يخيم شبح الهجرة غير الشرعية بين التونسيين العاجزين عن منع أبنائهم من خوض غمار الخطر، على متن قوارب صغير، تنطلق من عدة نقاط ممتدة على طول الشريط الساحلي التونسي «1300 كيلومتر». كثير من هذه الرحلات ينتهي بمأساة الفقد في عرض البحر، أو الاعتقال في سجون إيطاليا التي غالبًا ما يقصدها المُخاطرون.

عشرون ألف تونسي هاجروا إلى أوروبا خلال السنوات الخمس الأخيرة، فالواقع التونسي بعد اندلاع الثورة، سبب صدمة كبرى في صفوف الشباب، الذين لم يستوعبوا كل هذه التحولات على الصعيد السياسي في مقابل انهيار اقتصادي واجتماعي. وجد الشباب التونسي، المحبط من الظروف حوله، نفسه أمام خيارين: إما الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا، أو الالتحاق بتنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، أو غيرها من التنظيمات المسلحة، التي ركزت، عبر شبكة الإنترنت، على استهدافهم.

الهجرة غير الشرعية بين التونسيين.. من وإلى أين؟

رغم أن ظاهرة الهجرة غير الشرعية، أو «الحَرْقة» كما يفضل التونسيون تسميتها، ليست جديدة على المجتمع التونسي، إلا أن ما يثير القلق هو تناميها بشكل مُلفت، بعد الثورة التونسية، التي عادةً ما يُضرب بها المثل.

الآلاف من الشباب التونسي ذكورًا وإناثًا، من العاطلين عن العمل وحاملي الشهادات الجامعية، توجهوا نحو البحر الأبيض المتوسط، خلال السنوات الخمس الماضية، فبينما تظهر دراسة حديثة أن حوالي 80% من المهاجرين السريين، ينحدرون من الجهات المحرومة والأحياء الشعبية الفقيرة، فهي أيضًا تذكر أن هناك تحولًا نوعيًا شمل أبناء الطبقة الوسطى، من معلمين وأساتذة وكوادر إدارية بنسبة 20%!

دراسة أخرى أعدها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تُبيّن أن 46% من المهاجرين، تتراوح أعمارهم بين 15 عامًا و24 عامًا، وأن 45% منهم من فئة العاملين المياومين، في حين إن 24% هم من التلامذة، وهو ما يثير قلقًا بالغًا من انسداد الآفق أمام الأجيال الأصغر في تونس.

وتظهر الدراسة الخاصة بـ«خاصيات المفقودين في عمليات الهجرة السرية في بداية 2011»، أنّ«غالبية المهاجرين غير الشرعيين يأتون إما من الأحياء الشعبية، سواء من العاصمة، أو من المناطق الريفية الداخلية التي تعـيش فقرًا مدقعًا».

أسباب الهجرة غير الشرعية رغم الثورة

في محاولة خطرة جدًا، يلجأ الشباب التونسي للهجرة غير الشرعية؛ بحثًا عن مستقبل أفضل في القارة العجوز. ويعد الواقع الاقتصادي والاجتماعي، وقناعة الشباب التونسي بأن المستقبل القريب في بلادهم لا يبشر بما هو أفضل؛ سببًا رئيسًا في تسجيل الهجرة غير الشرعية أعلى معدلاتها بعد اندلاع الثورة التونسية، وذلك بحسب الإحصاءات الرسمية كما أسلفنا.

هذه الإحصاءات تؤكد أن حوالي20 ألف تونسي، هاجروا إلى أوروبا بطريقة غير شرعية، خلال السنوات الخمس الأخيرة، وهو «رقم مفزع»، كما تصفه الصحافية التونسية «نائلة الحامي»، التي ترى أن عدم شعور الشباب التونسي بأن أي تغيير إيجابي، على أي مُستوى، قد طال البلاد على إثر الثورة، أحد أهم أسباب التحاقهم إلى ركب الخطر في عرض البحر.

وأضافت الحامي، في تعليق لـ«ساسة بوست»، أنه «لم يحدث أي تعديل في مخططات التنمية الإستراتيجية، بالقدرالذي يمكنه تقليص نسب البطالة المتعاظمة، أو فتح آفاق جديدة للشباب، في نفس الوقت وبالتوازي مع التقهقر الاقتصادي يعاني البلد من ارتفاع في نسب الفساد، تؤكدها أرقام حكومية رسمية، أو من المجتمع المدني التونسي والدولي، وهو ما يضيف قتامة على واقع الشاب التونسي».

المشهد السياسي العام في البلاد، على خارطة أسباب تنامي ظاهرة الهجرة غير الشرعية بين التونسيين، فبحسب نائلة الحامي، فالشباب التونسي، فقد الثقة في السياسيين التوانسة، وفي قدرتهم، أو رغبتهم أصلًا في التغيير، بحسب ما قالت.

ويمكننا الإشارة إلى أن ظروف ما بعد الثورة، سهلت عمليات الهجرة غير الشرعية، كفقدان السّيطرة على الحدود، وحالة الانفلات الأمني التي تشهدها سواحل تونس، إضافة إلى تأزم الوضع في ليبيا، وغياب المراقبة الأمنية على الشواطئ الليبية, كذلك لا يُمكن إغفال جُهد المافيا وعصابات الهجرة غير الشرعية، التي تمكنت من جعل الهجرة غير الشرعية، تجارة مُربحة.

دور «تنظيم الدولة» في زيادة معدلات الهجرة غير الشرعية

لا يُغفل أن ارتفاع معدلات الهجرة غير الشرعية بين التونسيين،ناجم عن زيادة استقطاب الجماعات المسلحة للشباب التونسي، الذي تحول عبر شاشة حاسوبه، من مواطن عادي إلى مُعتنق لأفكار التنظيمات المُسلحة «المتشددة»،مع وعود بالكثير من المزايا، حال خروجه إلى جبهات القتال!

20150729_103241_0500رغم أن نجاح الثورة التونسية، لم يحقق سبل العيش الكريم لكل مواطن تونسي، وبقي دافع سوء الوضع الاقتصادي الأبرز بين أسباب الهجرة، إلا أن الجماعات المسلحة تمكنت من استقطاب الشباب التونسي عبر الإنترنت، مُشكلةً شبكات دولية متطورةً جدًا، هتكت المجتمع التونسي.

ويُعد تنظيم الدولة الإسلامية، أبرز الجماعات المسلحة المستقطبة للشباب التونسي؛ إذ ارتفع عددهم في سوريا وحدها إلى ثمانية آلاف تونسي، محتلين بذلك المرتبة الرابعة، في قائمة جنسيات المسلحين في التنظيم، بعد الشيشان والسعودية ولبنان.

«تحولت الهجرة غير الشرعية، من قبل الشباب التونسي، نحو القتال، في بؤر التوتر كسوريا والعراق وليبيا. وتحولت أهدافهم من تحسين أوضاع المعيشة وشراء سيارة والزواج، إلى تملك سيارة هامر وزوجة من الرقيق وعملة ذهبية في دولة داعش»، أو كما يقول ناشط المجتمع المدني التونسي، مُخلص الكعوبي.

ويُضيف الكعوبي لـ«ساسة بوست»: «إن استقطاب الجماعات المُسلحة، للشباب التونسي، يُعد سببًا رئيسًا في زيادة معدلات الهجرة غير الشرعية». على سبيل المثال، استطاع «تنظيم الدولة» أن يُحسّن من صورة المناطق التي تخضع لسيطرته، على أنها مناطق آمنة، يُستطاب العيش فيها، حيث العدل والمساواة والعملة الذهبية والقوة والنساء.

خطط الحكومة التونسية لمواجهة الهجرة غير الشرعية

في إطار إجراءاتها للحد من الهجرة غير الشرعية، ومن اجتياز الحدود البحرية نحو أوروبا، تتخذ الحكومة التونسية العديد من الإجراءات، التي من بينها العمل على إعادة من تمكن من الهجرة، سواءً بالإجبار أو طواعيةَ.

كذلك، تقوم الحكومة بنشر عشرات السيارات ذات الدفع الرباعي، على المواقع التي ينطلق منها الشباب المهاجر؛ بهدف مراقبة كامل المناطق الحدودية، بخاصة في محافظات الشمال الغربي والجنوب. وتعتمد من أجل ذلك على تجهيزات تكنولوجية، قالت الحكومة التونسية، إنها تعمل بواسطة الأقمار الصناعية، ولم تغفل الحكومة التركيز على عمل خافرات بحرية تساعد على الدخول إلى أعماق البحر.

ومؤخرًا، أعلنت الحكومة على انطلاق مشروع مراقبة عبر الفيديو، للموانئ والمطارات الاستراتيجية، كميناء رادس ومطار تونس قرطاج الدولي، ومستودع الحجز الديواني ببن عروس، ومقر الإدارة العامة للديوانة التونسية.

وتقول الحكومة التونسية: «إن الأمن التونسي، تمكن من تفكيك 412 شبكة لتنظيم الهجرة غير الشرعية، خلال 17 عامًا الأخيرة»، إذ أعلن وزير الداخلية التونسي، لطفي بن جدو، أنه «منذ شهر أغسطس/آب 1998 وإلى حدود أغسطس/آب 2014 تمكنّا من تفكيك 412 شبكة متخصصة في تنظيم عمليات الهجرة غير الشرعية، ومنعنا تسلل 98 ألف و331 عنصرًا نحو إيطاليا، وأصدرنا قرارات بتتبعات عدلية «ملاحقة قضائية» ضد ألفين و308 وسيط».

ولأن الحكومة لم تتمكن، حتى الآن، من وقف تلك الهجرة غير الشرعية،أو على الأقل الحد منها، كما تظهر الأرقام، اضطرت الدول الأوربية المعنية، بمنع تدفق التونسيين إلى بلادها، لمساعدة الحكومة التونسية، كأن تسلم إيطاليا سفينتين للأغراض الأمنية، هبة منها بغرض منع التونسيين من التسلل باتجاه أراضيها، أو أن يمنح الديوان الفرنسي للهجرة والإدماج، تمويلًا لـ27 مشروعًا لصالح تونسيين، عادوا من فرنسا طواعية، بعد مشاركتهم في عمليات الهجرة غير الشرعية، وذلك من أجل مساعدة هؤلاء الشباب في إقامة مشروعات صغيرة ومتوسطة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد