تمثل قضية الهجرة جوهر العلاقات المغربية الأوروبية عمومًا والإسبانية خصوصًا، على اعتبار موقع المملكة الاستراتيجي الذي يطل مباشرة من شمال القارة الإفريقية الفقيرة على أوروبا الغنية، ما جعل هذه القضية محور الرهانات السياسية والأمنية والاقتصادية لضفتين، المغربية والإسبانية.

ما وراء الاقتحام الجماعي لسياج سبتة

خلال هذا الأسبوع، تمكن ما يزيد عن 850 مهاجرًا من دول العمق الإفريقي في ظرف 72 ساعة فقط، من اقتحام سياج سبتة ودخول إسبانيا، حسبما أوردت الوكالة الفرنسية للأنباء، وهو رقم يتعدى عدد المهاجرين السريين الذين تمكنوا من تجاوز السياج طيلة 2016.

الأمر الذي استدعى من وزير الداخلية الإسباني، خوان أغناسيو زويدو، إجراء لقاء صحفي على وجه السرعة، يؤكد فيه على أن العلاقات مع المغرب «سلسة، ومبنية على الثقة المطلقة والاحترام والتعاون»، واصفًا دور المغرب في مجال مكافحة الهجرة غير الشرعية «بالممتاز»، وبررت الحكومة الإسبانية موجة التسلل الجماعية الأخيرة بتقصير من جانبها في المراقبة الأمنية وكذلك لسوء الأحوال الجوية الذي يصعب مهمة رصد المهاجرين.

لكن الصحافة الإسبانية والأوروبية أخذت منحى آخر، وذهبت إلى اتهام الرباط بتعمد التراخي في وقف تدفق المهاجرين القادمين عمومًا من إفريقيا جنوب الصحراء، وأوردت في هذا الصدد صحيفة «إليمبارسيال» أن «السلطات الأمنية المغربية تعمدت غض الطرف والسماح للمهاجرين الأفارقة بدخول التراب الإسباني»، مبررة تراخي المغرب في صد المهاجرين السريين خلال الأيام الأخيرة بإهمال الاتحاد الأوروبي مساعدة الرباط بشأن هذا الملف، في الوقت الذي تفرغت فيه جهوده في معالجة الهجرة بالحدود التركية والليبية.

بينما صحيفة «لا إنفورماثيون» الإسبانية ردت الموجة الأخيرة للمهاجرين غير الشرعيين، الذين تمكنوا من عبور حدود سبتة، إلى أن الأمن المغربي قرر أن يكون أكثر تساهلًا في ما يتعلق بملف مكافحة الهجرة، باعتباره رد فعل على قرار أعلى هيئة قضائية أوروبية بلوكسمبورغ، وهو ما أكده موقع «إليكونديفونسيال» الذي نبه إلى أن المغرب يهدد بإعادة فتح صنبور الهجرة تجاه إسبانيا، على خلفية استثناء مناطق الصحراء من الاتفاق الزراعي الموقع بين الرباط ودول الاتحاد الأوروبي، كما أقرت بذلك محكمة العدل الأوروبية في 21 ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي.

وكان عزيز أخنوش وزير الفلاحة والصيد البحري المغربي في حكومة تصريف الأعمال، قد صرح قبل أسبوعين قائلًا: «لماذا نواصل تخصيص عدد كبير من رجال الشرطة لحماية الحدود ومنع المهاجرين من الدخول لإسبانيا وتوفير مواطن الشغل للمهاجرين الإفريقيين المستقرين في المغرب»، فيما نقلت مصادر إعلامية عن ناصر بوريطة، الوزير المنتدب لدى وزير الخارجية المغربية، قوله إنه من غير الممكن تحديد مستقبل الصحراء من طرف قاضي محكمة العدل الأوروبية.

وعليه يذهب مراقبون إلى أن المغرب يستخدم ورقة الهجرة للضغط على الاتحاد الأوروبي لعدم إقحام قضية الصحراء في الاتفاقيات الفلاحية المبرمة مع المملكة، وفي نفس الوقت لتقديم مزيد من المساعدات المالية للقيام بدور شرطي الهجرة لصالح أوروبا، بعدما تناسته الأخيرة في انشغالها بتدفقات الهجرة من الحدود التركية والليبية.

هل يستطيع المغرب الضغط على أوروبا بالهجرة؟

يعود التعاون بين المغرب وإسبانيا في مجال الهجرة إلى سنة 1992، حينئذ وقع البلدان اتفاقية تنص على استقبال المغرب للمهاجرين القادمين من أراضيه، وكان المغرب يستقبل مواطنيه من المهاجرين السريين إلا أنه ظل يرفض استقبال المتسللين من الجنوب الإفريقي، قبل أن يقر الاتحاد الأوروبي شراكات أخرى، بموجبها يقوم فيها المغرب بدور شرطي الهجرة مقابل معونات مالية سنوية، وفتوح الأسواق الأوروبية أمامه منتوجاته الزراعية والنسيجية.

لكن مع ذلك، ظلت الهجرة السرية تتسبب بين الفينة والأخرى في أزمات بين المغرب وإسبانيا، حيث تُصرف من خلالها المشاكل السياسية والاقتصادية العالقة بينهما، وذلك بترك الحدود دون حماية كافية أمام المهاجرين السريين للعبور تجاه مجال الاتحاد الأوروبي الحدودي، غير أن معظم الأوقات يسود التعاون الأمني الوثيق بين السلطات المغربية والإسبانية، حتى بات المغرب شرطيًّا يعتمد عليه في الحفاظ على حدود الضفة الأخرى، ولا سيما بعد أن تعاظمت مشاكل الهجرة في أوروبا خلال السنوات الأخيرة.

وإذا كان المغرب يلجأ بعض الأحيان إلى استعمال الهجرة باعتبارها ورقة للضغط على الاتحاد الأوروبي من أجل مصالحه الاقتصادية والسياسية، فإنه بالرغم من ذلك لا يستطيع التخلي عن شراكته مع إسبانيا في هذا الملف، بالنظر إلى المصالح التي يجنيها مقابل حرص حدود أوروبا.

تحتضن بلدان الاتحاد الأوروبي قرابة خمسة مليون مهاجر مغربي مقيم، أي ما يعادل سبع مجموع سكان المغرب، وتستأثر إسبانيا بنحو 750 ألف مغربي مهاجر، ومنه يشكل هذا العدد الضخم من المهاجرين منجمًا للعملة الصعبة بالنسبة للمملكة، حيث تنعش الجالية المغربية المقيمة في أوروبا وحدها خزينة المغرب بما يفوق خمسة مليارات يورو. ومن جهة أخرى تحللت الدولة المغربية من تبعات هذا الضغط الديموغرافي الضخم، الذي لا تستطيع أن توفر له فرص الشغل والتعليم والصحة والسكن، وبالتالي كانت الهجرة حلًّا سياسيًّا بديلًا للحكومات المغربية طوال عقود.

علاوة على ذلك، يعتبر الاتحاد الأوروبي الشريك الاقتصادي الأول للمغرب بما يتجاوز %67 من المبادلات التجارية، إذ تشكل السوق الأوروبية الوجهة الرئيسية للمنتوجات الزراعية والبحرية والنسيجية المغربية، كما أن الصادرات الزراعية للمغرب نحو الاتحاد الأوروبي تبلغ ما بين 82% إلى 86% من مجموع ما يصدره المغرب زراعيًّا للخارج، مع العلم أن الصادرات الفلاحية للمغرب تعتبر ركيزة مهمة في الاقتصاد المغربي. ومن الصعب على المغرب العثور على أسواق أخرى أكثر استقرارًا وربحًا مثل السوق الأوروبية.

ومن ثمة، يذهب مراقبون إلى أن تلويح المغرب أحيانًا بالتخلي عن الشراكة مع الاتحاد الأوروبي واستعمال ورقة الهجرة لا يعد خيارًا صائبًا عمليًّا بالنسبة للمغرب، وليس سوى رسائل سياسية توصل الانزعاج المغربي إلى قادة الاتحاد الأوروبي بتضرر مصالحه الحيوية بطريقة أكثر جرأة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد