في أبريل عام 2012م، أجرت كل من روسيا والصين أولى مناوراتهما البحرية العسكرية في عرض المحيط الهادئ، تحديدًا في البحر الأصفر قبالة السواحل الصينية الشرقية، بينما اليوم أخذت تتوسع التدريبات لتصل إلى البحر المتوسط للمرة الأولى، تحت اسم “بحر التعاون”.

وتعد هذه التدريبات فريدة من نوعها، كونها تجري لأول مرة في البحر المتوسط، ومتزامنة مع الصراعات الجارية في المنطقة، وإظهار مدى جدية والتزام الصين في الصعود بالمنطقة كقوة عظمى ومنافسة لدول أخرى، ومطالبها بحقوق في السيادة على مناطق بحرية.

فما هي طبيعة المناورات؟، ولماذا تجري في الوقت الحالي؟، وما السر في استعراضها داخل البحر المتوسط؟، وما العلاقات المتبادلة والمشتركة بين الدولتين؟

أولًا: ما هي مناورات الصين وروسيا في البحر المتوسط؟

الرئيس الصيني” شي جينبينغ” في استقبال نظيره الروسي فلاديمير بوتين

قبل أيام، أعلنت العاصمة الصينية بكين عن نيتها ونظيرتها موسكو إجراء أول مناورات عسكرية من نوعها في منتصف مايو المقبل في البحر المتوسط، تشمل 9 سفن من الدولتين ستشارك في هذه المناورات، فضلًا عن سفن صينية تجري دوريات لمكافحة القرصنة قبالة سواحل الصومال.

ترى الدولتان أن المناورات بهدف تعميق التعاون الودي والعملي بينهما، وزيادة قدرة القوات البحرية على التعامل المشترك مع التهديدات للأمن البحري، حيث إنها ستركز على أمن الملاحة ومهام المرافقة، وتدريبات بالذخيرة الحية.

ومذ فرضت القوى الغربية عقوبات اقتصادية على روسيا، العام الماضي، بسبب الأزمة الأوكرانية كثفت موسكو جهودها لتعزيز العلاقات مع دول آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، وتحسين علاقاتها أيضًا مع الجمهوريات السوفيتية السابقة.

وبالتالي، تقف الدولتان إلى جانب بعضهما البعض في مجمل القضايا الدولية، حتى إن الصين رفضت المشاركة في نظام العقوبات التي فرضها الغرب على روسيا عقب الأزمة الأوكرانية مؤخرًا.

ثانيًا: ما السر في توقيت المناورات الآن؟

الرئيس الأمريكي باراك أوباما ولقائه بنظيره الروسي

في البداية تنفي الدولتان ربط هذه المناورات بالوضع المتوتر في بعض مناطق البحر الأبيض المتوسط، لا سيما ليبيا وسوريا، وإنما جاءت لمواجهة المخاطر التي تهدد الأمن البحري.

لذلك، فإن روسيا موجودة في البحر المتوسط منذ مدة طويلة وكثفت من تواجدها خلال السنوات الأخيرة، فلم يعرف عن الصين أي اهتمام عسكري بالمتوسط، وبالتالي يأتي هذا الحضور في إطار استراتيجية جديدة تغطي المتوسط من مضيق جبل طارق إلى قناة السويس.

بالنسبة لدلالة توقيت هذه المناورات، فإنها كما يراها المراقبون تأتي ردًّا على الاستفزازات التي تقوم بها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الأوروبيون من عقوبات وتضييق في السياسات ضد روسيا على خلفية الاختلاف الشديد في الملف الأوكراني.

إضافة إلى تعزيز واشنطن تعاونها العسكري مع حلفائها في آسيا، لمواجهة ما تعتبره مساع صينية للمطالبة بحقها في السيادة على مناطق بحرية، خاصة بعد زيارة رئيس الوزراء الياباني “شينزو آبي” في الآونة الأخيرة إلى واشنطن، وبحثهما آفاق التعاون بينهما.

بينما يذهب آخرون بالقول إلى أن المناورات تحمل في طياتها أهدافًا عسكرية وأمنية للصين على المحيط الهادئ تحديدًا، وليس التنافس مع الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية على أراضيهم الخاصة.

لذلك، فإن الصين تكتسب قيمة رمزية من تقديم نفسها كقوة عالمية على نحو متزايد؛ فالإعلان عن قيام مناورات بحرية في البحر الأبيض المتوسط، حتى لو كانت على نطاق ضيق، هي من الأشياء التي تقوم بها القوى العظمى.

إضافة إلى زيادة التهديد الأمني من الصين لجيرانها الآسيويين، وشكوك اليابان حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستحارب من أجل للدفاع عن اليابان في وقت الأزمة، وزيارة الرئيس الياباني “آبي” مؤخرًا هي جزء من محاولة إدارة الرئيس باراك أوباما لطمأنة اليابان.

وتعتبر هذه المناورات مفاجأة حقيقية للدول الغربية وعلى رأسها دول مثل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، لأنها دائمًا اعتبرت المتوسط بحرًا غربيًّا تحكمت فيه برفقة الولايات المتحدة، والآن تشهد تغييرًا جذريًّا.

وتزامنت أنباء المناورات مع تسريب أخبار مفادها أن الجيش الروسي سيضم في المستقبل أسطولًا من طائرات النقل الثقيلة، يمكنها نقل وحدة استراتيجية تتكون من 400 دبابة Armata وذخيرتها الكاملة، إلى أي مكان في العالم.

ثالثًا: لماذا اختارت الدولتان البحر المتوسط؟

قناة السويس في مصر

أكثر الأسئلة التي ثارت خلال الإعلان عن المناورات هي ما السر في اختيار البحر الأبيض كنقطة انطلاق لها؟، حيث إنه يعتبر القفزة الثانية لسلاح البحرية الصينية، فيما كانت الأولى خلال العقد الماضي عندما رفعت من تواجدها العسكري في المحيط الهندي بشكل ملفت للغاية تحت مبرر حماية الخطوط التجارية الدولية.

حتى إن الصين تعد نفسها دولة تجارية رئيسية، ولهذا تريد وجودًا بحريًّا قويًّا لحماية مصالحها، إلى جانب استثمارها في موانئ تجارية في باكستان وسيريلانكا وميانمار، وتحويلها إلى مرافئ عسكرية في وقت الأزمات وتعزيز خططها للسيطرة على المحيط الهندي.

واستراتيجيًّا يعتبر المتوسط امتدادًا للمحيط الهندي على مستوى مضيق المندب وقناة السويس، وهذا ما يجعل البحرية الصينية تتواجد الآن في المتوسط، وهو تواجد لأول مرة وترافقه بمناورات عسكرية مع روسيا، الأمر الذي يحمل مؤشرات قوية على اهتمام صيني بالمتوسط.

ونجهل الدول التي قد تقدم خدمات وتسهيلات عسكرية للبحرية الصينية، ولكن تبقى الجزائر المرشحة الأولى بحكم العلاقات القوية بين البلدين، وبحكم رهان الجزائر على عدم انفراد الغرب وحده بالسيطرة على المتوسط.

كما يرجع اختيار الصين للبحر الأبيض المتوسط بالتحديد إلى أسباب محلية، إذ أرسلت في السنوات الأخيرة الصين سفنها، مرتين، لإنقاذ وإجلاء أعداد كبيرة من العمّال الصينيين الذين سقطوا في الخطر نتيجة لعدم الاستقرار في المنطقة، كانت المرة الأولى في ليبيا، حيث كان هناك 35800 ألف عامل صيني يجب إجلاؤهم بعد انتفاضة عام 2011 وحملة القصف اللاحقة لإسقاط معمر القذافي.

بينما المرة الثانية كانت في أواخر مارس وأوائل أبريل، عندما ساعدت السفن الصينية إخراج عدة مئات من العمّال الصينيين من اليمن بسبب تدهور الوضع هناك وتصاعد الغارات الجوية السعودية.

جملة الأحداث هذه فرضت دورًا مطورًا للصين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحتى الآن، لم يُظهر صنّاع السياسة في الصين أي اهتمام بأخذ الدور التقليدي للولايات المتحدة في الحفاظ على الهيمنة في الشرق الأوسط لخلق الاستقرار وتسهيل تدفق النفط.

لكن الصين أدرجت الشرق الأوسط ضمن استراتيجيتها لبناء مشاريع البنية التحتية في البلدان الأقل نموًا وإنشاء مستوطنات كبيرة من العمّال الصينيين هناك، فمثلًا في منطقة جنوب الصحراء الكبرى، فإن الهدف من هذه الاستراتيجية هو بناء علاقات حكومية والحفاظ على استقرار تدفق المواد الخام التي تحتاجها الصين، وتساعدها على النفوذ السياسي الصيني.

ومع مرور الوقت، سيؤدي تواجد الصين المتزايد في المنطقة إلى تحول اهتمام الصين في البحر الأبيض المتوسط، كما ستدعم الاستثمارات التجارية الكبيرة المصلحة الوطنية في الاستقرار، فعدم الاستقرار هو السبب في قيام الصين بإجلاء العمال.

ومن ضمن الأسباب أيضًا في التواجد البحري للصين الآن في البحر الأبيض المتوسط، وأيضًا على المدى الطويل، إمكانية استغلال الوجود البحري الصيني للمساعدة في خلق الاستقرار، وليس فقط لإنقاذ العمّال الصينيين في مناطق العالم عندما يأتي عدم الاستقرار.

ووفقًا لوكالة أنباء” بلومبيرج” الاقتصادية الأمريكية، فإن الصين في المراحل المبكرة من مهمة التسلل إلى الشرق الأوسط، وأنّ مناوراتها البحرية المتوسطية هي مؤشر رئيسي لكيفية حدوث هذا التسلل.

لذلك، بمجرد أن تصبح أي دولة قوة عظمى، وتتباهى بوجودها البحري في المنطقة، يتطلب المنطق الاستراتيجي أن تكون هذه القوة قادرة على تحقيق الأهداف الاستراتيجية، حيث يقوم الأسطول البحري الصيني بعملية إنقاذ في البحر الأبيض المتوسط.

لكن، المحصلة النهائية لهذه الاستراتيجية سوف تحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك، وإلا سوف يصبح ذلك رمزًا للضعف الصيني، بدلًا من اعتباره قوة صينية متزايدة.

رابعًا: كيف تبدو العلاقات بين البلدين؟

روسيا والصين خلال توقيعهما اتفاقيات تعاون مشتركة

شهدت العلاقات بين موسكو وبكين تقلبات دورية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، فما إن بدا الأمر وكأنه فترة تقارب بين الطرفين، حتى طرأ تغيير مفاجئ أدى إلى تدهور ما تمّ بناؤه لأسباب كثيرة، أحدها عدم توازي التعاون على الصعيد الاقتصادي مع المجالات السياسية والعسكرية.

لكن، ينظر إلى العلاقة بين الدولتين على أنها واحدة من كبرى المحددات للاستقرار في أوراسيا وآسيا والمحيط الهادئ، باعتبارها تساهم في تشكيل النظام العالمي الأوسع، وبالتالي هي مهمة لأمن دول المنطقة، بضمنها الولايات المتحدة.

ويشار إلى أن العلاقات الدبلوماسية بين الصين والاتحاد السوفيتي قد بدأت في الـثاني من تشرين الأول/ أكتوبر عام 1949م، بينما في أغسطس 1991، تفكك الاتحاد السوفيتي، لكن بعدها بعام شهدت العلاقات تحسنًا.

واتخذت العلاقات الروسية الصينية عدة أبعاد أولها موقف البلدين من السياسة الأمريكية ورفضهما لهيمنة قوة واحدة على النظام العالمي، ومعارضة مشروع الدرع المضادة للصواريخ الذي تقيمه أمريكا بدعوى حماية أراضيها من هجمات محتملة قد تشنّها ما تطلق عليه “الدول المارقة” مثل إيران وكوريا الشمالية.

وشكل عام 2001م نقطة انطلاق في العلاقات الاستراتيجية بين الصين وروسيا، وقع خلالها القادة الصينيون والروس أكثر من 50 اتفاقية ثنائية إضافية، في حين سجل عام 2009م أعلى مستويات في العلاقة بينهما في مجال الطاقة، وتوسيع التجارة ومبيعات الأسلحة الروسية إلى الصين، والتعاون الدبلوماسي حول الشرق الأوسط وغيرها من القضايا.

تهدف كل من الصين وروسيا في علاقاتهما الحد من الهيمنة الأمريكية من خلال دور أقوى لمجلس الأمن الدولي، الذي تملك موسكو وبكين فيه حق النقض، في التعامل مع القضايا الأمنية الملحة.

فضلًا عن لعبهما دورًا أكبر في عالم متعدد القطبية تستطيعان فيه حماية مصالحهما ومصالح الدول الصديقة لهما، حتى وإن كانت معادية للغرب، والتقليل أيضًا من هيمنة الولايات المتحدة والغرب للأقليات تحت دعاوى حقوق الإنسان وحق تقرير المصير والتي نتج عنها اندلاع العديد من الحروب الأهلية.

ويشار إلى أن العلاقة الصينية الروسية تستند على مجموعة من الاعتبارات من شأنها تحديد مسار التعاون فيما بينهما، وأبرزها السياسة والتعاون الاستراتيجي بينهما في المنطقة، والذي بلغ ذروته في الآونة الأخيرة.

إضافة إلى الاقتصاد حيث تضع موسكو وبكين أولوية كبيرة للتنمية الاقتصادية الداخلية، للتجارة المتبادلة والاستثمار، فروسيا لديها وفرة من النفط والموارد الطبيعية الأخرى في حين أن الصين هي المستورد لهذه المنتجات.

إلى جانب الملف الأمني، حتى
باتت الحدود آمنة ومنزوعة السلاح بعد حل الخلاف بينهما عام 2008م، والمجال العسكري المبني على جملة صفقات الأسلحة والمبيعات بينهما، وغيرها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد