يبدو أن الاتحاد الأوروبي يتجه إلى اتخاذ قرار مصيري كمحاولة لحل أزمة الهجرة غير الشرعية عبر البحر المتوسط من السواحل الليبية إلى أوروبا، وخصوصا مع تزايد أعداد المهاجرين إليها، عبر قوارب “الموت” ، وتزايد أعداد الغرقى بالبحر المتوسط في العام الجاري عن أي أعوام سابقة، وسلك “الاتحاد” طريقا جديدا يهدف إلى الحصول على “تفويض دولي” لقصف قوارب الهجرة غير الشرعية على السواحل الليبية، قبل أن تبحر إلى أوروبا.

تعددت الأبعاد حول تلك الأزمة، من الأسباب وراء الاتجاه الأوروبي للحل العسكري، مرورًا بأرقام الضحايا الغارقين في “المتوسط”، والمعوقات والتخوفات من هذا الخيار، وكيفية تعامل حكومتي ليبيا المختلفتين تجاهه، إلى ماهية الموقف الدولي من الأزمة، تلك الأبعاد نحاول تغطيتها في التقرير التالي:


1- بداية القصة

مع تزايد الاضطرابات والصراعات وتردي الأحوال الاقتصادية في الدول العربية والأفريقية تزايد إقبال الشباب على اللجوء إلى أوروبا، حتى لو كان بطريقة “غير شرعية” وهو ما يؤدي بدوره لزيادة فرص الخسائر البشرية لو لم تتخذ أوروبا الإجراءات اللازمة لحماية هذه الأعداد المتزايدة من المهاجرين غير الشرعيين الذين يقصدونها عبر البحر المتوسط.

وفي نهاية العام الماضي طالبت إيطاليا حلفاءها الأوروبيين أن يساعدوها في عمليات “البحث والإنقاذ” المعروفة باسم “ماري نورستورم” التي تكلف الحكومة الإيطالية 10 مليون دولار شهريا، ولكن عددًا من الدول الأوروبية – على رأسها ألمانيا وبريطانيا وفرنسا – رفضت طلبات الحكومة الإيطالية، تحت حجة أن العمليات الإيطالية “تشجع” المهربين على إرسال المهاجرين؛ لأنهم يعلمون أن “هناك من سينقذهم”.

وهو ما أدى إلى تعطيل عمليات «البحث والإنقاذ» الإيطالية “ماري نورستورم” ديسمبر الماضي، واستبدل بها عمليات أوروبية لمراقبة الحدود “ترايتون” – التي وصفها مراقبون بسياسة “دعهم يغرقون” – على أنها ستردع المهربين وستبعد المهاجرين عن ركوب قوارب الموت، وهو ما لم يحدث إذ تزايدت أعداد المهاجرين، وتضاعفت الخسائر البشرية، وهو ما ظهر جليًا في وقوع أسوء كارثة غرق جماعي بالبحر المتوسط – بنهاية أبريل الماضي – أدت إلى غرق قرابة 800 مهاجر غير شرعي، تستطيع معرفة تفاصيل أكثر عنها من هنا.

2- أرقام «مُخيفة»!



منذ بداية العام الجاري وصل أكثر من 40 ألف مهاجر إلى إيطاليا، معظمهم من ليبيا، في حين قضى نحو 2000 آخرين، أو فُقدوا عند محاولة عبور البحر إلى أوروبا، بحسب آخر حصيلة للمنظمة الدولية للهجرة، وتتوقع المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة أن يحاول نصف مليون مهاجر في العام الحالي عبور المتوسط، ما يهدد بمقتل الآلاف، إن لم يتم التحرك لوقف منظمي هذا النوع من الاتجار بالبشر.
وتصف التقارير الدولية هذا النوع من التجارة بأنها مربحة. فحسب الأمم المتحدة، يجني المهربون من إفريقيا الى أوروبا، ومن أميركا الجنوبية والوسطى إلى أميركا الشمالية، نحو 6 مليارات و800 مليون دولار سنويا. في حين يجني بعض المهربين أكثر من 60 ألف دولار أسبوعيا من هذه العمليات، إذ يترواح سعر تذكرة الهجرة غير الشرعية من ألف إلى 10 آلاف دولار أميركي.


3- أوروبا تطلب تفويضًا دوليًا لحل عسكري

Hundreds of migrants arrived in Palermo, Italy, aboard a


تزامنا مع دعم الاتحاد الأوروبي لعمليات “البحث والإنقاذ” في جلسة طارئة له عقب الكارثة الأسوء في تاريخ المتوسط، بمضاعفة ميزانية إنقاذ المهاجرين ثلاث مرات؛ لتصل إلى 9 مليون يورو، واتجه “الاتحاد” أيضا للبحث عن حل عسكري لتنفيذه بعد تفويض الأمم المتحدة، وكانت بريطانيا من أشد المؤيدين لهذا الحل.

فقبيل نهاية شهر أبريل الماضي، أمر قادة الاتحاد الأوروبي وزيرة خارجية الاتحاد “موغيريني” لتقديم اقتراحات للتحرك العسكري ضد شبكات التهريب بليبيا، وفي منتصف مايو كانت موغيريني في نيويورك للضغط على الأمم المتحدة  كي تدعم وتصرح باستخدام القوة ضد زوارق الهجرة غير الشرعية الموجودة عبر السواحل الليبية.

وشمل المقترح الأوروبي الموجه للأمم المتحدة شن حملات جوية وبحرية على السواحل الليبية بالإضافة إلى إمكانية إطلاق عمليات برية – عند الحاجة – لتدمير زوارق وسفن المهربين بليبيا.

4- اعترافات ومخاوف

تسعى أوروبا لقصف زوارق المهربين بليبيا بحرًا وجوًا وبرًا، ولكن ماذا عن المهاجرين الموجودين بالسفن والزوارق المستهدفة؟
في هذا الصدد اعترف الاتحاد الأوروبي، بأن الحملة العسكرية قد تؤدي إلى خسائر بشرية للمهاجرين الأبرياء، لافتا في اقتراحه إلى: “أن شن العمليات العسكرية ضد المهربين في حضور المهاجرين، يحمل نسبة عالية من المخاطرة قد تؤدي لخسائر في الأرواح”.

ويقول مسئولون أن عدد الدول الأوروبية التي ستشارك في تلك الحملة سيصل إلى 10 دول، من أبرزهم إيطاليا التي ستقود الحملة بالإضافة إلى بريطانيا وفرنسا وإسبانيا.

وبالنسبة للدول التي لن تشارك في الحملة، فهي ترى أنه يمكن كشف زوارق المهربين، عندما يلاحظ أنها تخرج من الميناء في وقت مبكر من الليل، تاركة مساحة صغير بين المرسى والزورق في إنتظار المهاجرين، وبذلك فهي تنصح البحرية الأوروبية بتدمير تلك الزوارق والسفن التابعة للمهربين دون االمخاطرة بالأرواح البريئة.

وبعدما تأكدت وزيرة الخارجية للاتحاد الأوروبي بأن الصين لن تمنع تلك الحملة باستخدام حق الفيتو، إلا أن روسيا لم تبد تأييدًا لاقتراح تدمير القوارب وقالت إن المهربين يستأجرون تلك القوارب من مالكيها الذين لا يعلمون غالبًا الغرض الذي ستستخدم لأجله.
وقال مندوب روسيا لدى المجلس فيتالي تشوركين إن الاقتراح “مبالغ فيه”، وفي نفس السياق تؤيد ألمانيا الاستجابة الإنسانية للكارثة من خلال توزيع اللاجئين بين الدول الأعضاء في الاتحاد.

ويتخوف الاتحاد الأوروبي من ما يصفها بالجماعات المسلحة التي قد تواجه الحملة في ليبيا، والتواجد “الإرهابي” بالمنطقة، وتجدر الإشارة إلى أن “مونغيني” قالت: “نحن لا نخطط إلى تدخل عسكري بليبيا” مؤكدة على سعي الاتحاد الأوروبي “بوقف أي سفن على الأرض قبل توجهها إلى أوروبا”.


5-ليبيا تتحفظ

أعربت ليبيا عن تحفظاتها، وما يزال من غير المعروف، ما إذا كانت الحكومتان الخصمان اللتان تحكمان ذلك البلد ستوافقان على ذلك.

وفي نفس السياق، أوضح عضو مجلس النواب الليبي التابع للواء خليفة حفتر، عضو لجنة الدفاع والأمن القومي، طارق الجروشي، رفض بلاده أي قرار يتعلق بالتدخل العسكري، بعيدًا عن الأمم المتحدة، وأن الأمم المتحدة هي المعنية بأي قرار يتعلق بتسوية النزاعات الدولية، من خلال مجلس الأمن، موضحا أن بلاده دولة لها سيادتها، ولم يتشاور الاتحاد الأوروبي معها بشأن ذلك القرار.



6- الموقف الدولي


لا حل عسكريًا لأزمة الهجرة غير الشرعية



هكذا أكد بان كي مون قبيل نهاية أبريل عقب الكارثة الأسوء في تاريخ البحر المتوسط، موضحا: “المهم أن يكون هناك مقاربة دولية تأخذ بالاعتبار جذور المشكلة، الأمن وحقوق الإنسان للمهاجرين واللاجئين، كأن توجد قنوات هجرة قانونية ومنتظمة”
ولم يتحدد الموقف الدولي النهائي بعد المساعي الأوروبية للحل العسكري.

وفي سياق متصل، انتقد فيليب لوثر- مدير منظمة العفو الدولية بالشرق المتوسط وشمال أفريقيا، الحل العسكري، وقال: “تقديم الإجراءات لمواجهة المهربين دون توفير بدائل آمنة للمهاجرين لن يتفادى الصراع في ليبيا، ولن يحل أزمة المهاجرين واللاجئين”

المصادر

تحميل المزيد