أول اعتقاد يأتي في تفكير الإنسان عندما يسمع أو يقرأ كلمة «ميكروب» هو تلك الكائنات الضارة التي تسبب الكثير من الأمراض، وهذا الاعتقاد صحيحٌ بعض الشيء، ولكن هل تعلم أن الميكروبات الضارة تمثل فقط 15% من إجمالي  الميكروبات التي تم اكتشافها وتسجيلها حتى الآن؟ هل تعلم أن نسبة الميكروبات النافعة تتجاوز حاجز 70% من إجمالي عدد الميكروبات المسجلة؟

في هذا التقرير سنتناول  بعض الأدوار المهمة التي تلعبها الميكروبات في حياة الإنسان، كما أن الحديث عن دور الميكروبات – بشكل عام في الطبيعة – لن يكفيه تقرير واحد. ومع ذلك، فإن الجوانب التي ستذكر في هذا التقرير هامة وصادمة بعض الشيء، فعلى سبيل المثال: هل تعلم أن جسم الإنسان يحتوي على 10 ترليون خلايا ميكروبات؟ وهذا يساوي 10 أضعاف تعداد الخلايا البشرية؛ مما يجعل نسبة التكوين 90% خلايا ميكروبية، و10 % خلايا بشرية، وما يميز هذه الميكروبات هي أنها تعمل في تعاون شديد فيما بينها من ناحية، وبين خلايا الإنسان من ناحية أخرى، ولذلك يطلق  على مجموع الميكروبات في جسم الإنسان اسم عام يدعى «الميكروبيوم».

ما هو الميكروبيوم؟ ولماذا لا يهاجم الجهاز المناعي لجسم الإنسان هذه الميكروبات؟

في عام 2001 قام عالم الهندسة الوراثية الأمريكي «جشوا ليدرلبيرج» الحاصل على جائزة نوبل  بوضع أول تعريف لمجموعة الميكروبات النافعة، وغير الضارة، والتي تقوم بوظائف مساعدة في جسم الإنسان، وفي إشارة لها بأنها تعمل جميعًا على درجة عالية من التنسيق، فيجب إعطاؤها اسمًا موحَّدًا، فقام بإطلاق اسم«الميكروبيوم» أو «الميكروبيوم البشري» عليها.

وأما عن كيفية تكوين هذه المجموعات الميكروبية في جسم الإنسان، فليس هناك دليلٌ غير أن الطفل حديث الولادة يحصد هذه الميكروبات النافعة من خلال التجمُّع البشري المحيط به، ولتكون النسبة الأكبر في حصوله عليها من خلال اللبن الطبيعي الذي يحصل عليه من ثدي أمه، وهذا يفسر انسجامها مع جسم الإنسان وتصالح الجهاز المناعي معها، وعدم مهاجمتها كبقية، الميكروبات الضارة.

ما هي الفوائد المتعارف عليها لمجموعات الميكروبات في جسم الإنسان؟

تعتبر المادَّة الوراثية أو الجينات هي المفاتيح لأية عملية حيوية يقوم بها الإنسان، مثل عملية الهضم والنمو والتكاثر والإخراج والمناعة كلها تتحكم فيها الجينات، وقد وجد العلماء أن كل «جين» من خلايا الإنسان يحيط بيه ما يقرب من 100 جين من خلايا الميكروبات، فعلى سبيل التشبيه: لو  افترضنا أن جين في خلية إنسان هو المدير، سنعتبر أن هناك 100 جين من الموظفين يقومون بمساعدة المدير على  إتمام المهمة الحيوية، وكل يوم تزداد اكتشافات العلماء للوظائف المهمة التي تلعبها الميكروبات النافعة في جسم الإنسان, ومن الوظائف المهمة التي تم اكتشافها حتى الآن :

أ-عملية الهضم

أثناء عملية الهضم يقوم جسم الجهاز الهضمي بتكسير المواد الغذائية المعقدة، وتحويلها إلى عناصر أو مركبات بسيطة يسهل استخدامها بواسطة الخلايا، ولكن خلايا الجهاز الهضمي لا تستطيع أن تقوم وحدها بهذه المهمة، بل تحتاج إلى مساعدة ميكروبية لإتمامها على أكمل وجه, فعلى سبيل المثال تعتبر الكربوهيدرات هي الوقود الحيوي الأول، ومصدر الطاقة للإنسان؛ فبدونها قد يتوقف مثلًا المخ عن العمل, وبالاستناد إلى أن النباتات التي يتناولها الإنسان تحتوي على أكثر من ألف مركب معقد من الكربوهيدرات التي من الصعب تكسيرها بواسطة الجهاز الهضمي, فإن الميكروبات التي توجد في المعدة والأمعاء تقوم بإفراز حوالي 20 نوع من الإنزيمات الهاضمة التي تقوم بتكسير هذه الكربوهيدرات المعقدة, ونفس الأمر في حالة الدهون، فإن الميكروبات هي التي تقوم بتكسير الدهون إلى أحماض دهنية بسيطة، والتي تعتبر هامة جدًا لبناء الخلايا المبطنة للجهاز الهضمي, ولا يتوقف دور ميكروبات الجهاز الهضمي على التكسير، بل أيضا يقوم بعضها بإفراز مجموعة مختلفة من الفيتامينات.

ب-عملية المناعة والدفاع عن الجسم

الأعشاب الضارة لا تنمو على الأرض التي تُقام عليها المنازل، فشَغل المنازل للأرض الفضاء منع نمو تلك الأعشاب، وهذا ما تفعله الميكروبات في حماية الجلد،فقد أثبتت الدراسات أن جسم الإنسان مُغطى كاملًا بالميكروبات النافعة؛ مما يمنع الأخرى الضارة من النمو, ولا تقف الأمور عند هذا الحد؛ فهناك أدوار وقائية تلعبها الميكروبات في الدفاع عن الجسم، فبعضها يستحث الجهاز المناعي عند حدوث إصابة بأحد الميكروبات الضارة، لكي يتأهب ويستعد للمقاومة, والبعض الآخر يقوم بدور الجهاز المناعي في إفراز بعض المواد، أو الأجسام المضادة التي تقوم بدورها بمحاربة وقتل الميكروبات المسببة للأمراض.

ج-التحكم في الانفعالات

يعتبر المخ هو المتحكم الأول في عملية الشعور والانفعال من خلال إرسال رسائل عصبية هي في الأصل مواد كيميائية يصدر عنها استجابة من بعض الخلايا، والتي تتحول في النهاية إلى شكل انفعال, وفي الآونة الأخيرة ثبت الأبحاث أن ميكروبات القناة الهضمية تقوم بإفراز مادة «الدوبامين» المادة التي يفرزها المخ؛ للتحكم في الحركة، ويتركز دورها الأكبر في إحساس الجسم بالراحة والأمان والسعادة، وبالإضافة لمادة الدوبامين، هناك مواد كيميائية أخرى، مثل «سيرتونين»، ومادة الـGABA ، الذي يؤدي اختفاؤهما إلى الإصابة بالاكتئاب الحاد ونوبات القلق الشديدة.

هل يتطلع العلماء لإكتشاف إستخدامات أخرى قوية للميكروبيوم في المستقبل؟

في عام 2007 أطلق معهد الصحة الوطني بالولايات المتحدة مبادرة تعرف بمشروع الميكروبيوم البشري أو الـHMP، ويضم هذا المشروع فريقًا بحثيًا ضخمًا تتركز مهامهم على التوسع أكثر فأكثر في الميكروبات التي تغطي، وتوجد في جسم الإنسان، ودراسة العلاقة الهامة بينها، وبين أجهزة الجسم المختلفة, ولا شك أن النتائج التي وصل إليها المشروع، والتي ذكرنا أهمها في هذا التقرير تعتبر في غاية الأهمية, ولكن يعول الفريق البحثي على الميكروبيوم الكثير من الآمال.

فعلى سبيل أن الميكروبيوم ثابت في جسم الإنسان، وتعمل جميع مكوناته في تواصل وتناسق وثبات، يمكن أن نقوم بعمل قاعدة بيانات ميكروبية لكل شخص في حالته الصحية، ومن خلال بعض الفحوصات في أوقات متباعدة؛ إن وجد خلل في بعض الميكروبات في مكان ما، فهذا سيكون إشارة واضحة على وجود إصابة بمرض معين، وبذلك نتمكن من تعيين المرض قبل ظهور أعراضه, وأيضًا وصل العلماء إلى بعض النتائج المبدئية غير المؤكدة حتى الآن أن الميكروبيوم يختلف ما بين شخصٍ وآخر، وأنه كمثل بصمة الأصبع، وبهذا يمكن استخدامها كأداة في البحث بواسطة الطب الشرعي في حل الجرائم.

ماهي الأفعال والأشياء التي يقوم بها الإنسان وتضر بهذه الميكروبات النافعة؟

هناك الكثير من الأشياء اليومية التي يقوم بها الإنسان تضر بالميكروبات النافعة، وبالتالي يضر نفسه. إن استخدام المضادات الحيوية بدون إشارة من الطبيب لا تقضي فقط على الميكروب المضر، بل تقتل في المقابل العديد من الميكروبات النافعة؛ مما يسبب خللًا في بعض الوظائف في الجسم، وظهور أعراض جانبية كثيرة، على سبيل المثال: هل تتذكر مادة الدوبامين التي ذكرناها في أعلى التقرير تلك المادة المسئولة عن الإحساس بالسعادة والراحة والأمان، والتي يساعد في إفرازها ميكروبات القناة الهضمية, تلك المادة إن حدث فيها خلل قد تصاب بمرض الانفصام في الشخصية أو «الشيزوفرنيا» كما هو معروف، وليس فقط المضادات الحيوية سيئة الإستخدام، بل أيضا الأطعمة المصبوغة بصبغات صناعية تلعب دورًا خطيرًا في القضاء على مساحات كبيرة من المحتوى الميكروبي النافع لجسم الإنسان.

وفي النهاية يجب ذكر أنه على الرغم من أن علم المحتوى الميكروبي لجسم الإنسان علم مازال في مرحلة الحبو، إلا انه ينمو بسرعة البرق، والنتائج التي يتوصل إليها العلماء فيه ـ يومًا بعد يوم ـ هي نتائج مذهلة، كلها تشير إلى أمور مستقبلية عظيمة، ولذلك يجب عليك أن تحافظ على المحتوى الميكروبي الكنزي لديك,فهذه الميكروبات لا تقدم لك تلك الخدمات بمقابل، بل هي فقط تطلب منك أن تحافظ عليها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد