ترجمة: الخليج الجديد 

لن يسبب الاتفاق النووي الإيراني أي تغيير نوعي في ديناميكيات الأزمة الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط. ومن المتوقع أن يكون التغيير كميا بطبيعته. سوف تزداد كثافة الحروب في المنطقة، كما ستصبح الأطراف المتحاربة أكثر عنفا، كما ستصبح فرص وضع حد لهذه الأزمات أقل وضوحا وقابلية.

ولا ينبغي أن تتم الإستهانة بالأثر النفسي للاتفاق. ويتم ترجمته عادة إلى عملية ملموسة وفعالة على أرض الواقع. وسوف يحصل الإيرانيون ووكلاؤهم في المنطقة كلها على دفعة كبيرة. كما أن هذه الصفقة الوليدة سوف تظهر لهم بمثابة انتصار على «الشيطان الأكبر». وفي الوقت الراهنK سوف يكون لديهم أمل بتحقيق انتصار «سهل» على «الشيطان الأصغر»، المتمثل في الدول العربية. وسوف يأتي التحضير لذك في أشكال خادعة ومتلونة معتادة من «مكالمات السلام» للعرب وإلقاء خطب تحمل نبرة التصالح والتقارب من قبل القادة الإيرانيين. وهي نفس الطريقة التي اعتادت طهران فعلها حينما دأبت على التأكيد أنه لا أحد في إيران يفكر البتة في القنبلة النووية، وأن مثل هذه القنبلة «غير إسلامية». ويتساءل المرء لماذا بعد ذلك كان كل هذا العناء الذي رأينا وعايشنا لسنوات.

سوف تزداد عدوانية طهران وتهورها بعد توقيع هذا الاتفاق النووي. وسندرس هنا النتائج المتوقعة للصفقة في الشرق الأوسط في غضون السنوات القليلة المقبلة:

الانتشار النووي

 على الرغم من أننا على دراية بوجهات النظر التي تقلل من شأن مخاطر انتشار البرامج النووية العسكرية في المنطقة، فإننا نتوقع أن العديد من الأطراف الإقليمية سيسير إلى نفس هذا الاتجاه. لقد أدركت الدول العربية أن الصفقة، بأي منطق، لم تحرم إيران من قدراتها العسكرية النووية. فهي مجرد تجميد لجزء من اندفاع طهران نحو إنتاج قنبلة ذرية. وفي أي لحظة في المستقبل، إن لم يكن الآن بالفعل، سوف تصبح إيران في واقع الأمر دولة نووية. ولا يمكن لأي عبارات منمقة أو محاولات تودد أن تخفي ذلك. لقد كان الأمر بالنسبة للإيرانيين مجرد أشهر، إن لم يكن أسابيع، لتجميع قنبلة خاصة بهم. وفي الوقت الحاضر، لقد جمدوا القنبلة فقط لبعض الوقت حتى يتأكدوا من تحصين دفاعاتهم ووضعها على أهبة الاستعداد. لكن مختبرات البحث والبنية التحتية بأكملها لا تزال قائمة هناك.

والدول العربية عازمة على استخدام إطار من عشر إلى خمس عشرة سنة لبناء برامجهم النووية الخاصة بهم بجانب البنية التحتية والمهارات. وسوف نرى قريبا هذه البرامج تدخل حيز التنفيذ.

العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وإيران

 لا يبدو أن فرضية مواصلة طهران لسياسة «ودية» بشأن استراتيجية الولايات المتحدة الإقليمية سوف تكون مدعومة بوقائع على الأرض. تصور إيران لدورها الإقليمي هو أنها قوة عظمى إقليمية، وهي تتصرف بالفعل على هذا النحو. وتدعم «بشار الأسد» في سوريا دون تحفظات، وأوجدت مليشيات تابعة لها في العراق، وتساعد المتمردين الحوثيين في اليمن لإسقاط الحكومة الشرعية هناك، وتهتم بحزب الله على اعتبار أنه امتداد للجمهورية الإسلامية في لبنان. وجدير بالذكر أن كل هذه السياسات ترفضها الولايات المتحدة تماما وتعمل على التصدي لها على كل المستويات.

وعلاوة على ذلك، فإن طهران لا تنشغل بدورها من الناحية السياسية. وبدلا من ذلك، فإنه تكتب ما تريد باللغة الطائفية. فعلى سبيل المثال، لا تتدخل إيران في ليبيا. والسبب هو عدم وجود امتداد للطائفة الشيعية هناك. ومع ذلك، تتدخل في البحرين معتمدة على وجود أقلية شيعية كبيرة ضمن نسيج المجتمع البحريني. ويبدو أن خطابات وتصريحات وبيانات دعم «المستضعفين»، أو المجتمعات الضعيفة والمضطهدة لا تظهر إلا في أماكن تواجد الشيعة.

وفي هذا السياق، تتحرك إيران لتعريف دورها كـ«قوة عظمى» إقليمية بطريقة معينة. أولا: سوف تبذل دائما قصارى جهدها لبناء الجسور مع القاعدة الشيعية التي تدعي أنها تدافع عنها من خلال التعريف الذي عرفته لنفسها، وبالتالي تدفع الشرق الأوسط دفعا حثيثا نحو هاوية الحروب الطائفية. ثانيا: سياستها تجاه العرب السنة ستكون على أساس الابتزاز تارة والتهديد تارة أخرى، أو ما هو أسوأ من ذلك من خلال الحروب غير المتماثلة، والتي نراها بالفعل. العرب السنة هم في نهاية المطاف سنة، ولا يمكن اختراقهم من قبل أي قوة تعرف نفسها بمصطلحات طائفية مختلفة.

أما بالنسبة لعلاقتها مع الولايات المتحدة، فلن يكون هناك سبب وجيه لطهران للسماح للأمريكيين بتحدي دورها بوصفها «القوة الإقليمية العظمى». ويحلم الإيرانيون باليوم الذي تأتي فيه الولايات المتحدة إليها وتطرق أبوابها لتطلب منها الإذن للقيام بأي شيء في المنطقة، وهم يتطلعون لذلك في أقرب فرصة. وهذا ما يحدث بالفعل في العراق. لكن الإيرانيين يطمعون في أن تكون المنطقة كلها هكذا.

وتعتبر الولايات المتحدة حزب الله جماعة إرهابية. كما قالت إنها لا تريد «الأسد» في سوريا. وقالت إنها تريد تسليح العشائر السنية العراقية لمكافحة تنظيم «الدولة الإسلامية». وطهران من جانبها تقول لكل هذا لا. لقد ابتلعت الولايات المتحدة غرورها وكبرياءها وهرولت لتعطي آيات الله في طهران مكافأة برفع العقوبات مقابل تجميد مجرد أنشطتها النووية. هل نتوقع أن إيران سوف تسمح للولايات المتحدة للحصول على ما تريده الآن، وهي التي رفضت هذا كله في ظل العقوبات؟

علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها الإقليميين

 بالفعل، الميليشيات الإيرانية العراقية، المعروفة باسم قوات الحشد الشعبي تهدد بقتل الجنود الأمريكيين في العراق إذا ما تبين أن الولايات المتحدة تسلح العشائر السنية لمحاربة «الدولة الإسلامية».

وبالنسبة لقوات الحشد الشعبي وأسيادهم في طهران، فإن الشيعة هم من ينبغي أن يسيطر على وسط وغرب العراق، وليس سكان تلك المنطقة، وبالتأكيد ليس الأمريكيين أو حلفائهم.

وفي سوريا، فإن كلا من الولايات المتحدة وروسيا تبحثان عن حلول سياسية تنهي أو تقلل فترة حكم «بشار الأسد». والسبب واضح، ألا وهو أن «الأسد» لا يمكن أن يحكم بلد قتل فيه 300 ألف من سكانها، وتسبب في تشريد ما يقرب من نصف السكان ودمر أكثر من ذلك. ومع ذلك، ترد طهران بالقول لا. والسبب هو أن «الأسد» أصبح أسير اعتماده على طهران. لقد كان حليفا عن طريق الاختيار من قبل، والآن هو حليف بحكم الضرورة فقط. كما أنه يناسب طهران بشكل أفضل. وهو أيضا جسر إيران إلى حزب الله في لبنان.

في لبنان، حزب الله هو دولة داخل الدولة. ونحن هنا نتحدث عن أن الدولة اللبنانية ذات السيادة في الوقت الراهن لا معنى لها. القوة العسكرية لحزب الله أكبر بكثير من الجيش الوطني، وبحجة دعم إيران المستمر لحزب الله، والذي هو بطبيعة الحال قوة طائفية شيعية تقاتل إسرائيل. لكن حزب الله يحارب الشعب السوري الآن، وليس إسرائيل. والسبب هو أن إيران قالت للشيخ «حسن نصر الله» أن يدخل سوريا من أجل الدفاع عن أصولها هناك.

وفي العراق، فإن مشروع تحويل قوات الحشد الشعبي إلى حزب الله العراقي جارية على قدم وساق. وفي اليمن، هناك عمليات تجري لتوجيه الحوثيين وحزب الله لنفس الاتجاه. فلماذا يسري اعتقاد الآن أن إيران ستكون أكثر مرونة مع الولايات المتحدة أو العرب؟ الواقع يؤكد أن الأمر سيكون عكس ذلك.

سياسة طهران الإقليمية

 إيران، التي تعيش حاليا في حالة نشوة بعد النصر على «الشيطان الأكبر» وقد أعمتها غطرسة ، لن تدرك أن مشروع الشرق الأوسط يقتصر في نهاية المطاف على الحقائق. لا يمكن لطهران أن تفوز في سوريا مهما طال استمرار الحرب. ولا يمكن لحزب الله أن يكسب في الزبداني على الرغم من الموارد التي تدفقت إلى هناك. كما لا يمكن للأسد أن ينتصر في الغوطة. وتستطيع قواته بالكاد الدفاع عن نفسها في الجزء الخاص بهم من حلب. والحرب في سوريا سوف تستمر لعقود قادمة.

من ناحية أخرى، تغلي لبنان، ويمكن لها أن تنفجر في أي وقت. وقد يتجه هذا البلد مجددا إلى حرب أهلية أخرى.

وفي العراق، تُعدّ فكرة القوى الشيعية التي تبسط سيطرتها على الأراضي السنية أمر سخيف. وتواجه الولايات المتحدة خيارا صعبا إما لمساعدة قوت الحشد الشيعة لهزيمة «الدولة الإسلامية» أو التخلي عنها. وقدمت بعض عمليات التجميل لجعل تلك القوات الشيعية تبدو أكثر «وطنية» من أجل إعطاء الولايات المتحدة وجها لتوفير حجة، حتى ولو كانت قليلة. لقد كان ذلك بمثابة تجميل للوجه لحفظ ماء الوجه. وكانت واشنطن قد قبلت العرض.

ومع ذلك، فإن هذا ليس هو الطريق الصحيح لهزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» بالفعل. إن سيطرة الشيعة على الأراضي السنية لن تنتج سوى مجموعة مسلحة سنية أخرى، لن تختلف كثيرا عن «الدولة الإسلامية»؛ لمحاربة القهر على أيدي القوى الطائفية الصريحة التي تقوم بإعدام السنة عندما لا يكون هناك هيئة تراقب. إن الحرب في العراق سوف تتمر لعشرات من السنوات القادمة.

هل تبدو هذه مبالغة؟ حسنا؛ كيف كان المرء ليبدو قبل خمس سنوات إذا ما ذكر شخص أنه سوف تكون هناك حروب أهلية في كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن، بالإضافة إلى اختمار واحدة في لبنان؟ هل يبدو ذلك اشتباها في النوايا الإيرانية؟ حسنا … إن ذلك يحدث بالفعل في المنطقة الان. ونرى ذلك كل يوم بالفعل. إن الواقع لا يمد يده بالمساعدة للسذج، أو أولئك الذين يتظاهرون بكونهم كذلك.

إذا كان ما نراه في الشرق الأوسط الآن عاصفة، فيمكننا القول إن المنطقة تتجه نحو إعصار سيأتي على الأخضر واليابس لا يدري أحد متى تكون نهايته. وبتوقيع الاتفاق مع إيران وتطبيع العلاقات معها، فإن الولايات المتحدة قد جرت نجاة من النحل لتختبئ في وكر للضباع. وسوف تدفع الثمن في وقت لاحق ربما لا يطول انتظاره. ولكن العبء سيسقط على أكتاف أولئك الذين وقفوا بجانب الولايات المتحدة في جميع الأوقات.

حسنا … تهانينا للجميع لتحقيق هذا الفوز الكبير. وعليهم أن يستمتعوا بما تم إنجازه. ومنطقة الشرق الأوسط سوف تكون على النقيض تماما من ذلك … لسوء الحظ.

المصدر | سمير التقي وعصام عزيز – ميدل إيست بريفينج
عرض التعليقات
تحميل المزيد