يشهد الشارع الجزائريّ غليانًا غير مسبوق في آخر أسبوع قبل الانتخابات الرئاسيّة المزمع عقدها الخميس 12 ديسمبر (كانون الأوّل) القادم، إذ تصرّ السلطة على المضيّ في إجراء هذه الانتخابات رُغم الرفض الشعبي الواسع الذي تلقاه، خصوصًا وأن الحراك الشعبي المستمر منذ أكثر من تسعة شهور كاملة، والذي نجح في إيقاف قطار العهدة الخامسة للرئيس السابق بوتفليقة وأجبره على الاستقالة، يرفُض هذه الانتخابات بشكلها الحالي، بسبب خلوّها من شروط الشفافيّة والنزاهة حسب آراء قطاع عريض من المشاركين فيه، ويدعو إلى إلغائها. وقد اتخذ الحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير (شباط) الماضي منحى التصعيد، إذ انتشرت المسيرات اليوميّة في الكثير من المدن الجزائريّة، بالإضافة إلى إضراب عام لقي استجابة جدّ معتبرة لدى العديد من المحلّات والمؤسسات.

هل يكون ميهوبي مرشّح «السلطة الفعليّة»؟

خمسة مرشّحين سيتنافسون في انتخابات تلقى رفضًا شعبيًا كبيرًا، إذ يرى المشاركون في الحراك أنّهم محسوبون على نظام بوتفليقة، ويتعلّق الأمر بكلّ من عبد المجيد تبّون الوزير الأوّل السابق وعضو في «جبهة التحرير الوطني» الحاكم، وعبد القادر بن قرينة وزير السياحة السابق ورئيس «حركة البناء الوطني» (إسلاميّون)، وعلي بن فليس، رئيس الوزراء السابق ورئيس حزب «طلائع الحرّيات»، وعبد العزيز بلعيد رئيس «جبهة المستقبل»، لكن الشخصيّة التي ارتفعت أسهمها في الأيّام القليلة الماضية، والتي من الممكن أن تكون «حصان السلطة الأسود» في هذه الانتخابات، هو عز الدين ميهوبي، وزير الثقافة السابق ورئيس «التجمع الوطني الديمقراطي» الحاكم. 

انتشرت عدّة قرائن وإفادات من متابعين وصحافيين تشير إلى احتمال أنّ السلطة الفعلية ممثّلة في المؤسسة العسكريّة قد تميل إلى اختيار ميهوبي من بين المرشّحين الخمسة، ودعمه للفوز بمنصب الرئاسة. وقد أعلن بعض الداعمين السابقين للمرشّح عبد المجيد تبّون، الذي كان يبدو في مرحلة سابقة هو أقرب المرشّحين من السلطة الفعليّة، انسحابهم من حملته وانضمامهم لحملة ميهوبي. من بينهم سليمان كرّوش، الذي نشر بيانًا بصفته رئيسًا لما أسماه «اللجنة الوطنية لمساندة المترشح الحرّ عبدالمجيد تبّون» يعلن فيه انسحابه من الحملة، ودعمه للمرشّح عزّ الدين ميهوبي ودعوته الجميع إلى الالتحاق بحملة الأخير.

على جانب آخر أشارت بعض المصادر إلى وجود دعم إماراتي – لم يجرِ التأكّد منه- يضغط من أجل دعم ميهوبي للوصول إلى الرئاسة، وبهذا الدعم، تكون السلطة الفعليّة قد اختارت شخصيّة مأمونة الجانب من شأنها ألا تهدّد نفوذ المؤسسة العسكريّة ولا تخرج عن الخطّ المرسوم لها مسبقًا. 

وقد أكّد أحد المشاركين في الحملة الانتخابية لأحد المترشّحين الخمسة أن الإدارة بالفعل منحازة لميهوبي، كما أشار الصحافي عبد النور بوخمخم بأن أعضاء حزب «جبهة التحرير الوطني» الحاكم، بالإضافة إلى شبكات المقاولين ورجال الأعمال القريبين من السلطة، قد وصلتهم تعليمات من السلطة الفعليّة تفيد بدعم المرشّح عز الدين ميهوبي، وأضاف بأنّ حشد الدعم لميهوبي ترشف عليه مؤسّسات الدولة الرسميّة بالإضافة إلى المستفيدين من صفقاتها العموميّة.

المُثقّف والسلطة.. من عالم الكتابة والأدب إلى الترشّح لقصر المُرادية

وُلد عزّ الدين ميهوبي بمحافظة مسيلة الواقعة في الجنوب الجزائري سنة 1959، وحصل على شهادة جامعيّة في الأدب العربي وتخرّج في المدرسة الوطنيّة للإدارة -وهي المدرسة التي تخرّج المسؤولين في الوزرات والمحافظات- وبدأ مشواره في الصحافة الرياضيّة من خلال جريدة «الملاعب»، ثم انتقل بين العديد من الوسائل الإعلاميّة، إذ عمل مسؤولًا في التلفزيون الوطني وترأّس تحرير جريدة «الشعب» الحكوميّة، ليُصبح نائبًا في البرلمان عن حزب «التجمّع الوطني الديمقراطي» في انتخابات 1997 التي شهدت عمليّة تزوير واسعة النطاق من أجل إزاحة حزب «جبهة التحرير الوطني» واستبداله بـ«التجمّع» الذي حصل على الأغلبية رغم أنّه تأسّس قبل الانتخابات بأربعة شهور فقط.

الشاعر والكاتب الروائي الذي يملك في رصيده العديد من الكتب والمسرحيّات المنشورة، تقلّد عدّة مناصب في مؤسّسات ثقافية حكوميّة، من بينها ترأسه لـ«اتحاد الكتّاب الجزائريين» ورئيس «المجلس الأعلى للغة العربية»، ليُصبح وزيرًا للثقافة خلال العهدة الرابعة للرئيس بوتفليقة سنة 2015. 

Embed from Getty Images

عز الدين ميهوبي

لا شكّ أن ترشّح ميهوبي يلقى غضبًا كبيرًا من طرف الحراك الشعبي الذي يعتبره -رفقة المرشّحين الآخرين- جزءًا من نظام بوتفليقة، إذ كان الرجل وزيرًا للثقافة إلى غاية الأيّام الأخيرة لبوتفليقة. ودائمًا ما رافق الجدل والانتقاد ممارسات ميهوبي أثناء مشواره في قطاع الثقافة، سواء أثناء تقلّده منصب الوزراة أو حتّى قبلها، إذ لاحقته العديد من اتهامات الفساد المالي والسرقات الأدبيّة من طرف خصومه في الساحة الثقافية والقريبين من دواليب الوزارة التي كان على رأسها، بالإضافة إلى حديثهم عن علاقات خاصة تربطه بدولة الإمارات.

عربي

منذ 7 شهور
مرشّحون رغم أنف الشعب.. هل تحوّلت الانتخابات الجزائرية إلى فقرة كوميدية؟

فساد وسرقات أدبيّة.. اتهامات معارضي ميهوبي

في تصريح خاص لـ«ساسة بوست»، ذكر عبد العالي مزغيش، الصحافي والناشط الجمعي الجزائري في قطاع الثقافة بعض القضايا والملفّات التي يتّهم فيها -بحسب ما ذكره لنا- مرشّح الرئاسة ميهوبي بإهدار الأموال والسرقة الأدبية والاستعانة بعائلته وأصدقائه المقرّبين أثناء تواجده في على رأس الوزارة، ويُذكر أن السيد مزغيش قد دخل في صراع مع ميهوبي لسنوات، وجّه فيها للوزير السابق جملة من الانتقادات.

ووجب التنويه أننا لم يتسن لنا الحصول على رد من المرشح ميهوبي أو من يمثله أو يؤيده للرد على هذه الاتهامات، لذا فنحن نعرضها على لسان المصدر وفي حال وصلنا الرأي الآخر سيتم إدراجه في نفس المادة.

يقول عبد العالي مزغيش لـ«ساسة بوست»: «لم يفتح ميهوبي ملفّات الفساد التي كانت علي طاولته رغم مطالبته بذلك، وكان يعلم بتفاصيلها لكنه فضّل عدم الخوض فيها، ومن أبرزها تمويل فيلم «الأمير عبد القادر» الذي استهلك حوالي 2 مليار دينار دون أن تُصوّر منه لقطة واحدة، رغم أن ميهوبي اعترف بهذه الفضيحة، ومن القضايا أيضًا، منحُ لجنة القراءة لتظاهرة (تلمسان عاصمة الثقافة الاسلامية 2011) مبلغ 700 مليون دينار لسبعة ناشرين موسميين متطفلين، مُقابل طبع عدد من الكتب لا يتجاوز 14 كتابًا».

وعن علاقته بالإمارات يقول مزغيش بوجود علاقات حقيقيّة تربطه بالإمارة الخليجيّة، مفتاحها بعض رجال الأعمال الإماراتيين الذين يعملون في الجزائر والقريبين من الرئيس السابق بوتفليقة. يضيف مزغيش: «ومن القضايا التي تستر عليها مسألة تزوير الشهادات العليا في (المعهد العالي للموسيقى)، إذ تستّر ودافع عن أستاذة روسية الجنسية، تمكنت بفضل التزوير واستعمال المزوّر من الاشتغال أستاذة جامعية في المعهد لسنوات طويلة، بفضل شهادة ماجستير اتّضح أنّها مزوّرة، وحين نبّه مدير المعهد جمال غازي إلى فضيحتها، قام الوزير بتنحيته وأمر مصالِحه بمنحها التقاعد رغم أن قضيتها لحد الآن في القضاء». 

ويشير مزغيش إلى استعانة الوزير بأفراد من أسرته وتنصيبهم في مناصب رفيعة في وزارته: «عيّن ميهوبي أثناء فترته وزيرًا للثقافة، مقرّبين منه عائليًا و جهويًا وحزبيًا في مناصب هامة في قطاعه، إذ نصّب من أبناء عرشه وقريته وحزبه وولايته الكثير الكثير، فمديرو ثقافة ومحافظو بعض التظاهرات كانوا من حزب «التجمّع الوطني الديمقراطي» ومنهم مدير ثقافة محافظة المسيلة، ومحافظ مهرجان مسرح الهواة بمستغانم، وغيرهم».

Embed from Getty Images

تجمّع انتخابي لعزّ الدين ميهوبي

يضيف المصدر بأنّ ميهوبي وعد خلال تواجده على رأس وزراة الثقافة بعدّة مشاريع لكنّه لم ينجز أيًّا منها: «كانت مجرد كلام للتسويق الإعلامي، مثل حكاية المدينة السينمائية وحكاية استوديو السمعي البصري لتسجيل الصوت لفائدة السينمائيين، وحكاية مجلة كبيرة للبلاد وجائزة الدولة للآداب، وحكاية إنعاش حركة الترجمة وحكاية دعم المسرح… إلخ» 

ويضيف في حديثه لـ«ساسة بوست» أنّ ميهوبي استغلّ نفوذه باعتباره وزيرًا للثقافة من أجل التسويق لأعماله الفنيّة عبر استغلال مؤسّسات الدولة التابعة لوزراته: «خلال تقلُّده منصب الوزارة، لم يتوقف عزالدين عن إنتاج النصوص المسرحية التي يقترحها على مؤسسات تابعة لقطاعه، ليستفيد هو من حقوق إنتاجها وبرمجتها في الولايات. ولم يتوقف عند هذا بل راح ينتج نشيدًا للعمال الأفارقة من تلحين الموسيقار سليم داده، والذي نال عنه حقوق التأليف، فيما ترجمت محافظة الأمازيغية كتابًا شعريًا له من العربية إلى الأمازيغية». 

«قرّب الوزير السابق أشخاصًا ومنحهم مشاريع سينمائية، ومنهم سميرة حاج جيلالي، هذه المليارديرة التي صارت اليوم مديرة حملته الإعلامية، فيما تتحدث أوساط إعلامية عن تورطها في «قضية الخليفة»، ولا تستبعد الأوساط نفسها استدعاءها للتحقيق مباشرة عند فتح هذا الملفّ، وهي التي كانت مديرة تلفزيون «الخليفة». وقد منحها مشاريع سينمائية بعشرات المليارات، خصوصًا فيلميْ «أحمد باي» و«ابن باديس».

تاريخ

منذ 7 شهور
مترجم: لماذا لم تنشر فرنسا أرشيف حرب الجزائر حتى الآن؟

يضيف السيد مزغيش بأنّ الوزير استخدم الإقصاء ضدّ خصومه، كما كان داعمًا لوزيرة الثقافة خليدة تومي التي تقبع في السجن بسبب قضايا إهدار الأموال أثناء تواجدها على رأس قطاع الثقافة: «ميهوبي أخفق جدًا في تسيير الثقافة بسبب عقلية الإقصاء، فالرجل لا يؤمن بالاختلاف وبمجرد تأكُّده أنك ضده، سيُحاول استدراجك للاعتذار منه، وإلا فسيتكفل بتشويهك وإتعابك بإغراقك في قضايا وهمية في العدالة.لا ننفي إطلاقًا الإهدار الكبير والفظيع للمال العام في عهد خليدة تومي، ونذكُر دومًا أن ميهوبي آنذاك كان فاعلًا في المشهد الثقافي، وقد كان داعِمًا للوزيرة الفاسدة حتى أنّه لم يرفض أن يكون مديرًا «للمكتبة الوطنية» التابعة إداريًا إلى وزارة خليدة تومي، ولم يتغيّر شيء في عهده لما وصل إلى الوزارة، بعد رحيل د. نادية لعبيدي (الوزيرة السابقة)، بل أصبح الأمرُ أشدّ مضاضة لأنّه محسوب على المثقفين، وفي عهده تم تهميش أغلبهم أو شراء ذمّة البعض أو تهديده. 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد