يبدو أن سمات التقارب السعودي التركي، والذي سبقه زيارات متتالية بين الدولتين منذ فبراير الماضي، فضلا عن التعاون العسكري الأخير بين قطر وتركيا، بدت تطفو على السطح، عبر تشكيل تحالف دولي يهدف إلى القضاء على نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

لذلك، فإن التحالف العسكري التركي السعودي بوساطة قطرية ومساعدة أمريكية، جاء بعد جلسات سياسية ودبلوماسية مطولة داخل البيت الأبيض قبل شهرين، لتحديد بوصلة التدخل في سوريا.

أمام هذه التطورات تكثر التساؤلات حول سيناريوهات تنفيذ التحالف، ومخاطره على الدول المشاركة، وطبيعة الأدوار الموزعة، إضافة إلى فرص نجاحه، والموقف الدولي منه.

أولا: ما تفاصيل التحالف العسكري التركي السعودي ضد الأسد؟

العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز خلال استقباله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخرا

وفقا لصحيفة “هافينغتون بوست″ الأمريكية فإن طبيعة الهجوم على سوريا، تتضمن أن تقدم تركيا القوات البرية، في حين تقدم السعودية الدعم بالغارات الجوية؛ وذلك كله بهدف مساعدة مقاتلي المعارضة السورية المعتدلين للانتصار على نظام الأسد.

تقسيم هذه الأدوار سبقها عقد تركيا والسعودية، وهما دولتان لديهما تاريخ طويل من التنافس؛ محادثات على مستوى عال مؤخرا؛ بهدف تشكيل تحالف عسكري للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد.

وتذكر الصحيفة أن الإدارة الأمريكية تعمل على تشجيع دول الخليج من أجل زيادة جهودها، والمشاركة في تعزيز الاستقرار والأمن الإقليميين، خاصة في سوريا، ولكن جهود الإدارة لم تثمر شيئا حتى الآن.

ولا يعرف إن كان التعاون التركي السعودي مختلفا، فالحملة التي تقودها السعودية في اليمن ضد جماعة الحوثيين تظهر أن السعودية أصبحت أكثر جرأة في استخدام قواتها لمواجهة التحديات المحيطة بها، بدلا من الاعتماد على جماعات وكيلة عنها.

ويشار إلى أن تركيا والسعودية تناقشان بين فترة وأخرى جهدا تعاونيا في سوريا، يشمله تعزيز المساعدات للمعارضة السورية، وتوسيع نطاق التعاون الشامل في مجال الدفاع والمسائل الأمنية.

وثمة من يرى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد اتخذ جملة من الخطوات التي تشير إلى استعداده لنشر قوات برية في سوريا، حتى أنه بعد أسابيع من اجتماعه بالعاهل السعودي مارس الماضي وقع اتفاقا للدفاع مع قطر؛ لتسهيل تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون العسكري.

وبالتالي، يندرج هذا الاتفاق تحت صفقة التدريب المشترك بين الدولتين الموقعة في عام 2012، وهو يضع قطر في موقف جيد للتوسط في المحادثات بين تركيا والمملكة العربية السعودية.

ويعد الجيش التركي واحدًا من أكثر الجيوش المهيمنة في المنطقة، وهو ما يفسر حرص السعودية الحصول على مساعدات تركيا في تحقيق الاستقرار في أجزاء من سوريا، ودعم المعارضة غير الإسلامية، والضغط على الأسد للتفاوض؛ لإنهاء الحرب الأهلية بطريقة تشمل رحيله عن السلطة.

وبالتزامن مع التحالف الجاري بين الدولتين، فإن الأتراك قد دعموا إزالة الأسد منذ اشتداد الأزمة المتفاقمة في سوريا، ولكنهم كدولة غير عربية، لم يكونوا مستعدين للقيام بدور أكبر دون الحصول على تحالف موسع يضم السعودية، وهي القوة العربية السنية الرئيسة.

ثانيا: ما احتمالية حدوث الضربة ضد سوريا، ولماذا تم إنشاء التحالف؟

الرئيس الأمريكي باراك أوباما خلال استقباله أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني “أرشيف”

بلا شك أن العلاقات السورية السعودية قد تراجعت في عهد الرئيس بشار الأسد بسبب دعم سوريا لجماعات في لبنان وانتقاد السعودية لسياسة سوريا التي ساعدت على تفاقم الوضع في لبنان.

فضلا عن انتقاد السعودية لسورية بسبب دعم (حزب الله) والتحالف السوري الإيراني، ودعم الأولى لجماعات وأحزاب مناهضة للنظام السوري، مما زاد العلاقات سوءًا بينهما.

ويرى مراقبون أن إلحاح السعودية لتدخل عسكري ضد سوريا عبر تعاون مع تركيا وقطر يتحرك باتجاهين، الأول في دعم الجهود السعودية في إعادة تشكيل المعارضة السورية، من خلال بث الروح في الجسد الميت.

أما الاتجاه الثاني، فهو العمل على بلورة رؤية مشتركة تطلق حراكا سياسيا دوليا من شأنه أن يدفع باتجاه اتخاذ مواقف دولية أكثر حزما فيما يتصل بإلجام نظام الأسد عن الاستمرار في عدوانه على المدنيين السوريين، وهو ما مهد الطريق لإعلان تحالف مشترك مؤخرا.

وفيما يتعلق بالعلاقات السورية التركية، والتي تشهد مدًا وجزرًا طيلة العقود الماضية، باستثناء توترها خلال سنوات النزاع السوري منذ مارس 2011م، حتى باتت اليوم سمة بارزة في التعاطي معها.

ويذكر أن انتعاشها كان من 2000 إلى 2010 بعد انتهاء أزمة أكتوبر/ تشرين الأول 1998 التي كادت تشعل حربا بينهما على خلفية استضافة سوريا القائد الكردي عبد الله أوجلان.

أما عن فرص نجاح التحالف، فيرى مراقبون أن التعاون المحتمل بين السعودية وتركيا قد يكون مدفوعا في جزء منه بالتصور بأن إيران وأمريكا تتحركان في اتجاه علاقات أفضل بينهما.

حتى الآن، ووفقا للصحيفة الأمريكية التي انفردت بخبر التحالف القريب، فإنه من غير المرجح أن يحدث أي تدخل مشترك في سوريا من قبل السعودية وتركيا قبل انتهاء اللقاء المرتقب في كامب ديفيد ربيع هذا العام بين أوباما ورؤساء دول مجلس التعاون الخليجي.

وترى الإدارة الأمريكية، أنه في حال تقدم المحادثات بين السعودية وتركيا فسيتم التدخل العسكري في سوريا، سواء دعمته الولايات المتحدة أم لم تدعمه، وسط ترحيب مسؤولين في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة بما تمخضت عنه المباحثات الأخيرة.

حيث تنظر المعارضة للمحادثات أنها ستغير من زخم المعركة لصالح المعارضة، وستجبر النظام على الجلوس على طاولة المفاوضات، للحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة البلاد، وإنشاء دولة علمانية وديمقراطية وتشاركية دون الأسد.

فبالنسبة للسعودية، فإنها ترغب بدور تركي لتحقيق الاستقرار في سوريا، ودعم الجماعات غير الجهادية السورية، والضغط على “الأسد” للتفاوض من أجل إنهاء الحرب الأهلية، الذي يشمل رحيله من السلطة، لذلك ترغب تركيا برحيل الأسد، لكنها لا تريد أداء دور قيادي دون العرب.

وإظهار السعودية استعدادها للتدخل العسكري، يأتي في سياق عمليتها “عاصفة الحزم” المستمرة  ضد الحوثيين في اليمن، وسط دعم لوجستي واستخباراتي من قبل أمريكا، والتي لا تتدخل مباشرة في العملية.

في حين نجد أن المعارضة التركية تنظر بعين القلق إذا ما تدخلت فعليًا تركيا في التحالف العسكري وشنت ضربة عسكرية ضد سوريا، خاصة بالتزامن مع الحديث عن إمكانية نشر قوات برية قريبة في سوريا.

ثالثا: ما فرص نجاح التحالف للإطاحة ببشار الأسد؟

الرئيس السوري/ بشار الأسد

يرى سياسيون أنه من المبكر الحديث عن خطط إستراتيجية في طريقها إلى الإنجاز أو أن ترى النور قريبا، للإطاحة بنظام الأسد، كما تتوقع مراكز أبحاث أميركية، تأسيسا على الحراك السياسي بين أقطاب المنطقة العربية الشرق أوسطية، خاصة السعودية وتركيا، منذ فبراير الماضي.

فيما تتوقع أوساط سياسية أن عاصفة الحزم سوف تنتقل شمالا لتضع حدا للحالة السورية التي أوغلت في الدم والخراب، بالتزامن مع ما تقوم به السعودية ودول الخليج في ردع الحوثيين، على أنه مقدمة للخلاص من نظام الأسد.

وتعتقد هذه الأبعاد أنه ليس من المستبعد بلورة تحالف سعودي تركي، تدعمه دولٌ عدة، لكنه لن يماثل بأي حال مهمة عاصفة الحزم، كما أنه غير وارد الآن في هذه المرحلة بسبب انشغال تلك القوى بإنجاز مهمتها في اليمن وهي تشهد توسعًا في العمليات العسكرية الجوية، وإلحاقها بعملية برية.

لذلك، فإن تحالف السعودية وتركيا، إذا قيض له أن يولد بمباركة أميركية، سوف يكون مرتبطًا بالمنظومة الأمنية الخليجية، التي تلعب أطرافها دورا محوريا في تذليل الصعاب بينهما، بما يقود إلى ممارسة ضغط فعال يجبر نظام الأسد على التفاوض، وكذلك تأهيل فريق معارض قادر على تحمل مسؤولياته.

وبالتالي، إن لم يكن هناك رؤية شاملة للحل في سوريا، تتضمن كيفية التعامل مع “داعش” من جهة، وجبهة النصرة من جهة ثانية، فإن أي تحالفات جديدة لن يكون مصيرها أقل مما آل إليه التحالف الدولي لمحاربة داعش، كما يرى مراقبون.

حتى أن النجاحات التي حققتها عاصفة الحزم يمكن أن تشكل لدى القادة الإقليميين، السعودية والإمارات وقطر؛ دافعًا للعمل المشترك، ليس لنسخ تجربة “الحزم” في سوريا، بل للقيام بدور أساسي لإنشاء تحالف إقليمي، من أجل فرض تسوية مرتبطة بالتغيير.

رابعا: ما طبيعة الموقف الدولي حيال التحالف ضد سوريا؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأمريكي باراك أوباما

يتباين الموقف الدولي حول التحالف العسكري التركي السعودي لإسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، فأمريكا ترغب في مساعدة الدول العربية لتطوير دفاعاتها كي تكون قادرة على حماية نفسها من المخاطر الخارجية.

حتى أنها تريد من دول الخليج زيادة جهودها والمشاركة في تعزيز الاستقرار والأمن الإقليميين خاصة في سوريا، إضافة إلى مواصلة دعم المعارضة المعتدلة.

بالنسبة لروسيا، فمن الطبيعي أنها سترفض أي هجوم محتمل ضد سوريا، كما الصين أيضا، فترسل الأولى بين الفينة والأخرى جملة من الرسائل بالجهود الروسية الهادفة إلى الإسراع بوقف أي عنف في سورية من خلال إطلاق حوار شامل بين الأطراف المتجابهة وتنفيذ تغييرات ديمقراطية في البلاد.

وعلى ضوء العمل غير البسيط المتواصل بما في ذلك في مجلس الأمن بهدف تسوية الأزمة السورية، دعا ميدفيديف نظراءه لتجنب القيام بخطوات متسرعة أحادية الجانب مؤكدًا وجوب أن يكون موقف الأسرة الدولية موضوعيًا ومتوازنًا.

وتنظر روسيا إلى أن أي “عدوان” كما تسميه على سوريا، سيقابله تزويد الحكومة السورية بالسلاح لمكافحة “الإرهاب”، وسط تأكيدها على ضرورة إيجاد صيغة سلمية لتسوية الأزمة في سورية من قبل السوريين أنفسهم دون تدخل أجنبي وعلى أساس مبدأ احترام سيادة سورية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد