لم يمض على مكوث قادة «الحركة الشعبية لتحرير السودان» في الخرطوم سوى أسابيع معدودة، عقب سنوات طويلة قضوها في المنفى، حتى صدرت قرارات اعتقال بحقهم، تبعها ترحيل لهم جميعًا خارج البلاد عبر طائرة عسكرية نقلتهم إلى دولة جنوب السودان، وهم مقيدو اليدين.

امتدت فترة اعتقال قادة الحركة نحو أسبوع في أعقاب فض اعتصام المحتجين في العاصمة الخرطوم، وسقوط مئات القتلى، قبل أن يتم ترحيلهم عقب زيارة لرئيس الوزراء الإثيوبي، وسط تفسيرات متباينة لدوافع المجلس العسكري لهذا القرار، الذي عكس تخوفًا من بقاء هؤلاء القادة في السودان، وما هي نقاط القوة للتأثير في الداخل السوداني.

ما هي «الحركة الشعبية لتحرير السودان»؟

في عام 1983، أسس جون قرنق، الضابط السابق بالجيش النظامي السوداني، كيانًا سياسيًا مُعارضًا، من خارج البلاد، بعدما انشق عن المؤسسة العسكرية التي انضم لها عام 1972 برتبة نقيب، في إطار تفاهمات سياسية لاحتواء المُتمردين في الجنوب، وتدرج، بعد ذلك خلال سنوات انخراطه في الجيش في الرتب العسكرية حتى وصل لرتبة عقيد، ومُحاضر في «أكاديمية الخرطوم العسكرية» ببعد نيله دورات تدريبية بأمريكا.

المجلس العسكري

جون قرنق

وقائع تأسيس الحركة تعود حين جرى تكليف قرنق بإخماد تمرد نشب في منطقة الشمال باستخدام القوة العسكرية؛ ليرفض الانصياع للأوامر، وينشقّ عن الجيش السوداني، ويُعلن نفسه زعيمًا لهؤلاء المتمردين، مؤسسًا «الجيش الشعبي لتحرير السودان»، الذي ظل في مواجهات عسكرية ضد الجيش السوداني عبر مجموعة من المتمردين المُسلحين.

امتدت هذه المواجهات كذلك على المستوى السياسي، بعدما نجح قادة الحركة عبر جناح سياسي في تدويل قضية السودان، ونسج صلات نافذة مع قادة الحكومة الغربيين، والولايات المتحدة الأمريكية.

ظلت هذه المجموعة قائمة، بهيمنة عددية لمتمردي الجنوب داخلها، تقود القتال ضد قوات حكومة الخرطوم من أجل انفصال الجنوب، بينما كان قرنق يؤكد دومًا على أن هدف الحركة هو إقامة دولة سودانية واحدة شرط أن تكون علمانية، بينما طالب قادتها الآخرون بالانفصال. صراحة وقد مثل «الجيش الشعبي لتحرير السودان»، الجناح العسكري المُسلح للحركة في الحرب التي استمرت بين شمال السودان وجنوبه لمدة عشرين عامًا.

وفي يوم 30 يوليو (تموز) 2005؛ انتهت المسيرة السياسية لقرنق، بعدما تحطمت مروحية كانت تحمله من أوغندا إلى جنوب السودان، مما أدى إلى وفاته هو وأكثر من 10 أشخاص كانوا معه في المروحية، وسط تفسيرات متباينة لسقوط الطائرة بكونها اغتيالًا؛ بينما ظلت مسيرة الحركة قائمة وتزداد حضورًا داخليًا وخارجيًا.

بعد وفاة قرنق، وانفصال جنوب السودان عام 2011، ظلت العلاقة بين قادة الحركة والحكومة السودانية تتأرجح بين الهدوء الحذر والتوتر، تخللها انعقاد اتفاق للتهدئة بين الطرفين، قبل أن يعود التوتر مُجددًا، بعدما استمرت الحركة في معارضة نظام البشير وقادت تمردًا مسلحًا ضده في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، المتاخمتين للحدود مع جنوب السودان.

زاد من هذا التوتر القائم مُعاودة مقاتلي «الحركة الشعبية لتحرير السودان» -فرع الشمال حمل السلاح ضد القوات الحكومية في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق بعد استقلال جنوب السودان، بدعوى تهميشهما سياسيًا واقتصاديًا.

وتنوعت محطات هذا الصراع، بعد ذلك، ليصدر حكم غيابي بالإعدام، من جانب محكمة سودانية شنقًا على مالك عقار وياسر عرمان، رئيس وأمين عام الحركة، بعد أن وصلت المفاوضات بين الحكومة والمتمردين إلى طريقٍ مسدود، حيث كان عرمان رئيس وفد المفاوضات. وقد سبق ذلك قرار حكومي بحظر الحكومة السودانية نشاط الحركة الشعبية شمال السودان في كل البلاد وكانت وقتها أكبر الكيانات المعارضة.

روبرت فيسك: السعودية والإمارات تدفعان أموالًا لإفشال هذا السيناريو في السودان

من هم قادة الحركة الذين رحَّلهم قادة الجيش؟

على رأس قادة الحركة، يبرز اسم ياسر عرمان، نائب الأمين العام للحركة الشعبية -قطاع الشمال- المتمردة، وهو أحد أهم قادة الحركة الذي قدم إلى الخرطوم، بعد سقوط البشير، مع وفدٍ يضُمّ الأمين العام للحركة إسماعيل جلاب والمتحدث باسمها مبارك أردول. ويكتسب اسم عرمان أهمية استثنائية داخل الحركة من واقع كونه من أوائل المنضمين للحركة من الشمال، فضلاً عن كونه منتميًا لقبيلة الجعليين العربية، نفس القبيلة التي ينتمي إليها البشير، ونقاط أخرى لها صلة بخلفيته السياسية باعتباره كادرًا سياسيًا سابقًا في الحزب الشيوعي خلال دراسته الحقوق بفرع جامعة القاهرة في الخرطوم.

مثلت هذه النقاط الاستثنائية عاملاً مؤثرًا في ترقية عرمان داخل صفوف الحركة سريعًا، ونيل ثقة قرنق، الذي أسند إليه العديد من المهام السياسية المرتبطة بالحركة، كان أبرزها إسناد مناصب قيادية له فأصبح الناطق الرسمي باسم الحركة، ونائب الأمين العام لقطاع الشمال، وممثل الحركة في عدة دول أفريقية.

على مدار سنوات عضوية عرمان داخل الحركة، خاض مفاوضات شاقة مع قيادات في السلطات السودانية، بهدف الوصول لاتفاقية تهدئة، كما دُعي للتحدث مع الكثير من قادة الحكومة الغربية للحديث معه حول أزمات المتمردين الانفصالين ومستقبل السودان في ظل الحرب الأهلية التي نشأت بشكل متكرر؛ ليكتسب حضورًا لافتًا في المجتمع الدولي، ودراية أوسع بالداخل السوداني.

هذه العوامل كانت دافعًا للكشف عن طموحه السياسي في مناسبات عديدة كان أبرزها ترشحه في الانتخابات الرئاسية منافسًا للبشير، وذلك عام 2009، خلال فترة الهدنة القائمة مع الحكومة، بعدما ساهم عرمان في صياغة «اتفاق نيفاشا للسلام الشامل» بين الشمال والجنوب، وانتُخب في البرلمان ضمن حصة الحركة.

لكن الحركة الشعبية لتحرير السودان أعلنت انسحابه في مارس (أذار) من نفس العام؛ ليغادر السودان بعدما صدر بحقه قرار اعتقال، تبعه حُكم قضائي بالإعدام في عام 2018، وظلّ في المنفى طيلة هذه السنوات، ساعيًا لتنشيط أدواره خارجيًا، ومُعززًا حضوره الإقليمي عبر نسج صلات مع المنظمات الدولية، وقادة المجتمع الغربي.

لماذا يخشى المجلس العسكري تواجدهم في السودان؟

عاد من جديد عرمان إلي السودان، عقب سقوط البشير، والتقي قادة الاحتجاج في الميدان، وسط احتفاءٍ به من جانب الأحزاب السياسية المُعارضة، وقيادات من «قوى الحرية والتغيير». سبق هذا الوصول، زيارة «سرية» إلى الإمارات التي دعته مع وفد من شخصيات عامة من بينهم مريم صادق المهدي، ابنة الصادق المهدي، رئيس وزراء السودان الأسبق، ونائبته في رئاسة «حزب الأمة»، ومالك عقار، رئيس «الحركة الشعبية لتحرير السودان ـ شمال»، في محاولة من الدولة الخليجية لتقديم تلك الوجوه في الداخل، والتنسيق معها حول التصورات عن المرحلة المُقبلة.

المتحدث باسم المجلس العسكري في السودان

غير أن هذا التنسيق لم يحمه من غضب بعض قادة المجلس العسكري، الذي سارع إلى اعتقاله وزملائه في مقر إقامتهم بالخرطوم، واقتيادهم لجهة غير معلومة، قبل أن تُساهم الضغوط الدولية في إطلاق سراحه مع اثنين آخرين خارج البلاد.

من جانبه، يرى عمار عوض، الصحفي السوداني أن «المجلس العسكري يخشى وجود وفد «الحركة الشعبية» لأنه يعلم جيدًا الخبرة السياسية الكبيرة لرئيس الوفد الأستاذ ياسر عرمان وخبرته التفاوضية الكبيرة التي بناها عبر سنوات طويلة بالإضافة إلى أن الحركة تتمتع بعلاقات خارجية مميزة مع دول الجوار الأفريقي والعربي والقوى الدولية في أمريكا وأوروبا وكان يخشى من استخدام هذه العلاقات لفرض واقع سياسي جديد بعد فض الاعتصام».

ويُضيف في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» أنّ «قادة الجيش يخشون الحركة الشعبية التي تجيد قضية التحالفات السياسية من أن تستخدم هذه الخاصية في توحيد موقف «فوى الحرية والتغيير» حيال التكنيكات التي كان يريد المجلس استخدامها في تفكيك قوى المعارضة ليسهل إدماجها في حكومة المجلس التي كان يريد تكوينها من قوى محددة داخل «الحرية والتغيير».

نقاط القوة التي تتمتع بها الحركة يُجملها عوض: «الحركة الشعبية يمكن أن يكون لها مستقبل كبير في مستقبل الحياة السياسية في السودان باعتبارها من ضمن القوى الجديدة الصاعدة في السودان وبالإضافة إلى ما تتمتع به من تأييد في مناطق الهامش في دارفور والنيل الأزرق وهي مناطق ثقل سكاني أيضًا يمكن أن يكون لها قبول سياسي كبير في مناطق وسط وشمال وشرق السودان وهذا القبول رهين بالخطاب الذي يمكن أن تقدمه وتخاطب قضايا واحتياجات الناس كما أن هذا القبول رهين بإعادة وحدة الحركة الشعبية التي تقسمت بين قيادة الأستاذ عبدالعزيز الحلو والأستاذ مالك عقار فأي وحدة للحركة التي انقسمت على نفسها سيعطيها زخم كبير ويجعلها منافسًا قويًّا في أي انتخابات قادمة».

ويُضيف بعدًا آخر، قائلاً: «كما أن هناك مرارات شخصية كبيرة داخل العسكر تجاه عرمان باعتباره أحد الذين قاتلوا ضد الجيش ضمن الحركة الشعبية لنحو 20 عامًا وربما تحركت هذه المرارات بشكل شخصي لإبعاده عن مسرح العمل السياسي خاصة وأن الحركة ما زالت تحتفظ بجناح عسكري في النيل الأزرق يقوده رئيس الحركة مالك عقار».

ويُكمل عمار، وهو أحد الصحفيين القلائل ممن تابعوا مسارات الحركة على مدار الأعوام الماضية، وأحد المُقربين من قادتها قائلاً: «أعتقد أن جماعات القوى المرتبطة بالمجلس من الواضح وفق تحليلي للوقائع أنها ربما تكون غاضبة من البيان الذي أصدره عرمان صبيحة فض الاعتصام وأعلن من خلاله أن فض الاعتصام بمثابة انقلاب عسكري جديد ومطالبته بالتصعيد لمواجهة هذا الانفلاب حسب وجهة نظر».

ويلخصه رؤيته: «بشكل مجمل المجلس العسكري أخطأ بإبعاد وفد الحركة الذي كان يريد وضع قضايا إنهاء الحرب في صلب الفترة الانتقالية، لأنه لن تكون هناك ديمقراطية مستدامه في السودان في ظل اشتعال الحرب ومن هذا المنطلق أعتقد يجب على دول الجوار العربي مصر وغيرها والدول الأفريقية إريتريا وأوغندا وجنوب السودان إلى الاستمرار في جهودهم السابقة والحالية لاستغلال عملية الانتقال السياسي التي تحدث في السودان الآن لإنهاء الحرب بشكل نهائي وإلى الأبد».

وقائع سبعة أيام اعتقال.. رسائل تهديد وتخويف ثم ترحيل

«أبلغ ضباط الأمن والاستخبارات العسكرية «الأخ» ياسر تخوُّفهم من أدواره، وعمله لتوحيد قوى الحرية ومواقفها المتشددة ضد المجلس العسكري في التفاوض»، وفقًا لعبد الفتاح عرمان، شقيق ياسر عرمان، نائب رئيس الحركة، وأحد القادة المعتقلين. قبل وقوع حادثة الاعتقال، أوفد المجلس العسكري رسائل متنوعة لقادة الحركة عبر وسطاء بهدف تحجيم تحركاتهم، وتهديد عرمان، من أجل المُغادرة لكن قوبلت كُل هذه الطلبات بالرفض من جانب ياسر وقادة الحركة.

يشرح عبدالفتاح دوافع تخوف قادة المجلس العسكري من تواجد قادة الحركة في السودان وعلى رأسهم شقيقه ياسر، قائلاً: «ياسر عرمان كان أحد المفاوضين الرئيسيين في اتفاقية نيفاشا للسلام في 2005 م، وكان كبير المفاوضات للحركة الشعبية-شمال وفشل التفاوض معه بعد 17 جولة تفاوض أيام البشير. وحملته وقتئذاك فشل المفاوضات».

زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي للخرطوم

ويُكمل: «ياسر وزملاؤه لديهم خبرة طويلة في التفاوض ويفهمون العقلية التي يتفاوض بها النظام البائد ومعظم قادة النظام الحالي خصوصًا وأن بعضهم كان جزءًا من مفاوضات الترتيبات الأمنية».

لم يكن يتوقع ياسر وأعوانه أن تصل التهديدات إلى القبض عليهم وبعدها ترحيلهم خارج البلاد، وفقًا لمبارك آدول، الناطق الرسمي باسم «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، ويؤكد المعلومة السابقة حول أن المجلس العسكري أرسل رسائل طلب أو هدد بها عرمان وطلب منه مغادرة البلاد ولكنه رفض. ولم يكن هناك خيار أمامهم سوى ترحيله وزملاءه بالقوة.

ويصف آدول من اتخذ هذا القرار بأنه شخص «قاصر النظر ومتناقض»، ويبرر ذلك: «المجلس العسكري ورئيسه دعوا الحركات المسلحة للقدوم للخرطوم والانضمام لركب السلام لكن أفعاله تقول غير ذلك. والأهم من ذلك كله، وجود وفد الحركة خارج السودان لا يؤثر كثيرًا لأنه أحد مكونات «قوى الحرية والتغيير» ويتواصلون معها بصورة يومية. لكن قرار المجلس العسكري خاطئ ويتنافى مع قوانين حقوق الإنسان الدولية. إذ كيف تنفي شخصًا من بلده ولا يحمل سوى الجنسية السودانية؟».

ويُعدد عبد الفتاح نقاط التأثير للحركة في الداخل السوداني: «هم على تواصل يومي مع قوى الحرية والتغيير، وسيعملون معها بصورة جماعية بما توافر لهم من خبرات تفاوضية متراكمة لوضع ترتيبات انتقال لحكومة مدنية لمصلحة شعبنا وكل المتضررين من النظام القديم».

عاد للاعتصام فقتله العسكر.. قصة الشهيد المنقذ مجتبى صلاح

 

المصادر

تحميل المزيد