صور المهاجرين واللاجئين يعبرون البحر المتوسط بالمراكب من شمال أفريقيا إلى أوروبا كانت شديدة الكثافة في عام 2014. معظم التقارير الإخبارية كانت إما تركز على خطورة – وفي بعض الأحيان مأساوية – الرحلة نفسها، أو عن رد فعل الدول الأوروبية تجاه المهاجرين الذين يصلون لشواطئهم. لكن ماذا عن هؤلاء المهاجرين أو اللاجئين ممن اختاروا عدم الهروب بالقوارب وبدلًا من ذلك مكثوا في بلد مضيف كمصر؟

مصر مُستقبِل رئيسي للمهاجرين واللاجئين من القرن الأفريقي والدول العربية الأخرى. وبالرغم من الأرقام الرسمية للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين بالأمم المتحدة بوجود ما يقارب 250,000 لاجئ بمصر، لكن تعداد الحكومة المصرية يقترب من 350,000 لاجئ، بالإضافة لما يقارب مليون مهاجر. وبالمقارنة بثمانية مليون مهاجر مصري للخارج، نجد الرقم صغيرًا نسبيًا، ولكن هذا لا يعني أن المهاجرين واللاجئين بعيدون عن أنظار للحكومة.

“بالطبع نعلم عنهم″ هذا ما قاله لي أحد المسؤولين الحكوميين. “نتركهم ليبقوا. حتى من لا يملك أوراق أو من أتى بطريق غير شرعي″. لكن لماذا تسمح الحكومة المصرية بهذا؟

لإجابة هذا السؤال هناك عدة عوامل خارجية. فمنذ التسعينيات، تم وضع ضوابط جديدة على الحدود والهجرة جعلت الدخول للدول الغربية أصعب لكلًا من المهاجرين ذوي الظروف الطبيعية أو الطارئة. تعدت هذه الضوابط أحيانا لخارج حدود الدولة. فضغطت الحكومات الأوروبية على دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتعزيز حماية حدودهم لكبح الهجرة غير الشرعية. تضمن هذا زيادة أعداد الشرطة، التحصينات، الجدران، الدوريات المشتركة في المياه الدولية وعقد اتفاقيات لإعادة المهاجرين لدولهم.

وبالرغم من هذه العوائق، استمر المهاجرون واللاجئون في ترك بلدانهم الأم ولكن قلة فقط منهم تمكنت من الوصول لأوروبا أو للبلدان المقصودة لهم بسبب التكاليف الباهظة والأخطار المحتملة للرحلة أو لمحدودية نقاط إعادة توطين اللاجئين. علاوة على هذا، نية اللاجئين والمهاجرون على عدم العودة لبلدانهم مرة أخرى بسبب ارتفاع ثمن رحلة العودة لبلدانهم من خلال سلوكهم لنفس مسار قدومهم أو لقلة الفرص المتاحة لهم في بلدانهم. نتيجة لذلك: اختار العديد من المهاجرين واللاجئين أفضل الحلول المتاحة ألا وهو البقاء في بلد وسيطة –ترانزيت – لمدة غير محددة.

لكن ماذا حدث للاجئين والمهاجرين الذين انتهى بهم الأمر عالقين في بلد مضيف، وكيف تعامل معهم هذا البلد؟ كما كتبت كلير أديدا في مقالة سابقة بـ “قفص القرد” – أحد أقسام الجريدة – “نعلم القليل فقط عن مصير المهاجرين في البلدان النامية. هذا بالرغم من حقيقة أن أكثر من نصف الهجرات تتم بين الدول النامية وبعضها وليس من الدول النامية للدول الغربية”.

تؤكد المنشورات الأكاديمية أن البلدان المضيفة تمتلك ثلاثة خيارات سياسية للتعامل مع المهاجرين لبلدانهم: الاندماج، الإقامة أو الإقصاء. هذا التصور المبدئي يستبعد إمكانية ازدواجية سياسة الدولة. لا تلتزم الدول النامية بنفس النموذج الذي تتبعه الدول الأوروبية ونظراؤها من دول أمريكا الشمالية. ففي بعض الأحيان يختارون ببساطة تجاهل المهاجرين، وخاصة من لم يدخل البلاد عن طريق القنوات الشرعية.

وهذا ما أوصل مصر للمشكلة. المسؤولون الحكوميون وقادة المنظمات غير الهادفة للربح وبعض من التقيتهم من اللاجئين والمهاجرين من جنسيات مختلفة لاحظوا هذه السياسة المزدوجة. فعندما سألت عن شكل تعامل الحكومة المصرية مع اللاجئين والمهاجرين، قال أحد رؤساء المؤسسات الدولية غير الهادفة للربح أن “الدولة المصرية تريد أن تقوم بأقل ما يمكن عمله. الدولة تعلم بأنهم موجودون بالطبع، لكنها لا تريد بذل أي مجهود لعمل أي شيء لهم. لذلك تتعامى عن وجودهم فقط”. هذه العقلية في التعامل تم تأكيدها بواسطة العديد من المنظمات غير الهادفة للربح ممن يقدمون المساعدات الأساسية كالمساعدة القانونية والتعليم والرعاية الصحية والخدمات النفسية والاجتماعية أو اللقاءات المجتمعية مع اللاجئين والمهاجرين.

الازدواجية هنا لا يعني الغفلة. فبالإضافة للوعي بوجود المهاجرين واللاجئين، تعلم الحكومة بحضور ونشاطات المنظمات التي تركز جهدها على المهاجرين. في قصة مضحكة بعض الشيء، قال المسؤول عن واحدة من 57 مدرسة للاجئين في القاهرة إنه في شهر أغسطس عام  2013 – صباح مذبحة رابعة – تلقى مكالمة هاتفية من وزارة الداخلية تحذره من فتح المدرسة ذلك اليوم بسبب الاضطرابات الوشيكة. هذه المدرسة غير مسجلة لدى الحكومة، والسلطات المصرية لم يسبق لها التواصل معه. “لقد ضحكت، لأني كنت خارج البلاد وقد قمت بتغيير رقم هاتفي منذ ثلاثة أيام فقط، لكنهم قرروا التواصل معي مباشرة على هاتفي المحمول”. بالرغم من أن الحكومة تعلم جيدًا بوجود قطاع كبير من المهاجرين واللاجئين، فهي لديها حافز ضعيف للتدخل في أنشطة المنظمات التي تعمل على توفير الخدمات التي من الممكن أن تقع على عاتق الحكومة.

اللاجئون والمهاجرون يقدمون منافع اقتصادية أيضًا للدول المضيفة. ففي دولة مثل مصر، لديها سوق غير رسمي كبير، وجد بعض المهاجرون واللاجئون عملًا بقطاع الملابس والطعام والقطاع الحرفي والصناعي. بالإضافة للبعض الآخر ممن يعملون في منازل أثرياء المصريين كمنظفات للمنازل أو مربيات أو سائقين. كما يعلم مالكو العقارات أنهم باستطاعتهم رفع أسعار الإيجار للمهاجرين واللاجئين. فقد أخبرني مهاجر سوداني أن السماسرة المصريون يقيّمون المهاجر أو اللاجئ تبعًا لجنسيته ثم يعرضون عليه الأحياء السكنية وفقًا لذلك. ووفقًا لهذا النظام – غير الرسمي – المتبع قال المهاجر السوداني “هم يعلمون نوع كل عميل، ويعلمون كم يمتلك من أموال في حافظته”. وفائدة أخرى ذكرها الممثل للمنظمة الدولية لشؤون اللاجئين هي التحويلات البنكية من منطقة الخليج، أوروبا وأمريكا الشمالية للمهاجرين واللاجئين المتواجدين في مصر واللذين ينفقون هذه الأموال بالداخل.

وأخيرًا، فهذه السياسة المزدوجة تفيد مصر على المستوى الدولي. فبالامتناع عن الترحيل الجماعي للاجئين تثبت مصر أنها تفي بالتزاماتها الدولية المختلفة، ومن الممكن أن تستخدم الحكومة ذلك كورقة مساومة للدفاع عن مصالح المهاجرين المصريين المقيمين في الدول الغربية.

هناك استثناءين رئيسيين لسياسة عدم التدخل التي تتبعها مصر. الاستثناء الأول عندما تعتبر الحكومة المصرية مجموعة من المهاجرين أو اللاجئين تهديدًا للأمن القومي. وقد كان اللاجئون السوريون في هذا الوضع المؤسف بعد الانقلاب العسكري في 30 يونيو 2013. كذلك تعرض المهاجرون واللاجئون الأثيوبيون للفحص الدقيق حينما احتدمت الأمور بين الحكومة المصرية والإثيوبية بشأن مشروع سد المياه الإثيوبي في ربيع عام 2013.

الاستثناء الآخر عندما تتعدى منظمة الخط الفاصل بين تقديم المساعدات إلى المناصرة الحقوقية. فكما أفادت الحكومة رسميًا “نحن نفرق بين المنظمات السياسية التي تتعاطى مع حقوق الانسان وفقط حقوق الانسان، وبين المنظمات التي تعمل على تحسين الظروف الاقتصادية للمهاجرين واللاجئين وتقوم على رعايتهم”. يبدو الوضع العام للمنظمات غير الحكومية بمصر كارثي، ففي خريف عام 2014 تم مطالبة كل المنظمات بالتسجيل في وزارة التضامن الاجتماعي، وهو ما سيؤدي لإعطائها الحق في الموافقة أو الرفض على أي نشاط تقيمه المنظمات مقدمًا. وقد أخبرني بعض الأشخاص من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (EIPR) والذين يهتمون بحقوق المهاجرين بأنهم تلقوا تهديدات من وزارة الداخلية بخصوص نشاطهم الحقوقي. وقد انتقدت المبادرة عملية التسجيل لدى وزارة التضامن في البداية لكنها أعلنت مؤخرًا بأنها ستتقدم للتسجيل.

ما هي الفرص في أن تتجاوز الحكومة المصرية السياسة المزدوجة تجاه المهاجرين واللاجئين وتعمل على دمجهم في المجتمع المصري؟ احتمال يبدو بعيدًا جدًا. صرح العديد من المهاجرين واللاجئين عن ازدياد صعوبة الحصول على تصريح الإقامة في مصر. فقد أخبرني لاجئ أريتيري بأن “قبل الثورة كان التصريح يمتد لسنة أو أكثر، لكن بعد الثورة دائمًا ما يكون ستة أشهر”. وعندما سألت مسؤولًا حكوميًا حول إمكانية زيادة هذه المدة، قال ” زيادتها لمدة عام أو أكثر يعني أن الحكومة ربما تكون مسؤولة عن تطبيع وضع اللاجئين والمهاجرين، وبدون الحصول على أي مساعدة دولية في هذا الشأن”. للدواعي الأمنية لمصر ما بعد الثورة، تظل السياسة المزدوجة هي الاختيار الأوحد.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد