك الحين فصاعدًا أضحت الأحلام التي ظنها بعضهم مستحيلة التحقيق، ممكنة إذا كان صاحبها يتحلى بالإصرار على تحقيقها، رغم كل المعوقات والمآسي التي قد تواجهه في حياته.

إلا أن العالم الذي وقف مبهورًا أمام مايكل جاكسون ونجاحاته الساحقة، قد صدم صدمة شديدة من التغير الشديد الذي طرأ على شكله، وتساءل الجميع عن سبب استحالة لونه إلى اللون الأبيض، وثار جدل كبير حول عدد عمليات التجميل التي قام بها، وقد وصل الأمر إلى أن دعاه بعضهم بالخائن لعرقه الأسود، وظنوا أنه تنصل من حقيقته، وتنكَّر لأصوله الأفريقية.

ولم يمر وقت طويل على صدمة الجماهير العريضة من التغير الجذري الذي طرأ على شكل نجمهم المفضل؛ فقد فوجئوا وتابعوا في قلق محموم سير الدعاوى القضائية التي رفعت ضد مايكل جاكسون في منتصف تسعينات القرن المنصرم، إثر اتهامه بالتحرش الجنسي بالأطفال دون معرفة أيَّ طرف عليهم تصديق إدعاءاته.

ولم يكد الجمهور يلتقط أنفاسه من تلك الصدمات المتتالية، ويستعد لمتابعة الجولة الغنائية التي أعلن عنها مايكل جاكسون، بعد أن أمضى وقتًا طويلًا بعيدًا عن الأضواء، حتى فوجئ العالم بأسره بالموت المُلغِز والمفاجئ لملك البوب في الخامس والعشرين من يونيو (حزيران) عام 2009، وشهد الجميع بأسى بالغ أفول نجم واحد من أشهر الفنانين في العالم على الإطلاق.

نجمٌ منذ نعومة أظافره

لقد شعرت دومًا أن مايكل موهوب، ولكنني لم أتوقع أبدًا أنه سيحقق كل هذا النجاح، لقد وُلد حب الموسيقى مع ابني؛ فأنا أتذكر تمايله وهو ما يزال رضيعًا على إيقاع صوت غسالة الملابس. ومنذ ذلك الحين علمت أن الموسيقى كانت جزءًا من ابني، الذي استجاب لإيقاع النغمات، وتجاوب معها قبل أن يتعلم الكلام. *كاثرين جاكسون متحدثة عن ابنها

على الرغم من أن كاثرين جاكسون كانت قد تنبأت بأن ابنها الصغير سوف يكون فنانًا مشهورًا، حين رأته يتمايل راقصًا على إيقاع صوت الغسالة، وهو لم ينطق أولى كلماته بعد، فإنها لم تكن تتخيل أن هذا الصغير سيحقق شهرة واسعة تفوق شهرة كل مغنيي  أمريكا وفنانيها، وأنه سيكون أول شخصية على الإطلاق تدخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية 21 مرة، وأن الجماهير العريضة في مختلف أرجاء العالم سوف تهتف باسمه، وسوف يسقطون مغشيًا عليهم من فرط الانبهار لمجرد رؤيته يعتلي خشبة المسرح.

مايكل جاكسون طفلًا

بزغ نجم مايكل جاكسون مغنيًا واعدًا، وهو في الخامسة من عمره فقط، حين غنَّى في مدرسته – مدرسة غارنيت الابتدائية بولاية إنديانا – بإحساسٍ شديد أغنية «Climb Ev’ry Mountain» مما جعل معلمه لا يتمالك نفسه من البكاء. وبعدها، قرر والده ضمه إلى الفرقة الموسيقية التي ضمت إخوته الأربعة، وسرعان ما أصبح المغني الرئيسي للفرقة وهو في عمر السادسة.

«لقد كان الإخوة جاكسون كلهم موهوبين، ولكنَّ مايكل كان ساحرًا»، هكذا تذكرت إيفلين لاهاي العرض الأول الذي قامت به فرقة الإخوة جاكسون – قبل أن يُصبح اسمهم Jackson 5 لاحقًا- كفرقة محترفة في عرض الأزياء الذي أقامته مدرسة تعليم التفصيل التي تملكها. ومع استمرار عروض الإخوة جاكسون في الحفلات المدرسية والبارات الصغيرة، كانت موهبة مايكل هي أكثر ما يلفت انتباه المشاهدين؛ لأنه كان راقصًا محترفًا يقلد رقصات مشاهير المطربين والراقصين بدقة بالغة، إضافة إلى كونه يمتلك صوتًا شديد العذوبة.

وهكذا توالت العروض الموسيقية للإخوة جاكسون، ولكنهم لم يحصلوا على فرصة حقيقية لدخول عالم الفن محترفين إلا في عام 1967 حين قدموا عرضًا في مسرح أبوللو، وكان من ضمن الحضور جلادي نايتس، إحدى مغنيات شركة موتاون الشهيرة، التي نصحت مدير الشركة – باري جوردي – بضمهم للشركة، إلا أنه لم يلتفت لنصيحتها تلك إلا بعدما رشحتهم له المغنية الأمريكية -من أصل أفريقي- الشهيرة، ديانا روس.

وتمت تجربة الأداء الأولى قبل توقيع العقد مع الشركة في منزل أسرة جاكسون المكون من غرفتين بمدينة غاري. في ذلك اليوم بعث باري جوردي أحد شركائه الخمسة، ويُدعى غوردون كيث، ليشاهد تجربة الأداء لتلتقط عينا الأخير مايكل دونًا عن إخوته، ويتنبأ له بمستقبلٍ باهر في عالم الغناء والاستعراض. ويقول كيث عن ذلك اليوم: «عندما رأيت مايكل لأول مرة علمت أنني أمام موهبة جبارة؛ فحينما غنى الأشقاء جميعًا غنى مايكل بصوتٍ ملائكي، ولكنه عندما رقص وهو يغني علمت أنه سيطيح بكل الأساطير الغنائية والاستعراضية مثل جيمس براون، وفريد أستير، وجاكي ويلسون، وأي شخص آخر يمكنك ذكره. لقد فتنت به بشدة لدرجة إني وقفت أمامه عاجزًا عن الكلام».

ومنذ ذلك الحين فصاعدًا كان جميع المنتجين والمخرجين يقفون مذهولين أمام مايكل دونًا عن إخوته؛ فعندما وقَّعت الفرقة العقد مع شركة موتاون وذهبوا جميعًا إلى لوس أنجلوس استأجر باري جوردي لأعضاء الفرقة غرفًا في فندق صغير، ولكنه أخذ مايكل معه ليقيم في بيت المغنية الشهيرة ديانا روس. وحينما قامت ديانا روس بتقديم الفرقة في أحد البرامج التلفزيونية الشهيرة، اكتفت بأن قالت إنها ستقدم الآن موهبة ستتذكَّرها كل أمريكا لعقودٍ طويلة، وأمسكت يد مايكل وحده وآثرته بكل الاهتمام، وعندما اعترض والده على هذا الأمر، كان الرد أن مايكل هو الأفضل والأكثر موهبة من بين كل إخوته، فاعترض على هذا الأمر قائلًا إن كل أبنائه موهوبون، وإن كان في قرارة نفسه يقر ويعترف بتفرُّد موهبة مايكل.

وقد أوغر هذا الأمر صدور إخوة مايكل نحوه، وجعل والده يتخذ ضده موقفًا عدائيًا؛ إذ إنه كان يعلم أنه عاجلًا أم آجلًا سيفرد جناحيه ويطير وحده ليحقق مجدًا غير مسبوق. فكانت النتيجة أن والده أخذ يثبط من عزيمته ويسخر من شكله ويناديه بالدميم صاحب الأنف الكبير، الأمر الذي كان له بالغ التأثير على نفسية الصبي مرهف الحس، الذي كره شكله وتحاشى النظر في المرآة لباقي حياته.

الغناء تحت التهديد

كل واحد منا هو صنيعة طفولته التي عاشها، أما أنا فإنني صنيعة طفولتي التي لم أعشها. *مايكل جاكسون

بالتأكيد كان مايكل جاكسون طفلًا في يوم ما، ولكنه أبدًا لم يعش طفولته كباقي الأطفال. فحين كان يلهو الصغار ويلعبون في الحدائق كان هو يقف على المسرح لساعات طويلة ليؤدي البروفات ويتقن الرقصات، وحين كان الصغار يذهبون بصحبة آبائهم إلى حدائق الألعاب والعروض المسرحية، كان هو يذهب مُكرهًا برفقة والده إلى نوادي التعري والبارات الصغيرة لتأدية العروض الغنائية مع إخوته.

لقد شكلت هذه الطفولة الصعبة حياة مايكل بأسرها؛ فهو إن كان مدينًا لها بشهرته، فإنها أيضًا قد أورثته حزنًا أبديًا رافقه طوال حياته. لقد جعلت هذه الطفولة مايكل غنيًا ومشهورًا، ولكنها جعلته أيضًا وحيدًا جدًا.

كانت طفولة مايكل كلها مرتبطة في ذهنه بوالده القاسي، الذي كان يتفنن في إذلاله وإساءة معاملته هو وإخوته؛ فالنجاح الساحق الذي حققه الإخوة جاكسون كفرقة موسيقية كان وراءه أبٌ متسلِّط شديد القسوة تجاه أبنائه؛ فحين كان جوزيف جاكسون (الذي كان يعمل عاملًا على رافعة قبل أن يعمل مدير أعمال لأبنائه) يظنّ – كما ادعى– أنه يقوِّم أبنائه ويعلمهم كيف يكونون رجالًا وفنانين حقيقيين؛ كان في الحقيقة يكسرهم داخليًّا ويترك بداخلهم ندوبًا وجروحًا لم تستطع الشهرة، ولا المال، ولا النجاحات المتتالية المدوية شفاءها، وكان أكثر أبنائه تأثرًا بقسوته هو مايكل؛ لأنه كان أكثرهم رهافة.

Embed from Getty Images
عائلة جاكسون (الترتيب من اليسار لليمين: تيتو جاكسون- الأب جوزيف جاكسون- مايكل جاكسون- راندي جاكسون- جاكي جاكسون- جيرماين جاكسون- مارلون جاكسون)

على الرغم من أن جوزيف جاكسون كان مولعًا بالموسيقى، فإنه لم يكن يتمتع بالموهبة الكافية لإنشاء فرقته الخاصة أو تحقيق أي نجاح يُذكر، ولذلك فإنه قد وجد في أبنائه الموهوبين حلمه الذي لم يتحقق، وصمم على أن يضمهم جميعًا في فرقة ويُخضعهم يوميًّا لبروفات شاقة بمجرد رجوعهم من المدرسة، وحتى وقت متأخر من الليل، حتى لو أُكرهوا على ذلك.

وحين كان يذهب الأطفال إلى النوم، كان الأب -الذي كان في الخامسة والثلاثين وقتها- يجوب المسارح المستضيفة للفرق الغنائية الشهيرة التي تجوب شيكاغو، ويسجل حركات الراقصين هناك، ويرسمها في دفتر يحمله معه ليعلمها لأبنائه في اليوم التالي، وكان الويل كل الويل لمن لا يستطيع إتقان الحركات الجديدة، أو من يرفض أن يغني اليوم لأنه متعب أو يريد اللعب مع أقرانه.

لقد اعتاد جوزيف جاكسون، الذي لم يكن يسمح لأبنائه بمناداته «أبي»، ضرب أطفاله ضربًا مبرحًا بحزامٍ جلديّ كان يلوِّح به بيديه طوال مدة البروفات. وكان أبناؤه يرتعبون منه، لدرجة أن مايكل كان لا يقاوم شعورًا غريبًا بالرغبة في التقيؤ نتيجة للآلام الشديدة التي كان يشعر بها في معدته كلما رأى والده.

وعلى الرغم من خوف مايكل الشديد من والده، فإنه كان هو الوحيد – وهو ابن التاسعة- من بين إخوته الذي تجرَّأ على تحدي والده والدفاع عن نفسه، وربما نبعت جرأته هذه من إحساسه بأنه العضو الأفضل في الفرقة، والأكثر تميزًا، وبأنه لا يمكن الاستغناء عنه.

لقد كان مايكل هو الوحيد الذي يتجرَّأ ويسأل في البروفات لماذا علينا فعل هذا بدلًا من ذاك، وحين كان يهم والده بصفعه أو جلده بالحزام الجلدي، كان أحيانًا ما يمسك يده ويدفعه بعيدًا عنه، حتى أتى يوم مسكه والده من إحدى قدميه وقلبه رأسًا على عقب وضربه ضربًا وحشيًّا، لدرجة أن إخوته قد تعجبوا من أن مايكل لم يمت من الضرب في تلك الليلة.

ظل هذا اليوم محفورًا في ذاكرة الصغير الذي أخذ غضبه من والده يتحول شيئًا فشيئًا إلى كرهٍ عميق. فحين أُجبرت الفرقة على الطيران في جوٍّ عاصف حتى يلحقوا بحفلتهم الغنائية رفض مايكل – كان في الثانية عشرة حينها- السفر معهم، مفضِّلًا البقاء مع أمه، التي كان يحبها حبًّا جمًّا؛ لأنه لم يكن يلتقي بها كثيرًا لكثرة سفره بسبب الحفلات الموسيقية العديدة؛ فما كان من والده إلا أن حمله قسرًا من المنزل وأدخله الطائرة وهو يكيل له الصفعات والركلات، وقضى الرحلة كلها يتألَّم من آثار الضرب، بينما تحاول المضيفات مواساته، فيما استغرق والده في نومٍ عميق.

ولدت تصرفات جوزيف جاكسون بالغة القسوة تجاه أولاده – وخصوصًا مايكل- إحساسًا بالعجز في نفسية الصغير كبر معه ولم يفارقه طوال حياته. ولم ينجح أي شيء في إيقاف أذى والده، سوى أن هدَّده مايكل بأنه لن يغني حين يعتلي خشبة المسرح إن استمر بضربه وإهانته.

وعندما أفلح هذا التهديد، أحسَّ مايكل أن المسرح هو المكان الوحيد الذي يجد فيه الأمان والطمأنينة؛ فها هو يقول بعد سنوات، وهو في أوج شهرته، في مقابلة أجريت معه مع مجلة «Rolling Stone» : «حياتي كلها كانت على خشبة المسرح. نعم أنا أحبُّ أن يصفق لي الجمهور، ولكنَّني أفزع من حجم الحشد الموجود أمامي وأخاف خوفًا حقيقيًّا حين تطاردني الجماهير. أنا أخاف من الزحام، ولكنَّني أشعر بالأمان التام على خشبة المسرح لدرجة أنني أتمنى -إن استطعت- أن أنام هناك».

وهكذا مضت طفولة مايكل كلها، إما في البروفات وإما في الحفلات الغنائية. وقد كان يشعر بأسىً بالغ لكونه لا يحمل ذكريات عن طفولته، كتلك التي يحملها باقي الأطفال، ولكونه لا يمتلك أصدقاء طفولة؛ لأن والده كان يحظر أي علاقات أو صداقات مقربة مع أي أحد خارج العائلة.

وكانت نتيجة هذا كله أن الرجل الذي كان يقيم الدنيا ويقعدها بمجرد أن يعتلي خشبة المسرح، جاعلًا الملايين ترقص وتصرخ من فرط الإعجاب، كان في واقع الأمر خجولًا وحيدًا غير قادر على إقامة صداقات أو حتى النظر في عين مُحدِّثه لفترة طويلة.

التحليق منفردًا

على الرغم من النجاح الساحق الذي حققته فرقة «جاكسون 5»، كان مايكل يتوق للغناء منفردًا؛ لأنه كان يتمنى أن يخرج من قبضة والده بأي شكل، ولأنه كان يريد أيضًا أن يُصبح أشهر وأغنى مطرب في العالم كما أخبر محامية جون برانكا أثناء توقيعه عقدًا مع شركة إبك ريكوردز.

وعلى الرغم من أن جوزيف جاكسون كان يعارض انفصال مايكل عن الفرقة بشدة، فإنه لم يملك أن يفعل شيئًا حين بلغ ابنه 21 عامًا، وصمم على الغناء منفردًا، وإن كان قد غنى مع إخوته من وقتٍ لآخر، وقام معهم ببعض الجولات الغنائية.

بمفرده حقق مايكل نجاحًا ملحوظًا حين وصلت بعض أغاني أول ألبومين له إلى قمة ترتيب الأغاني الأمريكية، ولكنَّ النجاح المدوي الذي حققه ألبوم «ثريللر» الذي صدر في عام 1982 كان قد غيَّر كل شيء للأبد، بصفته أكثر الألبومات الغنائية مبيعًا في تاريخ الغناء كله، ولكونه الألبوم الأول والوحيد في العالم الذي بدأ السنة وأنهاها في المرتبة الأولى بترتيب الأغاني الأمريكية، وهو الألبوم الوحيد أيضًا الذي حصل على أكبر عدد من جوائز الجرامي في ليلة واحدة.

أما بالنسبة لمايكل؛ فقد غيَّر هذا الألبوم كل شيء، ولكنه لم يغير أي شيء في الوقت ذاته؛ فهذا الألبوم الذي يحتل الصدارة كأكثر ألبوم غنائي مبيعًا في التاريخ، لم ينجح في جعل مايكل يشعر بالسعادة، بل ويمكن القول إنه قد عظَّم إحساسة بالمرارة؛ لأنه أدرك أن حصول الإنسان على ما يريد لا يمكن أبدًا أن يشبه حصوله على ما يحتاج. لقد حقق هذا الألبوم نبوءة مايكل عند توقيعه مع شركة «إبك ريكوردز» بأنه سيصبح أشهر وأغنى مغنٍ في العالم، ولكنه لم يجعله يحصل على الطمأنينة، ولا الأصدقاء ولم يخفف من وحدته أو يزيل أوجاع طفولته التي عاشها، أو التي لم يعشها بمعنى أدق.

وحين تسابقت الصحف ووكالات الأنباء العالمية لعمل مقابلات مع مايكل، بعد نجاح ألبوم ثريللر، فوجئ الصحفيون بخجله، الذي يشبه خجل  طفلٍ في السادسة وارتباكه، وتعجبوا إن كان الرجل الذي يرقص على المسرح هو نفسه الشخص الخجول الجالس أمامهم، والذي لا يستطيع أن ينظر في أعينهم مباشرة.

وحينما سأله مراسل صحيفة لوس أنجلوس تايمز عن سبب خجله وعزلته أجاب: «أنا دائمًا وحيد حتى في المنزل، إذ إنني أقضي معظم وقتي في غرفتي أبكي لأنِّي ليس لدي أصدقاء أشاركهم الأمور التي لا أستطيع مشاركتها مع عائلتي. أتعلم، أنا أحيانًا أجوب الحيَّ الذي أسكن فيه ليلًا آملًا أن أعثر على شخصٍ أصادقه، ولكنني لا أجد أحدًا، وينتهي بي المطاف عائدًا إلى المنزل وقلبي يكاد ينفطر من الحزن».

إذن، فالمال والشهرة والحفلات والمعجبون، لم يستطع أي منهم إسعاد مايكل الذي صرح في أسى وهو يكاد يبكي أن والده لم يقل له أبدًا إنه فخور به رغم كل ما حقق. ويستطرد مايكل قائلًا: «كان علي أن أمثل مسرحية صغيرة على نفسي، فكنت أتقمص شخصية أبي وأقول لنفسي: دعني أعانقك يا بني وأخبرك كم أنا فخور بك».

هل خان مايكل عرقه الأسود

أنا أمريكي أسود شديد الفخر بعرقي وبما أنا عليه الآن. *مايكل جاكسون من مقابلته مع أوبرا وينفري عام 1993

بالتزامن مع النجاح منقطع النظير الذي حققه مايكل جاكسون في الثمانينات، بدأت بقع فاتحة اللون تظهر على وجهه ويديه، وشخص هذا المرض بمرض البهاق الذي يعمل على زوال اللون الطبيعي للجلد على شكل بقع بيضاء واضحة في الجلد.

وقد وقع هذا الأمر وقع الصاعقة على مايكل الذي كان ما يزال في شبابه. ذلك الرجل الذي كان يخاف الناس حقًا ويرتعب من نظراتهم المستطلعة نحوه، قد حدث له ما يخشاه وأُصيب بمرض سيزيد من عدد العيون المتطفلة المستطلعة بفضول لوجهه وجسده.

ولأن المرض كان قد انتشر ليشمل أكثر من نصف جسمه؛ فقد اتخذ قرارًا بأن يعالج نفسه بالتخلي عن اللون الأسود المتبقي، وأخذ عقارًا يزيل باقي الأصباغ من البشرة وتوحيدها مع لون البقع البيضاء؛ لأنه قال لأمه وهو يبكي بكاء مريرًا إنه لا يريد أن يبدو مثل البقرة المرقطة، ولن يتحمل أن ينظر له أحد بفضول أو يشفق عليه.

وهكذا، إن كنت شخصًا مشهورًا في دولة أخرى وأصبت بمثل هذا المرض وصارحت معجبيك بمرضك، فربما يكون الأمر أكثر تقبلًا من أن تكن رجلًا أسود تُصاب بمثل هذا المرض في أمريكا التي كُتب تاريخ التمييز العنصري ضد السود فيها بالدم، ويجدك جمهورك تتحول تدريجيًّا إلى لون الرجل الأبيض، فهم حتمًا سيتهمونك بالعنصرية وبالتنصُّل من أصولك، متجاهلين تأكيدات الأطباء الدائمة بأن الطب لم يتوصَّل بعد لأي عقار بإمكانه تغيير لون البشرة بالكامل.

Embed from Getty Images
وربما تكون عمليات التجميل العديدة التي أجراها مايكل لأنفه، والتغير الشديد الذي طرأ على شكله، من ضمن الأسباب التي لم تجعل الناس تصدق حقيقة إصابته بهذا المرض. ويُحكى أن السبب الرئيس الذي دفع مايكل للقيام بعمليات التجميل هذه؛ هو كرهه لشكله بسبب سخرية والده المستمرة منه ومن أنفه، ولأنه أراد أن يمحي أي شيء متعلِّق بإساءات والده من حياته، ويثبت له بأنه قد أصبح أفضل حالًا.

وعن هذا الأمر تقول إحدى صديقات باري جوردي السابقات أن مايكل أخبرها بنفسه بأنه كان يقوم بعمليات التجميل هذه حتى يستطيع النظر في المرآة لمرة دون أن يرى وجه والده الساخر من شكله أمامه، ولكنه مهما فعل لم يستطع أن يمحي آثار أفعال والده عليه أبدًا.

مايكل جاكسون ثائرًا

لقد استطاع أن يُري معاناة الفقراء للعالم أجمع. لقد كان هو صوت من لا صوت له، وكان أملًا متجددًا لكل اليائسين. *الكاتب ج. براندي متحدثًا عن مايكل جاكسون

كان لمايكل جاكسون أنشطة حقوقية لا يعلم عنها الكثيرون؛ فقد كان من أشد مناهضي العنصرية ونهب ثروات أفريقيا، ولم يكتف بأن قدم تبرعات مادية فقط، بل غنى للمقهورين والمظلومين العديد من الأغاني.

لقد كان مايكل يعتقد أن هناك مؤامرة ضده من جانب القوى العنصرية لهيمنة الثقافية البيضاء، التي لم تستسغ أبدًا أن يحقق مغني أسود كل هذا النجاح، وأن يكسر كل تلك الأرقام القياسية. ولِمَ لا وهو قد شهد تعنتًا كبيرًا في بداياته حين لم توافق محطة «MTV» على عرض أغانيه في البداية لكونه أسود – على الرغم من رضوخها لإرادة الجمهور في النهاية- وهو الذي بكى كثيرًا حين رفضت إحدى المجلات الشهيرة وضع صورته على الغلاف لاعتقادهم أن صورة فنان أسود على الغلاف قد تؤثر بالسلب على مبيعات المجلة.

وهكذا كان من الطبيعي أن يصطفَّ هذا الرجل، الذي اكتوى بنار العنصرية وحيكت ضده المؤامرات، مع المظلومين وأن يغني لهم واحدة من أفضل أغانيه – وفقًا لرأي الجمهور والنقاد – وهي أغنية «الرجل في المرآة – Man in the Mirror». وقد تصدَّرت أغنية الرجل في المرآة – التي صدرت ضمن ألبومه الثامن BAD – ترتيب الأغاني الأمريكية، كما أنها كانت من أحب أغاني جاكسون إلى قلبه.

وقد فضَّل جاكسون ألا يظهر بشخصه في كليب هذه الأغنية بالذات؛ لأنه رأى أن إذاعة لقطات من مجاعات أفريقيا وخطب مارتن لوثر كينج، وكذلك لقطات لأعضاء حركة «كوكلوكس كلان» العنصرية، التي كان يمقتها بشدة، كانت أبلغ تعبير عن محتوى الأغنية، وستضيف لها أكثر ما سيضيف ظهوره شخصيًّا فيها.

إنّ حكاية مايكل جاكسون هي حكاية رجل ظل عالقًا في طفولته، إنها حكاية موهبة فذة تحدت العالم بأسره، وأثبتت نفسها، وكسبت شعبية عالمية؛ لأن جمهوره أحبه بصدق. حين مات مايكل – إثر حقنه بواسطة طبيبه الخاص بجرعة زائدة من عقار البروبوفول أدَّت لتوقفه عن التنفس- ذُهل الجميع الذين كانوا ينتظرون عودته بشدة، لدرجة أنَّ محّرك البحث جوجل قد تعطل لدقائق بسبب الزخم الهائل للزائرين للموقع للتأكُّد من خبر وفاته. لقد قال مايكل جاكسون وداعًا لجمهوره في الخامس والعشرين من يونيو (حزيران) لعام 2009 ولكن أغانيه وموسيقاه لا يمكنها أبدًا أن تقول وداعًا.