بينما تشرق الشمس .. تنجب الصين «ماو تسي تونغ»
من يكافح من أجل سعادة الجميع
إنه المنقذ العظيم

المقطع السابق هو افتتاحية  لواحدة من أكثر الأغنيات تمثيلًا لثورة الصين الثقافية، والتي استمرت قرابة عقد كامل، في الفترة بين مايو 1966 حتى 1976، وتعد واحدة من أكبر الحركات المعادية لمفهوم السلطة ـ بشكل عام ـ إرباكًا في التاريخ؛ إذ فتحت الباب لارتكاب مجموعة من الفظائع باسم «الأناركية»؛ كأن يعذّب الطلّابُ معلّميهم، ويقتل الأبناء ذويهم؛ كجزء من حركة التمرد العامة. «الشرق أحمر»، هو اسم الأغنية التي تغنّى بها الآلاف من الصينيين مغسولي الأدمغة قرابة عقد كامل؛ حُبًا في زعيمهم و«مخلِّصِهِم» «ماو تسي تونغ».

بالطبع، كان هذا قبل أن يفقد «ماو» ـ نفسه ـ السيطرة على ثورته، وتتحول إلى كارثة.

المفارقة المثيرة للأسف، أن الشهور القليلة الماضية قد شهدت إعادة تقديم نسخة جديدة للأغنية من خلال الإنترنت، بعد إجراء تعديلات بسيطة بها، واستبدال باسم الزعيم «ماو تسي تونغ» اسم الزعيم الحالي «شي جين بينغ»، ليصبح مطلع الأغنية:

«بينما تشرق الشمس مجددًا .. يصبح شي بينغ خليفةً لماو تسي تونغ
إنه المكافح من أجل التجدد
إنه تميمة الحظ العظيمة»

وعلى الرغم من جهود الرقابة لحظر انتشار الأغنية على أي من مواقع الإنترنت في الصين، إلا أن «شي» نفسه لم يحاول إنكار المقارنة المزعومة. على كلٍ، ليست الأغنية هي المقاربة الوحيدة بين الزعيمين؛ ففي مارس الماضي، وخلال الاجتماع السنوي لأعضاء المجلس التشريعي الصيني، حضر جميع أعضاء «وفد التبت» مرتدين شارات تحمل وجه الزعيم «شي»؛ في محاكاة لما كان يحدث خلال الثورة الثقافية؛ إذ اعتاد المواطنون الخروج من منازلهم مرتدين شارات تحمل وجه الزعيم «ماو».

ربما تكون المفارقات السابقة وليدة الصدفة، ولا تحمل أية دلالة، إلا أن مواقف «شي» منذ توليه الحكم، ومحاولاته المستمرة إعادة بعث حقبة «ماو»، من خلال شخصه،  تطرح العديد من النظريات التي تدور ـ جميعًا ـ حول ما إذا كان «شي» يريد إعادة إحياء الثورة الثقافية حقًا أم لا؟

 

شي جين بينغ: ماو القرن الواحد والعشرين؟

الإجابة على السؤال السابق قد تكون أكثر إرباكًا من الثورة الثقافية ذاتها؛ فالرجل الذي تولى زعامة الحزب الشيوعي عام 2013 هو نفسه الطفل الذي تعرّض للإذلال خلال مراهقته؛ باعتباره أحد أبناء الطبقة «البرجوازية» (قبل أن يتم تهجيره إلى الريف للعمل مع الفلاحين)، كما أنه ابن لأحد رجال ماو الأوفياء، الذي انقلب ضدّهم؛ امتثالًا لإرادة الشعب، وإنقاذًا لشعبيته؛ ليقرر «تطهير»الحزب الشيوعي الصيني منهم. بالتحديد هو ابن الرجل الذي تم اتهامه ـ ضمن سلسلة من الاتهامات أقصته من الحزب وعرّضته للتعذيب ـ بتهمة واهية، كالتحديق في «سور برلين»!

المنطق يحتّم أن يكبر الصبي مناهضًا للثورة، التي أضرّت به، بصفة مباشرة، وتسببت في انتحار أخته غير الشقيقة، إلا أن ما حدث كان النقيض من ذلك؛ فعلى مدار السنوات الثلاث الأُوَل لتوليه الحكم، صب «شي» تركيزه في إعادة بعث أفكار «ماو»، فيما يخص تمركز السلطات في قبضةٍ واحدة، وعلى عكس الزعيم الأسبق «دينج»، الذي رسّخ مبدأ القيادة الجمعية؛ تفاديًا لأخطاء الحقبة الماويّة، فقد قام شي بدحض كل مبادرات دينج الإصلاحية، وفي المقابل، فضّل السير على خطى مَثَلِهِ الأعلى ماو؛ فقام بالتوسع في مساحة سلطاته لتشمل كل من؛ الأمن الداخلي (الشرطة والشرطة السرية) والرقابة على الإنترنت، والرقابة على تكنولوجيا المعلومات.

على الجانب الآخر، ومع السيطرة المُحكمة للحزب الشيوعي الحاكم على الإنترنت، فقد حاول فريق الدعاية الخاص بـ «شي» إضفاء« كاريزما» على الرجل تحاكي في تأثيرها الكاريزما التي امتلكها «ماو»، فقام الفريق بخلق شخصية «العم شي»، وتم إنشاء نوادي معجبين لها في المواقع الصينية، المماثلة لـ «فيس بوك» و«تويتر»؛ (فالولوج لتلك المواقع محظور في الصين؛ ضمن خطة الرقابة على الإنترنت!).

وفي تصميم لا مثيل له على أن يكون الرجل وريثًا شعبيًا لماو، خرج «شي» في أبريل (نيسان) الماضي على الشعب ليقتنص الشعبية التي لم تفلح حملته الدعائية في منحها إياه؛ لأسباب سيتم التعرض لها لاحقًا، ويقرر منح نفسه لقب «القائد الزعيم»، الأمر الذي يُعد محاولة يائسة لارتداء عباءة ماو، الذي منحه الشعب طواعية لقب «ربّان السفينة».
مع كل هذا فقد بات من المؤكد أن شي يحاول أن ينصّب نفسه وريثًا لماو، فهو يعرف أن الصين تحتاج رجلًا قويًا، مثلما تحتاج أية سفينة إلى ربّان، ولكنّه فقط يتجاهل حقيقة أن الربّان، الذي يحاول محاكاة أسلوبه، قد أخذ سفينته ـ ذات يوم ـ وغاص بها نحو القاع.

ماو تسي تونغ..  هوس «شي بينغ» الأعظم

ككل شيء يتعلّق بالثورة الثقافية الصينية، فالحقبة الماويّة نفسها شديدة الإرباك بشكل لا يصح معه تناولها بنظرة أحادية. ماو نفسه يتذكره التاريخ باعتباره «نصف إله ـ نصف شيطان»؛ فبالرغم من الحراك الثوري المتوتّر، نجحت العاصمة بكين، ليس فقط في تطوير أسلحة نووية آنذاك، بل ـ أيضًا ـ في تصنيع قمرها الصناعي الأول، وإرساله إلى مداره في الفضاء، (من خلاله بثت أغنية «الشرق أحمر» وانتشرت في العالم كله). هذا بالطبع لم يتحقق إلا بإزاحة الحكومة الوطنية عن الحكم، وتوحيد الجمهورية الصينية تحت إمرة الحزب الشيوعي.

إلا أن كل تلك النجاحات، لم تخل من الجوانب المظلمة؛ فالتاريخ يتذكر الثورة الثقافية، باعتبارها «الكابوس»، بالألف واللام؛ إذ سجل أن قفزة ماو للّحاق بركب الرخاء الغربي (هوسه الحقيقي)، قد ألحقت الضرر بجموع الشعب، وتسببت في انهيار سريع لاقتصاد الدولة، مما أدى بدوره للمجاعة التي أودت بحياة 40 مليون صينيّ. كل هذا بالطبع يتعارض مع رؤية شي الحالمة للصين، ورغبته في تصدير نفسه باعتباره خليفة لـ ماو، الرغبة التي استدعت درجات كبيرة من الصمت والسريّة فيما يخص الجانب المظلم للثورة، التي تسببت في كرب ومعاناة ما يقرب من 100 مليون مواطن؛ فالسلطات لن تسمح بأية مناقشة تنتقص من قدر ماو (أي ـ بالضرورة ـ انتقاص شي) أو تضعف من شرعية الحزب الحاكم.

 

على العكس من ذلك، فقد اتخذ شي بينغ مجموعة من الإجراءات التي تعمل على ترسيخ صورته كـ«ديكتاتور» خليفة لماو في الأذهان، على سبيل المثال، فقد ابتدع نظامًا ديكتاتوريا يعاقب العائلة بأسرها بناءً على موقف أحد أفرادها السياسي، حتى وإن كان الناشط الحقوقي المناهض للنظام يعيش خارج حدود الجمهورية الصينية، فقد أصبح للنظام السلطة التي تسمح باعتقال جميع أفراد أسرته، كرهائن سياسية؛ لحين عودته للبلاد وتسليم نفسه. ولم يتوقف بطش شي بينغ عند هذا الحد، بل امتد أيضًا ليشمل الدول المجاورة، ففي خطوة تفتقر إلى احترام كل حقوق الإنسان الدولية المتعارف عليها، قام شي بينغ باختطاف الناشر السويدي «جوي منهاي» من تايلاند، واقتياده إجباريًا للصين؛ كل هذا لتعرّضه لتاريخ شي بينغ العاطفي في أحد كتبه!

هوس ماو كان بالغرب المتقدم وأمنيته أن تكون الصين في مقدمة دول العالم الثالث، أما هوس شي فقد كان بماو نفسه. الحلقة تكاد تكون مُفرغة؛ شي (مهووس ماو) الذي يرى نفسه وريثًا له، يكمم كل الأفواه التي تتعرّض بالسلب ـ لا لشخصه ـ ولكن لشخص ماو؛ مما يؤدي إلى خفض سقف الحريات؛ مما يوّلد مزيدًا من القهر، مما يضعف من شعبية شي، فيفرض المزيد من القيود؛ كي يتغنّى المواطنون باسمه قسريًا؛ في محاولة لاكتساب شعبية تحقق رغبته في أن يكون وريثًا لماو.

«بارانويا» شي بينغ؟!

ربما تمنح قضية الصحافية «جاو يو» صورة مفصلة بشأن مدى جنون الوضع في الصين. في إبريل 2015، اعتقلت السلطات صحافية صينية في السبعين من عمرها تدعى «جاو ياو»؛ وذلك لتسريبها  نسخة من الوثيقة رقم تسعة، والتي تم إصدارها في يوليو لعام 2012، وتحدد سبعة موضوعات، محظور النقاش بشأنها على الجميع، حتى على أعضاء الحزب الشيوعي الحاكم. أهم هذه الموضوعات هي (الديمقراطية، حرية الصحافة، استقلال القضاء)، وبالرغم من انتهاء الأزمة، واضطرار السلطات إطلاق سراحها تحت ضغط المجتمع الدولي، إلا أنها تؤكد أن النظام الذي يخشى صحافية مُسنّة تعاني من أمراض القلب، ويرى فيها تهديًا له، لدرجة تستدعي اعتقالها، هو نظام مصاب بـ «البارانويا» بلا أدنى شك.

 

مزيدٌ من البارانويا

حكاية أخرى شهدها نفس الشهر من نفس العام، وكان من المفترض أنها بعيدة كل البعد عن لعبة السياسة، إلا أنها تفضح الخلل المصاب به نظام شي بينغ؛ إذ اندلعت حرب بين المغنية الأمريكية الشابة «تايلور سويفت» وبين السلطات الصينية؛ عقب إطلاق سويفت ألبومها الغنائي «1989»، عبر مواقع الإنترنت، التي من بينها مواقع صينيّة، متخصّصة في التجارة الإلكترونيّة. ومع انتشار الألبوم، ظهر احتجاج من السلطة الشيوعيّة في الصين، مفاده أن ألبوم 1989 هي إشارة ضمنيّة إلى العام 1989 الذي شهد انتفاضة «ساحة تيانانمين» الشهيرة ضد السلطة الصينيّة الحاكمة، وعلى الرغم من أن ذلك الرقم يشير إلى سنة ميلاد سويفت، إلا أن بكين أصرّت على تفسيرها الخاص له.

وتفاقم الأمر مع طرح المنتجات الدعائية للألبوم، خصوصًا، قمصان كتب عليها ذلك الرقم، مضافًا إليه حرفي «تي إس  TS»؛ إذ فسّرت الصين الحرفين باعتبارهما إشارة إلى «ساحة تيانانمين»، وليس لإسم المغنيّة تايلور سويفت، مع الإشارة إلى أن الصين تحظر أية إشارة إلى الانتفاضة التي احتضنتها تلك الساحة، حتى يومنا هذا.

المثير للتأمل في ذلك الخلاف، هو رد الفعل المدهش الذي اتخذه جمهور الشباب الصيني، الذي لا قِبل لأغلبه بالشئون السياسية، ومع ذلك، وتحت الضغط الذي أثاره عبر مواقع التواصل الاجتماعي الصينية، اضطرت السلطات للخضوع والسماح بتداول الألبوم في الصين، مما ينتقل بنا إلى السؤال المنطقي التالي، هل ستنجح محاولات شي في التشبّه بماو؟

الشرق الأحمر..ليس أحمر تمامًا

على الرغم من كل محاولات شي يونغ تعريف نفسه كديكتاتور، إلا أن المساواة بينه وبين ماو تسي تونغ غير عادلة لكليهما؛ فالفارق الأساسي بين الصين اليوم، والصين في عهد ماو، هو الشعب نفسه؛ لا يملك شي ربع التأثير الشعبي الذي تمتّع به ماو؛ فمن بعد مجزرة تيانانمن التي تم فيها ذبح المئات من المحتجين غير المسلحين ضد النظام الحاكم، أقلع المواطنون عن منح الحزب الشيوعي الشرعية اللازمة لشن ثورة ثقافية جديدة. تدرك السلطات أيضًا مدى فداحة جرائمها، وتحاول باستمرار حمل الشعب على التجاوز والنسيان، سواء باللين، (كوعد شي يونغ بتحقيق التنمية الشاملة عام 2049، في المئوية الأولى للثورة الثقافية)، أو بالحيلة (عن طريق إخفاء كل السجلات التي توثّق المذابح).

 

بجانب مذبحة تيانانمين، الفساد المتفشي، والتهجير القسري من المنازل، الاضطهاد الديني، والإجهاض الإجباري، كلها عوامل أدت إلى انهيار سقف الحزب الشيوعي فوق حكامه. ماذا يعني كل ذلك؟ صحيح أن الصين تحت وطأة مجموعة من التشريعات القهرية، التي من شأنها إحباط أية حركة احتجاجية تطفو على السطح منذ عام 1989، إلا أن الحزب نفسه على دراية باختلاف الوضع عما كان عليه في الثمانينات، مع  وجود الإنترنت، وصرامة القضاء، وازدياد معدلات الوعي، وظهور منظمات المجتمع المدني، بات على الحزب التعامل بشكل أكثر حذرًا؛ فيما يخص آلية الحكم.

ربما يكون شي بينغ ديكتاتورًا حقًا، إلا أنه ديكتاتور مُكبّل بفترة زمنية، لم يعد من السهل خلالها اقتياد المواطنين كقطيع من الماشية. ربما أراد التشبه بماو البطل، وليس ماو مختلق الفوضى، ماو المحب لوطنه، وليس ماو غير المبال بالمعاناة التي يتعرّض لها شعبه؛ جرّاء طموحه. ربما يكون المحرّك الأساسي لشي بينغ هو طموح آخر للنهوض بالجمهورية الصينية. من المؤكد أن لا مجال للمساواة  بين شي وماو من الأساس، إلا أن الدلائل كلها تشير إلى أن شي بينغ ينفخ الرماد من فوق جمرة، كانت قد أشعلت النيران بالصين قبل خمسين عامًا.

 

«أفضل الحكّام من شابه الظل عند رعيّته

يليه الحاكم الذي يحبون ويحمدون
فالذي يخافون ويرهبون

فالذي يكرهون ويحتقرون

إذا لم تمنح ثقتك للناس أولًا

لن تستطيع الحصول على ثقتهم

متأنٍ لا يلقي الكلام على عواهنه

فإذا أكمل مهمته وأتم عمله

تقول الرعية : لقد حدث ذلك من تلقاء ذاته»
*  كتاب الطاو _ إنجيل الحكمة الصينية

المصادر

تحميل المزيد