عندما تسأل نفسك عن أكثر الكائنات الحية إفادة لنا نحن البشر، قد يستدعي ذهنك أصنافًا من الحيوانات التي نقتات على لحومها وألبانها مثلًا، أو قد ترى أنها النباتات التي تعد طعامًا لنا وللحيوانات على حد سواء، علاوة على كونها مصدرًا أكيدًا للأكسجين. لكن هل فكرت يومًا في أن الفطريات التي تشاهدها على بقايا الخبز والخضراوات قد تكون واحدة من أنفع الكائنات الحية لنا؟ هل تخيلت للحظة أن اختفاء البكتريا تمامًا من الحياة قد يعرضنا للموت؟ ولماذا نكره الفيروسات؟ وهل يمكن أن نقضي على وجودها تمامًا؟

قد تندهش لو عرفت أن أكبر سكان الأرض عددًا هي الكائنات الدقيقة أو الميكروبات، لكننا نتجاهل وجودها فقط لأننا لا نراها بالعين المجردة، وربما لو رأيتها لاستحالت حياتك جحيمًا، فهي لا تسكن الأرض فحسب، بل تسكن بيتك وفراشك وطعامك وجسدك ظاهره وباطنه، هي – حرفيًّا – في كل مكان قد تتوقعه.

Embed from Getty Images

حتى عام 1998 كان العلماء يتوقعون أن عدد الميكروبات لا يتجاوز بضعة ملايين، وباستمرار الدراسات التقديرية توقع العلماء أن عدد الميكروبات على سطح كوكب الأرض يُقدر بتريليونات الفصائل، وأن 99.9% منها غير مكتشف حتى الآن.

وتعد الميكروبات أكبر مكونات الحياة البحرية، إذ إن لترًا واحدًا من مياه المحيط يحتوى على مليار بكتريا و10 مليار فيروس، وجسد الإنسان فقط قد يحتوي على عدد ميكروبات يبلغ 10 أضعاف عدد خلاياه!

لكن بادئ ذي بدء؛ ما هي الميكروبات؟ وهل هناك فرق بين الفطريات والبكتريا والفيروسات؟ وهل هناك غيرها؟

ما هي الكائنات الدقيقة؟

هذا السؤال البسيط المباشر استلزم عشرات – بل مئات – السنوات من أجل الحصول على إجابة مرضية له. فقد بدأ الأمر مع اختراع الميكروسكوب في القرن السابع عشر، وقتها نجح روبرت هوك، وآنتوني فان ليفنهوك، في رؤية الكائنات المجهرية. وعندما ربط لويس باستور بين الجراثيم والإصابة بالأمراض، كان ذلك نقلة علمية هائلة في عام 1860، ثم بدأنا نكتشف التنوع فيما بينها على يد روبرت كوخ.

وإلى الآن، ما يزال هناك خلافات بين العلماء على حدود هذه الإجابة، لكن اختصارًا للجدل، يمكننا تعريفها بأن الكائنات الدقيقة (الميكروبات) كائنات صغيرة الحجم لا ترى بالعين المجردة – غالبًا – ويمكن تصنيفها إلى:

1. بكتريا «Bacteria»

البكتيريا كائنات وحيدة الخلية لا ترى إلا بالمجهر، الآلاف منها قد يعادل حجم قطرة ماء. المبهر في البكتريا أن معظمها نافع، فجلدك مغطى بملايين البكتريا، وأمعاؤك مبطنة بها كذلك، وكل منها في موضعه الصحيح يقوم بوظيفة مفيدة في هضم طعامك، وحمايتك من ميكروبات أخرى ضارة.

لكنها أيضًا الفصيل المسئول عن بعض أسوأ أمراض البشرية، فالطاعون ذلك الموت الأسود الذي عصف بأوروبا، لم يكن سوى بكتيريا يرسينيا (Yersinia pestis) تحملها براغيث الفئران، والكثير من أشكال تسمم الطعام تسببها العديد من البكتريا، الالتهاب السحائي والالتهاب الرئوي، وكل ما ينتج صديدًا من الجسم، وغيرها الكثير.

Embed from Getty Images

2. فطريات «Fungi»

التنوع في الفطريات سوف يذهلك، سواء في أشكالها، أو أحجامها، أو وظائفها، فيكفي أن تعرف أنها تبدأ من فطر عيش الغراب (المشروم)، مرورًا بخميرة الخبز وفطر عفن الخبز، وصولًا إلى تينيا القدمين في لاعبي كرة القدم، وفطريات المهبل في السيدات، وتسلخات منطقة الحفاض في الأطفال.

أمراض الفطريات في الإنسان لا تنتج فقط من الإصابة بفطريات غريبة عن جسده؛ لكنها عادة ما تحدث من اختلال توازن الكائنات الحية الدقيقة الموجودة بشكل طبيعي في الجسم نفسه، فمثلًا تناول المضادات الحيوية الذي يستهدف القضاء على البكتريا الضارة، قد يصيب البكتريا النافعة أيضًا، وعندما تقل أعداد البكتريا النافعة تترك المجال لنمو فطريات بكثرة مثل الكانديدا.

3. الكائنات الأولية أحاديات الخلية «Protozoa»

البروتوزوا كائنات وحيدة الخلية، تتنوع في أشكالها وأحجامها، تجدها في الماء والتربة، وأحيانًا داخل الحشرات، تعد أبسط أنواع الحيوانات على الأرض، وتتصرف كأنها حيوانات صغيرة بالفعل، فهي تتغذى على الميكروبات الأخرى، بل تتغذى بعضها على بعض أحيانًا. من أشهر أنواعها البلازموديوم الذي ينتقل عن طريق البعوض إلى دم الإنسان مسببًا الملاريا، نعم، الملاريا ليست بكتريا ولا فيروس، الملاريا يسببها حيوان وحيد الخلية.

4. الفيروسات «Viruses»

كائنات عجيبة يحار العلماء في تصنيفها، فهي مجرد كبسولات تحتوي على مادة وراثية. يقدر عددها بالملايين، إلا أن الأنواع المكتشفة والمصنفة منها أقل بكثير. الفيروسات ليست خلايا، لكنها لا تعيش إلا داخل خلايا الكائنات الأخرى. وهي لا تتكاثر من تلقاء نفسها، لكنها تجبر الخلايا التي تحملها على التكاثر من أجلها قبل أن تقتلها وتنتقل إلى خلية أخرى لتستكمل المسيرة نفسها، ومن الصعوبة بمكان أن تمنحها صفة «كائنات حية»، إلا أنها تبقى كائنات دقيقة. يمكن للفيروسات أن تصيب كل أشكال الحياة المعروفة، فهناك فيروسات تصيب الإنسان والحيوان والنبات، بل إن بعض الأنواع قد تصيب البكتريا نفسها.

من أشهر الأمراض التي تسببها الفيروسات: الحصبة، الجديري المائي، الإنفلونزا، الإيدز، وطبعًا الضيف الثقيل الذي ملأ سمع الدنيا وبصرها مؤخرًا؛ كوفيد-19.

تبدو قائمة سيئة السمعة، أليس كذلك؟ المفارقة التي اكتشفت مؤخرًا هي أن بعض الفيروسات لها منافع. فبعض الفيروسات يمكنها استهداف الخلايا السرطانية وقتلها في جسم الإنسان، الأمر الذي اكتشف بمحض الصدفة عندما لوحظ تحسن نسبي في بعض مرضى السرطان عند إصابتهم بعدوى فيروسية، ومن وقتها تخضع الفكرة لكثير من الأبحاث.

لهذه الأسباب لا يمكننا التخلص من الميكروبات

إذا كنت تريد التخلص من الحياة على سطح الأرض، فطريقك المضمون لهذا هو الإخلال بنظامها البيئي المتزن. فالتخلص التام من الكائنات الحية الدقيقة وتعقيم سطح الأرض سيترتب عليه التالي:

1- الاحتفاظ بجثث الموتى، وبقايا الطعام، والمخلفات العضوية؛ فالبكتريا والفطريات هي المسئول الأول عن تحلل المواد العضوية – وأحيانًا غير العضوية – في البيئة.

2- فقر التربة الزراعية بالتدريج، وموت النبانات في النهاية، فالميكروبات التي تحلل المخلفات العضوية لا تخلصك منها فحسب، بل تضمن تجدد مكونات التربة وتوفر غذاء للنبات، ومن بعده الحيوانات والإنسان.

3- فقر الحياة المائية، فالميكروبات والعوالق النباتية التي تعرف باسم الفايتوبلانكتون هي المكون الغذائي الأكبر للأسماك والكائنات المائية ككل.

4- غالبًا ما ستستحيل حياة الجسم البشري، فالميكروبيوم البشري يثبت نفسه كل يوم كعنصر أساسي في وظائف الإنسان الحيوية، واختلال توازنه بسبب الملوثات البيئية، أو نمط التغذية غير الصحي على سبيل المثال، كفيل بالتسبب في الكثير من الأمراض، ليست فقط الأمراض المعدية، بل الأمراض المزمنة مثل السكري والتهابات القولون، وأمراض الكبد، والسمنة، وتصلب الشرايين.

الأمراض التي قد تنتج من خلل الميكروبيوم في جسم الإنسان

5- «ليس من المحتمل أن تدوم الحياة طويلًا عند غياب الميكروبات»، هكذا لخص لويس باستور نتيجة الفرضية، وكل ما جاء من بعده من دراسات لا تزيد إجابته إلا تأكيدًا.

إذًا.. هل الكائنات الدقيقة صديق أم عدو؟

هناك شيء واحد مؤكد فيما يتعلق بالكائنات الدقيقة، وهي أن التعميمات لا تسري عليها أبدًا. فما التعميم الذي يمكنك إطلاقه على تريليونات الكائنات المتنازع على تصنيفها؟ بل إن الفصيل الواحد منها لا يمكن إطلاق حكم واحد عليه بنافع أو ضار، فالفطريات تخبز الخبز وتفسده، وتُمرض الجلد وتحميه، وبكتريا الفم والأسنان بعضها ينظف فمك، والآخر يسبب لأسنانك التسوس والتآكل. بل إن النوع الواحد في الفصيل الواحد قد يكون ضارًّا لدى شخص، ولا أثر له في شخص آخر، فكثير من الميكروبات التي تصيب الإنسان تعد عدوى انتهازية لا تتمكن من الجسد إلا في حالة ضعف مناعته أمامها.

هل الأحق بالأرض من مرَّ هنا أولًا؟

يتعامل الإنسان مع مكونات كوكبه بترتيب اكتشافه لها، فنحن هنا أولًا ثم كل ما نكتشفه، لكن الحقيقة أن للأرض رأيًا آخر. إذ تظهر الحفريات أن أول صورة للحياة على سطح الأرض كانت للكائنات الدقيقة منذ حوالي 3.5 مليار سنة، في حين يُعتقد أن وجود الإنسان المتحضر أو «الهوموسيبيان» يرجع إلى أقل من ربع مليون سنة فقط. إذًا بالحسابات والأرقام والتواريخ، نحن ضيوف الميكروبات على الكوكب.

أما سؤال «من الأحق بالكوكب؟» هو سؤال جدلي تمامًا، والإجابة عنه تحتاج إلى توحيد المفاهيم والمرجعيات، لكن لمجرد افتراض إجابة، لنقل إن الأحق بالكوكب هو من يحافظ عليه.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد