تتجاوز الانتخابات في العالم العربي المعنى الحقيقي للانتخابات المُتعارف عليه والذي يفهمه ويعيشه العالم، فإن كانت الانتخابات تمثّل لبعض الدول أهمية قصوى لمستقبل الدولة والناخبين؛ حيث تسيطر الانتخابات كليًّا على اهتمام المواطنين والمؤسسات الإعلامية، ويكون أهم ما يشغل الناخب هو فوز مرشّحه أو الدعاية له، والانشغال بصراعات الحملات الانتخابية وترقّب نتائج الانتخابات، فإن الأمر في العالم العربي يختلف قليلًا، يختلف بذلك القدر الذي جعل البعض يتساءل، هل عرف العالم العربي معنى الديمقراطية يومًا؟

 فبالرغم مما شهده العالم العربي في الأعوام السابقة من موجة ثورات واحتجاجات ومحاولات لاسترداد الحريات المسلوبة في دول الربيع العربي، بما انعكس صداه بصورة أو أخرى على الدول المجاورة أيضًا، إلا أن المواطن العربي لا زال يصارع من أجل إعلاء معاني الحرية والعدالة والعيش الكريم، وقد يسعى لذلك إما بصراع لفوز في انتخابات يحكمها الاستبداد، أو معارضتها، أو الانصراف عنها تمامًا بطرق أخرى، بعدما لم يعد للانتخابات في موطنه أي معنى، أو صارت هي ذاتها حائلًا أمام ما ينشده.

طبيعة العالم العربي لم تجعل إجراءات الانتخابات والاستعدادات لها هي فقط ما يختلف عن الانتخابات في بلدان أخرى، بل انعكس الأمر على مدى الاهتمام بالانتخابات نفسها وترقّب نتائجها في البلدان المجاورة، فما رأيناه – على سبيل المثال – من اهتمام واحتفاء كبير من العالم العربي بالانتخابات التركية ومستقبل حزب العدالة والتنمية في تركيا، لا ولن يضاهي بأي حال من الأحوال الاهتمام بانتخابات قد بدأت وبدأ الاستعداد لها بالفعل مثل الانتخابات الرئاسية في الجزائر، والانتخابات البرلمانية في العراق، أو أخبار الانتخابات الرئاسية والترشّح لها في دول مثل مصر وسوريا.

يرجع ذلك إلى عدّة أسباب منها:

غياب الدور الإقليمي لبعض الدول في المنطقة

هذا مع الدور الخارجي والتدخلّات الدولية حفاظًا على المصالح والعلاقات، وهو الذي جعل البعض يرى أن حُكّام العالم العربي الحقيقيون هم الخارج لا حُكّام الداخل، فتم الاستعاضة عن الأدوار والعلاقات الإقليمية والعربية بأدوار وعلاقات أخرى خارجية، وهو ما رسّخ حالة انعزال الدول عن بعضها، وانشغال كل دولة في شأنها الداخلي، لا سيما وأن أغلب دول العالم العربي تعاني من مشاكل واضطرابات داخلية، فلماذا يهتم المواطن العربي بدولة لا يعرف عنها سوى القليل، ولا تمثّل له أي أهمية في دولته؟

هذا ما يفسّر بعضًا من أسباب اهتمام العالم العربي بالانتخابات التركية، أو الاهتمام بالشأن المصري نظرًا لدور مصر في المنطقة والذي قد بدأ في التراجع بعد الانقلاب العسكري، أو الاهتمام ببعض أخبار دول الربيع العربي بشكل عام لما تمثّله الأحداث والتغيّرات فيها من أهمية يُعاد معها رسم الخرائط الجيوسياسية وخرائط التحالفات في المنطقة، أو حتى الاهتمام بأخبار إيران والاتفاق النووي مع الولايات المتحدّة ومدى انعكاسه على الدور الإيراني في منطقة الشرق الأوسط.

إلا أن هذا الاهتمام يظل جزءًا كبيرًا منه حكرًا على طبقة المثقفين والمحللين والسياسيين، أمّا الطبقة العريضة من الشعب فلا يصل لها إلا قدرًا هينًا من الأخبار والتي تتعلّق في الغالب بأحداث قد لقيت اهتمامًا كبيرًا في العالم كّله.

إعلام العالم العربي.. أبواق الحكّام..

يُعتبَر الإعلام الرسمي والخاص هو نافذة المواطن العربي الأساسية للعالم، منها يستقي الأخبار ويعرف عن أهم الأحداث في العالم، فكل ما يقوله الإعلام هو ما يصنع اهتمام الطبقة العريضة من الشعب، وهو ما يشكّل الرأي والقرار أيضًا، وكل ما لا يقوله هو بالضرورة خارج حيّز الاهتمام.

ونظرًا لوقوع غالبية دول العالم العربي تحت سلطات مستبدّة مسيطرة على الإعلام الرسمي والخاص، ومع افتقار المهنيّة في بعض وسائل الإعلام التي تخدم مصالح النظام مثل ما يحدث في سوريا ومصر، صار الإعلام نافذة المواطن العربي لعالم من صنع حكّامه، اهتمامات وأخبار وأحداث تنشغل بالشئون الداخلية أكثر من أي شأن خارجي، وترى الأحداث الداخلية والخارجية بما يخدم المصالح.

وربمّا هذا هو ما أدّى لانصراف طبقة الشباب لإعلام مواقع التواصل الاجتماعي وصناعة الإعلام البديل الذي انطلقت منه الثورات والاحتجاجات حتى صارت نافذة للمعارضة والاحتجاج على السلطات والمطالبة بالحريّات في أكثر من دولة.

إلا أن انتخابات العالم العربي قد خرجت أيضًا من حيّز اهتمامات ومتابعة جمهور مواقع التواصل الاجتماعي، والسبب الرئيسي لذلك هو طبيعة الانتخابات في الدول والأجواء المحيطة بها، وظروف وطبيعة الدول نفسها.

الانتخابات الرئاسية في الجزائر.. بوتفليقة للمرة الرابعة

[c5ab_gettyimages ][/c5ab_gettyimages]

في الوقت الذي تنشغل فيه الجزائر بالانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في 17 أبريل الجاري، أي بعد أيام، والتي قد بدأ التصويت لها بالفعل في الخارج، يمر الحدث على العالم العربي مرورًا باهتًا بغير اهتمام وترقّب، كما يمر على الجزائريين أنفسهم بأجواء أخرى تختلف عن الصورة المعهودة في الاستعداد للانتخابات، بغير ترقّب للنتائج واهتمام بالحملات الانتخابية، فهي انتخابات معروفة النتائج.

بدأ الأمر حينما أعلن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقه ترشّحه للانتخابات الرئاسية لعهدة رابعة له، جاء ذلك في أول ظهور له منذ مرضه، ولا يشارك بوتفليقة في حملته الانتخابية، ولا يتصل بناخبيه لأسباب صحيّة، ويديرها بدلًا عنه ستة مسؤولين.

عُرِفت الجزائر بالهدوء إبان أحداث الربيع العربي، بالرغم من وجود بعض الاحتجاجات فيها، وبالرغم من موقعها وأهميتها الإستراتيجية، إلا أن ضعف المعارضة، وتصوير الأمر في صورة احتجاجات ضد رفع الأسعار، وعدم استخدام العنف ضد المحتجين ساهم في خفوت الاحتجاجات سريعًا، إلا أنه لم تسلم من اضطرابات أخرى في الداخل لم تشهدها الجزائر منذ التسعينيات تقريبًا، مع التوتر في الدول المجاورة وما يحدث في ليبيا وسوريا ومصر، ساهم بالضرورة في التأثير على استقرار ووضع في الجزائر الأمني بالرغم من كونها قد عُرفت أيضًا بهدوء دورها الإقليمي في المنطقة، وغيابها في المحافل الدولية والإقليليمية، حتى في القضايا الأساسية التي تشغل العالم العربي مثل القضية السورية.

يرى البعض أن بوتفليقة كُلّف بالترشّح للانتخابات من المؤسسة العسكرية، مبررًا ذلك بالاضطرابات والحفاظ على الأمن القومي، وقد قوبل قراره بالتنديد من المعارضة، والدعوة إلى مقاطعة الانتخابات، والتي وصفوها بـ “المهزلة”، وانطلقت الاحتجاجات في البلاد اعتراضًا على ترشّح بوتفليقة لعهدة رابعة، والتي ستتجه بالجزائر -على حد قولهم- إلى اللا نظام.

يُذكر أن بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية الثلاث السابقة قد فاز بنسبة كبيرة جدًا عن منافسيه، وصلت إلى 95% في انتخابات 2009، وهو أطول الرؤساء الجزائريين حكمًا، فضلاً عن أنباء التزوير التي جعلت علي بن فليس، المرشح للرئاسة ورئيس الحكومة الأسبق، يقول إنه ثمة تعليمات قد جاءت للرؤساء بتزوير الانتخابات.

بالرغم من أنباء التزوير، والاتجاه نحو حسن النتائج للرئيس الجزائري بوتفليقة إلا أن البعض قد وصف الانتخابات بكونها مفترق طرق للجزائر، فالانتخابات ونتائجها قد تساهم بشكل كبير في اشتعال الداخل المضطرب أصلًا، وزيادة الاحتجاجات ضدّه.

فالجزائر إذن تناضل من أجل استقلالها، وتبحث عن مسار ديمقراطي حقيقي، ولكن بغير الانتخابات الرئاسية القادمة إنما بالاحتجاج ضدّها.

يُذكر أن الجزائر تسعى للتداول السلمي للسلطة من خلال الانتخابات والاستحقاق الديمقراطي منذ سنين، فالمشهد الحالي يذكرنا بما حدث في التسعينات بعد انتخابات يونيو 1990م المحلية، وانتخابات 1991 التشريعية الأولى في تاريخ الجزائر، والتي حصلت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ على أغلبية المقاعد، وعلى إثرها تم إلغاء نتائج الانتخابات وإجبار الرئيس الشاذلي بن جديد على الاستقالة، وكان بداية الصراع بين المؤسسة العسكرية والإسلاميين في الجزائر.

يرى محللون أن هذه الأحداث في الجزائر قد نتج عنها إحداث نوع من المسرحية السياسية لضمان تفكك مؤسسات الدولة الأمنية، وقوات الجيش، فهذه المسرحية – في نظرهم – هو الطريق الأسلم والأقل مجازفة.

في العراق.. المالكي يخوض حربًا من أجل ولاية ثالثة

[c5ab_gettyimages ][/c5ab_gettyimages]

من هدوء الجزائر – النسبي -، إلى نيران العراق التي لا تخمد، وربما ساهم اشتعالها المستمر في ثبوت المشهد بما لا يلفت أنظار المواطن العربي بأي جديد!

تستعد العراق هذه الأيام لخوض الانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها في 30 من الشهر الجالي، والتي ستشكّل هي الأخرى فارقًا في مستقبل العراق لما ستسفر عنه من شكل الحكومة ومستقبل نوري المالكي – رئيس الحكومة – في العراق.

تأتي هذه الاستعدادات وسط حالة من القلق والتوتر الشديد تشهدهما العراق؛ حيث الصراع بين قوات الأمن العراقي والعشائر المسلّحة في الأنبار، في وجود الدولة الإسلامية في العراق والشام هي الأخرى في المشهد العراقي في الفلوجة، مع ارتفاع مستوى العنف والتفجيرات بشكل كبير في الأيام الأخيرة بما أسفر عن عدد كبير من القتلى والجرحى.

فالمالكي يسعى لتأمين ولاية حكم ثالثة له، ومن أجل ذلك يخوض حربًا ضد ما يصفه بالإرهاب في البلاد، والتي بدأت في الاشتعال منذ فض اعتصام الرمادي في الأنبار في ديسمبر الماضي، وسط اضطراب في الوسط السنّي، وما يلاقونه من عزل وتهميش في أجهزة الحكم والدولة، وما يلاقيه بعض قيادات السنة، مثل طارق الهاشمي – نائب الرئيس – الذي صدر حكم بإعدامه، وأحمد العلواني نائب البرلمان الذي تم اعتقاله، وقتل شقيقه علي العلواني، بما أدّى لارتفاع صدى المطالبة بالإقليم السنّي في العراق، والحشد للانتخابات ضد المالكي وحزبه وأنصاره.

انخفضت شعبية المالكي بشكل كبير في العراق، ومع اعتزال مقتدى الصدر للمشهد السياسي وهجومه على المالكي، واستقالة بعض الوجوه القيادية في ائتلاف دولة القانون الذي يرأسه المالكي، ومع انعكاس الوضع في سوريا على الأوضاع الداخلية في العراق، شعر المالكي بتهديد كبير، فخاض الحرب وسط تأييد من إيران والولايات المتحدة، مبررًا ذلك بـ “محاربة الإرهاب”.

يتنافس حول 9200 مرشح يمثلون 107 قائمة انتخابية منها 36 ائتلافًا و71 كيانًا سياسيًّا أبرزها دولة القانون الذي يتزعمه المالكي، على مقاعد البرلمان العراقي الـ328.

وترجع أهمية هذه الانتخابات فيما ستواجهه الحكومة القادمة من صعوبات نتيجة الصراعات بين القوى السياسية، ووجودها في بؤرة توتر إقليمي ودولي، كما أن تشكيلها سيستغرق وقتا طويلا بعد الانتخابات، وتعتبر هذه الحكومة هي مفترق الطرق في مستقبل العراق، إما كدولة تتمتع بوحدتها السيادية، أو ستتجه بالعراق نحو مشروع التقسيم.

بالرغم من الانتهاكات يتمنى العراقيون أن تكون حرة ونزيهة وبعيدة عن التحزب، لتعبر عن رأي المواطن العراقي في اختيار الحكومة المقبلة.

سوريا ومصر.. انتخابات في عالم آخر

[c5ab_gettyimages ][/c5ab_gettyimages]

في كلمة له أكد بشار الأسد أنه باق في السلطة، ليتم بعدها إعلان فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية في الأيام الأخيرة من شهر أبريل، لإجراء الانتخابات في موعدها في يونيو المقبل.

جاء ذلك في ظل مفاوضات ومحاولات للوصول لحلول سياسية لمستقبل سوريا، ومستقبل الأسد في الحكم، ففي الوقت الذي كانت ترفض المعارضة الوجود على طاولة الحوار في وجود النظام السوري، ويغيب النظام السوري في بعض المؤتمرات الإقليمية والدولية، بل وحضور الائتلاف السوري ممثلاً عن سوريا، جاء الأسد ليعلن أنه “باقِ في السلطة”، بما جعل البعض يرى أن كلمته هذه قد جاءت ليثبت للمجتمع الدولي عدم اكتراثه بأي حل سياسي، وأنها رسالة سياسية تمهيدًا لإعادة شرعية الأسد.

قابلت دول مجموعة “أصدقاء سوريا” هذا الإعلان بتنديد شديد، وقالت إن انتخابات سيكون الرئيس الأسد مرشحًا فيها هي انتخابات “ملغاة وباطلة”، وجاءت تساؤلات عن كيف يمكن إجراء انتخابات في بلد مدمر؟ وكيف يمكن للمواطن السوري أن يخوض انتخابات وأبسط شروط الحياة الطبيعية غير متوفرة في سوريا؟ فالسوريون إما تحت النيران، أو محاصرون، أو لاجئون.

 أما المعارضون السوريون للأسد فقد قابلوا هذا التصريح بسخرية، فهم منشغلون بواقع آخر في سوريا، واقع أهم وأقسى من “انتخابات” ستكون محاكاة ساخرة لديمقراطية واهمة.

[c5ab_gettyimages ][/c5ab_gettyimages]

منذ بداية الانقلاب العسكري وأحداث 30 يونيو، ثم فض رابعة العدوية في 14 أغسطس، وأغلب المصريين في انتظار ترشّح المشير السيسي للرئاسة، فالمصريون ما بين مطالبين له بالترشّح، وما بين معارضين له يرون أن سياساته لم تأتِ سوى من رغبته في الوصول للرئاسة، وإحكام سيطرته على السلطة المصرية.

لكن التأخير في الإعلان، وتصريحاته بأنه لن يترشّح أثارت جدلًا ما حسمه السيسي بإعلانه رسميًا ترشحه للرئاسة، واستقالته من منصب وزير الدفاع، ليقدّم بعدها أوراق ترشّحه في الانتخابات الرئاسية المقرر إعلانها في أواخر الشهر القادم.

وبالرغم من وجود منافسين له مثل حمدين صباحي، والمتوقّع أن يكون المنافس الأكبر، إلا أن أصداء ترشّحه في الشارع المصري، والتأييد الشديد الذي لاقاه من مؤيديه بالرغم من كونه مرشحًا بغير برنامج انتخابي، ولم تبدأ حملته الانتخابية –تقريبًا- بعد، أو من الناحية الأخرى ما يتعرّض له معارضيه من تضييق وانتهاكات، وقتل واعتقال وتعذيب في السجون، جعلت البعض يرى أن هذه الانتخابات قد حسمت نتائجها مسبقًا، ولن تمثّل للمصريين أي معنى من معاني الديمقراطية والاستحقاق الانتخابي، لا سيما بعد أن قوبلت الانتخابات النزيهة الوحيدة بعد ثورة يناير 2011 بانقلاب عسكري بعد احتجاجات ضد سياسات الرئيس المعزول محمد مرسي، وجماعة الإخوان المسلمين.

كلا الانتخابات الرئاسية في مصر وسوريا لا تمثل الكثير للسوريين والمصريين، فهي جاءت باسم الحرية والديمقراطية، في واقع لا يعرف سوى الاستبداد، ومصادرة الحريات.

عرض التعليقات
تحميل المزيد