لا صوت يعلو في المنطقة العربية فوق صوت الحديث الدائم حول الفوارق الاجتماعية، واتساع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، والانخفاض الحاد في القدرة الشرائية، وسط انضمام الملايين من أفراد المجتمع إلى دائرة الفقر في ظل الإجراءات التقشفية الحادة التي تغزو الوطن العربي. الحديث الآن بات متكررًا عن بعض دول المنطقة التي اختفى منها ما يسمى بالطبقة المتوسطة، إذ أصبح هناك فقراء وأغنياء فقط على الأغلب، لكن بعض الدول بعينها برزت فيها هذه الظاهرة بشكل ملفت، نذكرها في السطور التالية.

لكن في البداية يجب أن نعرف أولًا ماذا نقصد بالطبقة المتوسطة؟ ففي الواقع طبيعة الطبقة الوسطى أو المتوسطة ووضعها في الاقتصاد حرجان جدًا، فبالرغم من أنها وفق التعريف التقليدي تقع بين الطبقتين العليا والدنيا سواء اقتصاديًّا أو اجتماعيًّا، إلا أنها الطبقة المحركة للاقتصاد سواء من جانب الإنتاج أو الاستهلاك، كما أنها الطبقة الأكثر تأثرًا بالقرارات الاقتصادية الحساسة من رفع الدعم وزيادة الضرائب وتعويم العملة، فهي الخط الفاصل بين الفقراء والأغنياء، وهذه القرارات يمكن أن تصعد بها إلى الطبقة العليا، أو تهبط بها إلى الطبقة الفقيرة.

وفي الدول التي سنتحدث عنها خلال هذا التقرير كانت الطبقة المتوسطة تشكل النسبة الأكبر من المجتمع، لكنها في الوقت ذاته لا تستفيد من النمو الاقتصادي، أو من نتائج برامج الإصلاح الاقتصادي التي يتبناها صندوق النقد الدولي، وهو الأمر الذي دفع جزءًا كبيرًا من هذه الطبقة للانتقال إلى الطبقة الفقيرة؛ بسبب الإجراءات التقشفية، وهبوط القدرة الشرائية الحاد كما سنوضح لاحقًا.

1- المغرب.. طبقة متوسطة برتبة «فقيرة»

يعتبر المغرب أحد أبرز النماذج التي تكشف حجم التهالك الذي حدث للطبقة المتوسطة خلال السنوات القليلة الماضية، بالرغم من أن هذه الطبقة بمثابة صمام أمان وضابط اجتماعي ومحرك للاقتصاد المغربي، وذلك لأنها الشريحة الرئيسية المنتجة والمستهلكة، والتي تدفع الضرائب في الوقت نفسه، لكن خلال السنوات القليلة الماضية بدأت هذه الطبقة في التآكل بشكل ملحوظ، والاقتراب من الطبقة الفقيرة، وذلك بفعل الأوضاع الاقتصادية الصعبة والتقشف الملحوظ الذي تنتهجه المملكة؛ نتيجة توجيهات صندوق النقد الدولي الذي يمول برامج إصلاح اقتصادي في المغرب.

هناك الكثير من المؤشرات التي يمكن أن نعرف من خلالها مدى تآكل الطبقة المتوسطة؛ والتي من بينها النظر إلى تمدد الطبقة الفقيرة، أو اتساع الفجوة بين الطبقة العليا والطبقة المتوسطة، كذلك يوضح مؤشر آخر مدى تأزم الوضع، وهو المستوى المرتفع لمديونية الأسر الذي سجل 30% من الناتج الداخلي الإجمالي في عام 2017، 64% من المديونية قروض عقارية، و36% قروض استهلاكية، وهي نسبة مرتفعة كثيرًا مقارنة بالنسب العالمية، لكنها كذلك انعكاس لحجم الديون التي يعاني منها المغرب الذي يعتبر الأول عربيًّا وأفريقيًّا من حيث نسبة الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي.

الطبقة الوسطى تشعر أنها فقيرة، في حين تزداد الطبقة الفقيرة فقرًا. *سعيد بنيس، أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس

وما يزيد من حساسية الأمر هو أن الوزن السكاني للطبقة المتوسطة في المغرب كان يبلغ نحو 58% بحسب إحصاءات 2014، وهو ما يصل إلى نحو 20 مليون شخص، ولكن هذه النسبة تقلصت حاليًا لتصل إلى نحو 50%، كما أن المغرب شهد عدة حالات من المقاطعة كان آخرها مقاطعة المياه المعدنية، وهي الواقعة التي اعتبرت بمثابة صرخة تُعبر عن معاناة الطبقة الوسطى، إذ كشف استطلاع رأي أن 67% من الذين شاركوا في حركة المقاطعة ينتمون إلى الطبقة الوسطى.

استثمارات ضخمة وجودة ضعيفة.. تعرف إلى صناعة المياه المعدنية في العالم العربي

وعلى الجانب الآخر، يعتبر سوء توزيع الثروة أحد أبرز الأسباب التي زادت من حدة التفاوت الاجتماعي وتآكل الطبقة الوسطى في المغرب، إذ تشير بيانات صادرة عن وزارة الوظيفة العمومية في 2017، أنّ أعلى أجر موظف بالمملكة يعادل أجر 16 موظفًا من ذوي الحد الأدنى من الأجور، بينما كشف تقرير صادر عن البنك الدولي أن 15% فقط من الأسر المغربية تنتمي للطبقة الوسطى، إذا ما أخذ بعين الاعتبار معيار دخل شهري في حدود ألف دولار، أي أننا نتحدث عن أن باقي نسبة الطبقة تعتبر من بين الفقراء.

الأجور في المغرب.. قصة صراع الحكومة والنقابات التي لا تنتهي

شيءٌ آخر لا بد من ذكره في هذا الصدد، متعلق بالبطالة أو فقدان الوظائف، فواقعيًّا يمكن اعتبار أن من انتقلوا من فئة العاملين إلى فئة العاطلين، قد انتقلوا أيضًا من الطبقة المتوسطة إلى الفقيرة، وبالنظر إلى المغرب، فبحسب بنك المغرب فقدت الصناعة المغربية بما فيها الصناعة التقليدية نحو 9 آلاف وظيفة، بينما تبلغ نسبة البطالة نحو 10.5%.

2- تونس..  القدرة الشرائية تتآكل سنويًّا بنسبة 10%

يمكن القول إن الطبقة المتوسطة في تونس هي أبرز ضحايا عدم الاستقرار السياسي الذي تعيشه البلاد خلال السنوات الماضية، إذ تشير أرقام المعهد الوطني للإحصاء (رسمي)، إلى أن الفقر أصبح يشمل 1.7 مليون تونسي من عدد السكان الإجمالي، الذي لا يتجاوز 11 مليون فرد، إلا أن هذا الرقم يرتفع سنويًّا في ظل قرارات التقشف، مع توسع قاعدة الضريبة على الدخل، وتعتبر الطبقة الوسطى هي الشريحة الأكبر في البلاد، لكنها كذلك تنكمش انكماشًا ملحوظًا؛ بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة.

تونس لم تفلس.. القصة الكاملة لوضع الاقتصاد التونسي الآن 

وبحسب دراسة لجامعة تونس فإن القدرة الشرائية للتونسيين تتآكل سنويًا بنسبة 10%، والطبقة المتوسطة هي الأكثر تأثرًا بهذا الانخفاض، الأمر الذي تسبب في تراجع تصنيف هذه الطبقة ضمن تركيبة المجتمع التونسي من 80 إلى 67%، خلال السنوات الأربع التي سبقت 2016، ما يعني أن 17.5% من الطبقة المتوسطة في تونس انحدروا فعليًّا إلى تعداد الفقراء منذ عام 2012 وحتى 2016، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن الطبقة الوسطى في تونس تقلصت بنسبة 30%، وأن هناك مليون عائلة تونسية اليوم من المنتمين إلى الطبقة الوسطى عرضة للفقر.

على الجانب الآخر أثبتت دراسة لمرصد «إيلاف» لحماية المستهلك، أن نسبة 60% أو أكثر من عمال تونس يستوفون أجورهم مع حلول اليوم الثامن من كل شهر، بينما تشير الإحصائيات إلى ارتفاع مديونية الأسر إلى الضعف في أقل من 10 سنوات، إذ ارتفع عدد الحسابات الجارية التابعة للأسر في البنوك التي تعاني العجز بشكل ملحوظ، وارتفع حجم الدين من 10.7 مليار دينار في 2010 إلى 20.8 مليار دينار في 2017، ومعظم هذه الأموال تنفق على الاستهلاك.

«ميدل إيست آي»: أثرياء وفقراء فقط..أين ذهبت الطبقة المتوسطة في تونس؟

وفي ما يخص البطالة فقد بلغ معدل البطالة خلال الربع الثاني من 2018 نحو 15%، مقارنة بمعدل بطالة يبلغ 13% في 2010، وهذا الفرق انضم بطبيعة الحال من الطبقة الفقيرة إلى المتوسطة، وبالطبع هذه التغيرات الحاصلة في تونس ليست ببعيدة عن صندوق النقد الدولي، إذ اتفق الصندوق مع تونس على برنامج إقراض مدته أربع سنوات، قيمته حوالي 2.8 مليار دولار في 2016، لكنه مرتبط بإصلاحات اقتصادية، أغلبها تتعلق بخفض فاتورة أجور العاملين بالقطاع العام وخفض الدعم للطاقة، بالإضافة إلى خفض قيمة الدينار.

3- الجزائر.. هكذا قضى النفط على آمال الطبقة المتوسطة في البقاء

لا يختلف الوضع في الجزائر كثيرًا عن المغرب وتونس، إلا أن تدهور الطبقة المتوسطة بدأ مع انهيار أسعار النفط العالمية في منتصف 2014، فمنذ ذلك الحين تغيرت الأوضاع الاقتصادية في البلاد، إذ خفضت الجزائر من نسب الدعم الموجه للوقود وبعض المنتجات الغذائية، بينما اتجهت تدريجيًّا نحو الدعم النقدي، وذلك استجابة لتوصيات صندوق النقد الدولي، فيما انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي انخفاضًا حادًا خلال هذه الفترة، كما هو موضح خلال بيانات البنك الدولي.

إجراءات التقشف الشديدة التي لجأت إليها الحكومة الجزائرية كان للطبقة المتوسطة نصيب الأسد فيها، وسط معاناة البلاد وتباطؤ اقتصادي كبير، وهو الأمر الذي ظهر بوضوح في موازنة 2017 التي قدرت نفقاتها بنحو 63 مليار دولار، مقارنة بـ110 مليارات دولار نفقات في موازنة 2015، وهو تراجع حاد، كان أثره أن الجزائريين واجهوا موجة غلاء شديدة طالت كل أسعار السلع والمواد الغذائية.

وبالرغم من أن الطبقة المتوسطة عاشت فترة يمكن تسميتها بالـ«وردية» منذ عام 2010 وحتى 2014، وذلك من خلال رفع الأجور، وإقرار زيادة في الحد الأدنى، لكن حاليًا تعيش هذه الفئة ظروفًا سيئة في ظل تدهور قدرتها الشرائية بسبب تراجع قيمة الدينار وارتفاع الأسعار، وبحسب دراسة صادرة عن البنك الأفريقي للتنمية فإن 27% من الطبقة المتوسطة في الجزائر باتت مهددة بالفقر.

«طباعة النقود».. هل تكون الدوامة الأخيرة التي تُسقط اقتصاد الجزائر؟

وبالنسبة للبطالة، فقد ارتفعت نسبتها خلال 2017 لتصل إلى 12.3% مقارنة بـ10.5% خلال 2014، وذلك بحسب التقديرات الرسمية، علمًا بأن بعض التقديرات غير الرسمية تشير إلى أن معدل البطالة في الجزائر قد يصل إلى 20%. ومع تزايد هذه الأرقام فنحن بالطبع أمام تقلص ملحوظ للطبقة المتوسطة، وسط تمدد كبير للطبقة الفقيرة، خاصة أن مديونية الجزائريين لدى البنوك تسجل ارتفاعًا من سنة إلى أخرى، بالإضافة إلى التخلف عن السداد، في إشارة واضحة إلى عجز الجزائريين عن التعامل مع الظروف الاقتصادية الحالية، فبحسب تقرير لبنك الجزائر فإن 1071 مليار دينار قروضًا خرجت من البنوك ولم تسدد.

4- مصر.. المنافسة على صدارة العالم في تدمير الطبقة المتوسطة

في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 قرر البنك المركزي المصري تحرير سعر صرف الجنيه، وهو ما دفع قيمة العملة المحلية إلى الانخفاض للنصف تقريبًا، ثم أعلنت الحكومة بعدها بساعات زيادة أسعار الوقود بنسب تتراوح بين 7.1% و87.5%، ليصبح هذا اليوم كارثيًّّا على الطبقة المتوسطة، إذ تضاعفت أسعار السلع وسجلت القدرة الشرائية تراجعًا حادًّا خلال الفترة ما بعد التعويم وحتى الآن، بالطبع وضع الطبقة المتوسطة لم يكن بالجيد قبل نوفمبر 2016، ولكن هذه القرارات ربما تكون ساهمت بقوة في تسريع تدهور الطبقة المتوسطة واختفائها كذلك.

الدعم في مصر.. القصة كما لم تسمعها من قبل على الأرجح

صندوق النقد الدولي كان في قلب هذه الأحداث بالطبع، فقرارات الحكومة المصرية عبر برنامج الإصلاح الاقتصادي كانت تحت إشراف الصندوق بعد الاتفاق على قرض قيمته نحو 12 مليار دولار، وهذا البرنامج شمل زيادة الضرائب، ورفع الدعم، وزيادة الجمارك، وزيادة أسعار خدمات النقل الحكومي والخاص، وزيادة أسعار «مترو الأنفاق» من جنيهين إلى سبعة جنيهات، وغيرها من الإجراءات التقشفية التي كان ضررها على الطبقة المتوسطة مضاعفًا.

وبشكل عام تدفع الطبقة المتوسطة في مصر خلال السنوات الأخيرة ضريبة كل برامج الإصلاح الاقتصادي التي تبنتها الحكومات المتعاقبة، إلا أن البرنامج الحالي هو الأكثر قسوة، إذ يفقد ضمانات حماية الطبقة المتوسطة، لذلك تتلقى هذه الطبقة النصيب الأكبر من الأضرار، بينما تتقلص هذه الطبقة تقلصًا ملحوظًا، في الوقت الذي تتمدد فيه الطبقة الفقيرة، إذ إن نسبة الفقر زادت من 16.7% في بداية الألفية إلى نحو 28% مؤخرًا وفق الأرقام الرسمية.

وبحسب ما تشير بيانات البنك الدولي، فإن عددًا أكبر من الأسر المنتمية إلى الطبقة المتوسطة وقعت في دائرة الفقر، ومن المتوقع أن تواصل هذه النسب الزيادة في ضوء السياسات الاقتصادية الحالية، فمع استمرار هذه السياسيات فمصير هذه الطبقة هو الانقراض، فبحسب بيانات بنك «كريدي سويس» المتخصص في تقدير الثروات، فإن الطبقة المتوسطة في مصر سجلت أكبر تراجع على مستوى العالم منذ بداية الألفية وحتى 2015، وذلك بأكثر من 48%، لينخفض عددها من 5.7 مليون شخص بالغ في عام 2000، إلى 2.9 مليون بالغ في 2017، يمثلون الآن 5% فقط من إجمالي البالغين، ويستحوذون على ربع ثروة المصريين، وذلك بالرغم من الارتفاع الكبير في عدد السكان.

كيف قضى صندوق النقد الدولي على نصيب الفقراء في موازنة مصر الجديدة؟

على الجانب الآخر تراجع معدل نمو الأجور بقوة في مصر، وذلك من 25% عام 2013-2014 إلى 5% في موازنة العام المالي الماضي، مع ارتفاع التضخم من 8% إلى 32% خلال الفترة نفسها، وبالتالي فإن الأجور الحقيقية تشهد تراجعًا حادًّا، ويشار إلى أن مسحًا أجراه البنك الدولي في 2016، كشف عن أن الطبقة المتوسطة شكلت ما يزيد على 10% من سكان مصر قبل انتفاضات الربيع العربي مباشرة، بينما تقول تقديرات حديثة إن قرابة 10% من الطبقة المتوسطة المصرية تنحدر الآن نحو الطبقة الفقيرة بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد