سعى عبد الفتاح البرهان، القائد الأعلى للجيش السوداني، عقب عزل الرئيس السابق عُمر البشير، إلى تحصين سلطاته وحماية منصبه الجديد أمام أية محاولة للإطاحة به في بلد اعتاد الانقلابات العسكرية، باعتبارها الطريقة الوحيدة لجنرالات الجيش من أجل الوصول إلى السلطة.

كانت أبرز الوسائل التي اتبعها البرهان في تحصين هذه الإمبراطورية المالية؛ إخضاع مئات الشركات المملوكة للجيش والأجهزة الأمنية لتكون تحت سيطرته المباشرة، إلى جانب استصدار قرارات تعيين جنرالات جُدد موالين له على رأس هذه الشركات، التي تُدر أرباحًا بمليارات الدولارات.

يحاول التقرير التالي التعرف على الطرق التي اتبعها البرهان لهندسة إمبراطورية الجيش الاقتصادية، عقب عزل البشير، لتخضع لسيطرته المباشرة بعيدًا عن أبرز منافسييه داخل الجيش، وما إذا كانت هذه الوسائل قد تحمي بيزنس القوات المسلحة من الضغوط الأمريكية لإدراج أرباحها في خزينة الدولة.

هكذا هندس البرهان وحميدتي إمبراطورية الجيش السوداني الاقتصادية

صعد عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس السيادي، ونائبه عبد الرحيم دقلو الشهير بحميدتي، باعتبارهما قادة جُدد للمجلس العسكري، عقب عزل البشير، وسط مخاوف تسيطر على الرجلين، اللذين تعرفا على بعضهما خلال اشتراكهما مع القوات السعودية في حرب اليمن، من الإطاحة بهما أو اغتيالهما، بواسطة قادة سابقين لحزب المؤتمر الوطني بالتحالف مع ضباط إسلاميين داخل القوات المسلحة السودانية موالين لهم.

حاول الرجلان كبح هذه المخاوف عبر وسائل مختلفة، كان أبرزها إعادة السيطرة على الشركات المملوكة للجيش، باعتبارها مصدرًا رئيسًا للشرعية والنفوذ، ووسيلة صد فاعلة أمام أي انقلاب وشيك، والأهم أنها ورقة تفاوض هامة مع الحكومة المدنية والغرب.

Embed from Getty Images

تلعب الشركات المملوكة للجيش أدوارًا رئيسة في معظم قطاعات الاقتصاد التي تهيمن عليها، وتُدر أرباحًا بمليارات الدولارات؛ إذ تعمل هذه المؤسسات خارج سيطرة المدنيين، ولا تخضع أرباحها للضرائب أو للمراجعة، كما أنها لا تُدرج في موازنة الدولة.

تُقدر عدد هذه الشركات المملوكة للجيش والأجهزة الأمنية بنحو 250 شركة تعمل في قطاعات حيوية مثل: تصدير الذهب، واللحوم، واستيراد دقيق القمح، إضافة إلى الزراعة، وإدارة المستشفيات الخاصة.

كانت الخطوة الأولى للبرهان وحميدتي، اللذين جمعتهما «علاقة شخصية»، في فرض سطوتهما في دوائر المؤسسات الأمنية؛ هو ضم الشركات المملوكة لقادة حزب البشير لصالح الجيش وقوات الدعم السريع بالترتيب، وسط تنافس خافت بينهما على السيطرة على موارد هذه الشركات.

نشأت العلاقة بين الرجلين في الفترة بين عامي 2003 و2005، بعدما تقاطعت مهامهما حين شغل البرهان عقيدًا في الاستخبارات، وتوليه مسؤولية تنسيق هجمات الجيش، ومليشيات الجنجويد غربي دارفور، والتي كان حميدتي أحد قيادييها في تلك المرحلة.

لاحقًا توطدت العلاقة بعد مشاركة قوات سودانية في حرب اليمن دعمًا للتحالف السعودي الإماراتي بقيادة البرهان الذي أشرف على تلك القوات التي كان يقودها حميدتي.

ربح البرهان معركة النفوذ والهيمنة بسلسلة إجراءات كان أبرزها تعيين مؤسسة الصناعة العسكرية – وهي شركة قابضة تابعة للجيش تمتلك مئات الشركات وتخضع لسلطة البرهان – ككيان مسؤول عن إدارة العديد من الشركات المملوكة من قبل لقادة حزب المؤتمر الوطني وعائلة البشير، كما نجح في إعادة توجيه أرباح شركات القوات المسلحة السودانية التي كانت في ظل النظام السابق موجهة إلى حد كبير إلى حزب المؤتمر الوطني المنحل.

كذلك عمد البرهان إلى توسعة الأنشطة الاقتصادية لهذه الشركات، مثل افتتاح شركة الاتجاهات المتعددة، وهي شركة تابعة لمؤسسة الصناعات العسكرية، ومسلخ كادارو الصناعي الذي بلغت تكلفته نحو 40 مليون دولار، وذهبت شحنته الأولى إلى المملكة العربية السعودية.

Embed from Getty Images

فيما ضمت قوات الدعم السريع برئاسة حميدتي بعض الشركات التي كان يديرها سابقًا جهاز الأمن والمخابرات الوطنين، بالتزامن مع تسهيل عمل الشركات الخاصة له ولأسرته التي تستثمر في قطاع الذهب، والتي تساهم في دعم قوات الدعم السريع ماليًا أيضًا.

على سبيل المثال باعت شركة الجنيد، وهي شركة أسسها حميدتي، حوالي طن من الذهب في دبي، بقيمة تقارب 30 مليون دولار، خلال فترة أربعة أسابيع العام قبل الماضي، وسط تقديرات لحجم مبيعاتها السنوية بنحو 390 مليون دولار.

تحسين سمعة هذه الشركات لمساومة الحكومة المدنية

من أجل تحسين صورة هذه الشركات المملوكة للجيش، عمد البرهان إلى تنشيط أدوارها الاجتماعية عبر تقديم الخدمات وبناء مشاريع خدمية، ليظهر الجيش في صورة «المنقذ» للمواطنين بعد فشل الحكومة المدنية في التجاوب مع بعض المطالب المعيشية، تحت وطأة الأزمة الاقتصادية.

وتنوعت مظاهر هذه الخدمات التي كان أبرزها افتتاح الجيش لمخبز في عطبرة، مهد الانتفاضة التي أسقطت البشير، وأنشأت قوات الدعم السريع عيادات صحية، وصندوقًا لدعم المزارعين، ووزع أفرادها إمدادات غذائية تحمل علامة قوات الدعم السريع، وأطلقت حملات في بعض الولايات للحد من انتشار فيروس كورونا.

Embed from Getty Images

كذلك استخدم البرهان أرباح هذه الشركة في مساومة الحكومة المدنية لسحب مزيد من الصلاحيات، وضمان استمرار اعتمادها عليهم، في ضوء افتقار لحكومة حمدوك عن السيطرة أو الرقابة على هذه الشركات، كما أقر وزير المالية في مايو (أيار) العام الجاري، بأن أرباح صادرات مسلخ كادارو تذهب للجيش، وليس وزارته.

ظهرت هذه المساومة والتوظيف السياسي في قيام شركة الصناعات العسكرية التي تدير عشرات الشركات، بسد فجوة قدرها 70 مليون دولار في ميزانية الحكومة المدنية، بعد موافقة حمدوك على تسوية مالية مع ضحايا تفجير المدمرة الأمريكية «يو إس إس كول» في أكتوبر (تشرين الأول) 2000، من أجل رفع السودان من قوائم الإرهاب.

كذلك قدم البرهان مليار دولار لدعم لموازنة الدولة هذا العام، وأودع حميدتي، في مارس (أذار) 2020؛ ما يبلغ 170 مليون دولار في البنك المركزي لزيادة الاحتياط النقدي، عقب التدهور والانخفاض غير المسبوق الذي لحق بقيمة الجنيه السوداني، وهو الدور الذي صعد بنائب رئيس المجلس السيادي لمنصب رئيس للجنة الاقتصادية الطارئة.

دعم البرهان الحملة الترويجية للشركات بعقد مؤتمرات مع جنود القوات المسلحة، مدافعًا عن دور هذه الشركات المملوكة للجيش والأجهزة الأمنية، قائلًا: «شركات الجيش لا تحتكر شيئًا، ولم تحتكر تصدير المواشي أو الذهب، ولم تحجر على أحد للاستفادة من موارد البلاد. الفاشلون هم من يريدون أن يجدوا شماعة ليعلقوا عليها الفشل، ولا أحد يمكنه تعليق فشله على القوات المسلحة».

الدفع بجنرالات موالين له على رأس هذه الشركات

إحدى الوسائل التي عزز بها عبد الفتاح البرهان، سيطرته على هذه الإمبراطورية الاقتصادية، عقب الإطاحة بالبشير، هي الدفع بجنرالات جُدد موالين له، رؤساء لهذه الشركات المملوكة للجيش، محل الضباط المحسوبين على البشير وحزب المؤتمر المنحل، لتحميه هذه الوسيلة من أي انشقاقات محتملة أو تفكيك لهذه المجموعة المالية، والأهم أنها جعلته متفوقًا على منافسه حميدتي في السيطرة على الموارد المالية داخل القطاعات الأمنية.

وتصدر قائمة الجنرالات الجُدد اللواء الميرغني إدريس، وهو صديق قديم للبرهان خلال مرحلة الدراسة بالكلية الحربية، الذي أعاده الأخير للواجهة بتعيينه رئيسًا لمنظومة الصناعات الدفاعية، وهي الذراع الاستثمارية للجيش، التي تُملك عشرات الشركات التي تستثمر في قطاعات متنوعة وحيوية.

Embed from Getty Images

ومنح قانون مُرر عام 2017 عبر البرلمان السوداني، منظومة الدفاع حق الاستثمار بأموالها دون الخضوع لسلطات المراجع القومي، وقوانين الشراء والتعاقد والإجراءات المالية والمحاسبة، وحصانات واسعة للعاملين بها فيما يتصل بعملهم.

وسعى الميرغني خلال الشهور اللاحقة لتعيينه في هذا المنصب إلى توسعة استثمارات الشركات التي تندرج تحت رئاسته، سواء في الداخل أو الخارج عبر تعزيز الشراكة الاقتصادية والاستثمارية والتجارية مع الشركات المصرية على سبيل المثال، وتحديدًا شركات وزارة الإنتاج الحربي.

والميرغني ليس الوحيد الذي أعاده الجنرال من أصدقائه لدوائر الحكم، فقد استعان بصديق مُقرب آخر له هو الجنرال عباس عبد العزيز، الرئيس السابق لقوات الدعم السريع، في رئاسة شركة الساطي، وهي إحدى الشركات القابضة المملوكة للقوات المسلحة، وأعاد أيضًا اللواء مهلب حسن أحمد، في منصب رئاسة منظمة الشهداء، وهي شركة قابضة مولت سابقًا حزب المؤتمر الوطني، ولديها استثمارات في تعدين الذهب، وأماكن الترفيه.

البرهان VS ضغوط واشنطن وحمدوك.. من يربح في معركة البيزنس؟

أدت سلسلة قرارات البرهان التي عززت من سيطرته على جميع الشركات المملوكة للقوات المسلحة، إلى نشوب خلاف بين جناحي الحكومة الانتقالية في السودان (المدني والعسكري)، بعدما رفض قائد القوات المسلحة السودانية إلحاق هذه الشركات بمثيلاتها من الشركات التي تتبع للحكومة، وبالتبعية إدراج أرباحها في موازنة الدولة.

وخرج هذا الخلاف للعلن بعدما انتقد عبد الله حمدوك، رئيس الحكومة، استثمارات الجيش والأجهزة الأمنية في القطاعات المنتجة في البلاد منذ أعوام، معتبرًا أنه «أمر غير مقبول».

وقال: «كل الجيوش لديها استثمارات، ولكنها استثمارات في الصناعات الدفاعية، هذا أمر مقبول ومطلوب، ولكن من غير المقبول أن يقوم الجيش أو الأجهزة الأمنية بذلك في القطاعات الإنتاجية ومنافسة القطاع الخاص».

أمام هذه الانتقادات خرج عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة السودانية، مدافعًا عن حق إدارة هذه الشركات بلغة حاسمة معتبرًا أن هذا الأمر «خط أحمر».

Embed from Getty Images

ودخلت واشنطن على خط الأزمة بعدما أقر الكونجرس الأمريكي مشروع قانون يدعم الانتقال الديمقراطي في السودان، عبر مراقبة أموال الجيش والأجهزة الأمنية والعسكرية، وأصولها وميزانيتها، والكشف عن أسهمها في جميع الشركات العامة والخاصة.

من جانبه قال رياض محمد، الباحث السياسي العراقي المتخصص في الشأن الأمريكي، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»: «لا أعتقد أن هناك حلول وسط في قضايا صوت عليها الكونجرس، خصوصًا أننا نمضي إلى إدارة جديدة ستكون مختلفة عن سابقتها بكثير»، مؤكدًا أنه من المحتمل أن تحاول بيروقراطية وزارة الخارجية الامريكية إفهام البرهان أنه لابد عن امتثال ما للكونجرس.

وأضاف محمد، وهو كاتب بمجلة «الشئون الخارجية (foreign affairs)» أن الورقة التي ستسخدمها واشنطن ضد السودان هي ورقة المساعدات الاقتصادية لإرضاخ قادة الجيش والأجهزة الأمنية للقبول بدمج شركاتهم في الموازنة العامة للدولة.

من جانبه قال الصحافي السوداني عمار عوض الشريف، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»: إن القضية مثار «شقاق» بين المكونين العسكري والمدني، ولكلٍ رؤيته حول الأمر.

موضحًا: «أعتقد أن الأمر سينتهي إلى تقسيم هذه الشركات لثلاث فئات، لتشمل شركات التصنيع العسكري التي ستترك كما هي مملوكة للجيش حصرًا، وشركات أخرى تعود أصولها لصناديق الخدمات في القوات المسلحة، لتصبح شركات مساهمة عامة، تُوزَع أسهمها لجنود القوات المسلحة، من في الخدمة والمعاشيين؛ ليكونوا الأغلبية التي تسمح لهم بتشكيل مجلس الإدارة مع وجود أسهم تطرح في سوق الخرطوم للأوراق المالية».

عربي

منذ سنة واحدة
من العداوة إلى التحالف.. كيف غيرت الثورة علاقة حميدتي بالجيش السوداني؟

وأكد الشريف أن الفئة الثالثة ستطرح ابتداء للاكتتاب العام في السوق المالية دون تقييد بنسبة حملة الأسهم وإلى أية جهة يتبعون، مؤكدًا أن هذا هو الطريق الأمثل، من وجهة نظره، وفق سياسة تجعل الجميع رابحًا، ما يحول دون أي تنازع أو صدام.

ويتقاطع الطرح السابق مع ما ذكره مصدر مُقرب من البرهان، لـ«ساسة بوست» من أن الطرح الأقرب للتحقق بضغط أمريكي هو القبول والتحايل على واشنطن بتقسيم الشركات مع الحفاظ على الشركات الأكثر ربحية تحت إدارته المباشرة، وهو ما يفسر الخطوات السريعة التي أعاد بها هيكلة غالبيتها.

وأضاف المصدر السابق أن حمدوك مُدرك وواع لهذه الحقيقية، وأنه يعلم جيدًا أن قادة الجيش لن يتخلوا عن شركاتهم لصالح وزارة المالية، أو على الأقل ولاية وزارة المالية عليها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد