في القوت الذي كانت خلاله قوى المعارضة منشغلة بالتحضير لاجتماعات جنيف مع الضغوط الغير مسبوقة التي تعرضت لها من قبل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، فإن النظام السوري مدعوما بالقصف الجوي الروسي يبدو أنه لم يكن يضيع وقتا من أجل فرض وقائع جديدة على الأرض.

في ظل التطورات المتلاحقة التي تشهدها سوريا مؤخرا، لم يكن إعلان المستشار في مكتب وزير الدفاع السعودي، العميد الركن «أحمد عسيري»، أن المملكة على استعداد للمشاركة في أي عملية برية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ضمن التحالف الدولي في سوريا، أمرا مفاجئا (1) في ضوء التطورات الراهنة التي ربما تدفع السعودية إلى البحث عن موطيء قدم في سوريا. الاستعداد السعودي لإمكانية التدخل في سوريا تم تأكيده من خلال تصريحات نقلتها شبكة سي إن إن أمس الجمعة نقلا عمن وصفتهم بأنهم مصادر سعودية مطلعة (2)، ولكن مع غرض أكثر وضوحا. حيث أكدت مصادر الشبكة الأمريكية أن هناك أكثر من 150 ألف جندي معظمهم من السعوديين مع قوات مصرية وسودانية وأردنية داخل المملكة حاليا يجرون تدريبات عسكرية، وأنه قد تم قبل أسبوعين تعيين قيادة مشتركة للقوات التي ستدخل سوريا من الشمال عبر تركيا.

ليست هذه هي المناسبة الأولى التي يتم خلالها الحديث عن تدخل عسكري سعودي تركي محتمل في سوريا خلال الأشهر الأخيرة؛ ففي أكتوبر/تشرين الأول الماضي (3) أكد الكاتب الصحفي السعودي المقرب من السلطات جمال خاشقجي، في تصريحات تلفزيونية أن المملكة العربية السعودية لن تقبل بانتصار إيراني روسي في سوريا، في الوقت الذي تسعى في روسيا لتأمين انتصار ساحق لبشار الأسد يرده رقما على طاولة التفاوض. في حين إن التدخل التركي المحتمل في شمال سوريا حول حديث لوسائل الإعلام منذ أسابيع قبل الانتخابات البرلمانية الأخيرة في البلاد التي جرت مطلع نوفمبر/تشرين الأول الماضي (4) حيث أعلنت تركيا منذ الأشهر الأولى للثورة في سوريا عن رغبتها في إقامة منطقة عازلة على الحدود السورية التركية بعمق 32 كم إلى الداخل السوري لتعمل على وفق تدفق العناصر المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية من ناحية، والأهم بالنسبة إلى تركيا على الأقل، هو تأمين الحدود التركية من توغل محتمل لحزب الاتحاد الديموقراطي الكردستاني السوري ووحدات حماية الشعب الكردي المرتبطة به نحو الحدود التركية.

(1) السقوط الوشيك لحلب في أيدي قوات النظام

في الوقت الذي كانت خلاله قوى المعارضة منشغلة بالتحضير لاجتماعات جنيف مع الضغوط الغير مسبوقة التي تعرضت لها من قبل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، فإن النظام السوري مدعوما بالقصف الجوي الروسي يبدو أنه لم يكن يضيع وقتا من أجل فرض وقائع جديدة على الأرض. قامت قوات النظام بتحقيق تقدم كبير وبخاصة في المناطق المحيطة بحلب. منذ عام 2012، يتقاسم كل من النظام وقوات المعارضة السيطرة على المدينة الشمالية (يتركز تواجد النظام في غرب المدينة في حين تسيطر المعارضة على شرقها)، في حين كانت المعارضة على ممر عزاز الحيوي وهو الطريق الرئيس للإمدادات القادمة من تركيا. نجحت قوات النظام في وصل صفوفها بحلب مع القوات الموازية لها في مدن نبل والزهراء الشيعية (5) بما يعني فك الحصار المفروض عليها منذ سنوات. كما قات بتمديد سيطرتها إلى المنطقة الصناعية في شرق حلب ما جعلها في نهاية المطاف قريبة من معاقل المعارضة في المدينة القديمة، كما نجحت مدعومة القصف الروسي في قطع ممر عزاز، وهو طريق الإمداد الرئيس للمعارضة وهو ما يعني أن حلب قد تكون على وشك السقوط كاملة في أيدي النظام (6)، وبخاصة في ظل تركيز الغارات الروسية على شمال وشرق حلب.

الصراع على ممر عزاز – معهد واشنطن

لن يكون سقوط حلب أمرا هينا بالنسبة إلى المعارضة وداعميها في الرياض، وعلى وجه الخصوص في أنقرة. قد يعني سقوط حلب فعليا وصول الحرب إلى الأراضي التركية عبر تطويق حدودها بحزام علوي كردي، خاصة في ظل المحاولات التي تشير إلى سعي روسيا لاستقطاب حزب الاتحاد الديموقراطي السوري المعادي لتركيا (7) . يعني ذلك أن ريف حلب الشمالي قريب من الوقوع في حصار كامل بين تنظيم الدولة الإسلامية ووحدات “حماية الشعبالكردية المتمركزة في بلدة عفرين شمال غربي حلب، وقوات النظام السوري.

يعني سقوط حلب أن المعارضة السورية ستفقد أي تواجد لها بالشمال السوري، باستثناء إدلب (8)، وهو ما يعني أيضا فقدان تركيا للكثير من نفوذها في هذه المنطقة مع تفاقم مشكلة اللاجئين. سوف يصب سقوط حلب المحتمل أيضا في مصلحة جبهة النصرة التي تتمتع بنفوذ كبير في إدلب، التي سوف تصبح الممر الأوحد للمساعدات التركية للمعارضة، وبخاصة إذا اضطرت تركيا لغلق الحدود المتاخمة لحلب كما هو متوقع.

(2) انهيار جنيف وخطة روسيا

رياض حجاب . رئيس وفد المعارضة السورية

مؤخرا، أعلنت مبعوث الأمم المتحدة للشئون السورية ستيفان دي مستورا عن تأجيل محادثات جنيف 3 إلى يوم 25 فبراير/ شباط بعد انسحاب المعارضة من جديد. وقد تعرضت المعارضة لسورية لضغوط كبيرة من أجل الاشتراك في المحادثات. وفقا لتقارير العديد من المراكز البحثية، فإن روسيا تواصل سعيها إلى تأمين ما توصف بأنها “سوريا مصغرة” يسيطر عليها الأسد في الجزء الغربي من البلاد (9) مع تأمين منطقة عازلة حول هذه الدويلة الصغيرة. حيث تهدف روسيا إلى تأمين انتصار عسكري للأسد في الوقت الذي ينشغل فيه الجميع بمفاوضات وهمية. يأتي ذلك في الوقت الذي مارست فيه الولايات المتحدة ضغوطا كبرى على المعارضة وحلفائها؛ من أجل تقليص الدعم؛ لإجبار الفصائل المعارضة على الانخراط في المفاوضات.

حيث قامت الأردن بخفض مستوى مساعداتها إلى الجبهة الجنوبية، التحالف الرئيس للمجموعات غير الإسلامية في جنوب البلاد، كما تم تقليص المساعدات القادمة عبر تركيا بفعل تكثيف القصف الروسي. وقد سبق أن هدد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري (10) المعارضة بوقف الدعم في حالة عدم الذهاب إلى جنيف، مؤكدا أنه لا يوجد جدول زمني لرحيل الرئيس السوري، وأن المفاوضات تهدف إلى تشكيل حكومة، وليست هيئة حكم انتقالي، وقد وصفت مصادر داخل المعارضة السورية لهجة وزير الخارجية الأمريكي بأنها كانت عصبية واستفزازية، قبل أن يعود كيري للتعهد أمام المعارضة بإنجاز الالتزامات الإنسانية وتنفيذ كامل القرار الأممي رقم 2254، وخاصة الفقرتان 12 و13 على الفور، والتزام الولايات المتحدة بدعم تشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية، وإبداء الرغبة بالاستعداد للقدوم إلى جنيف لدعم وفد المعارضة (11)، وهو ما يبدو أنه لم يحدث في ضوء المعطيات القائمة ما تسبب في تأجيل المفاوضات، وإعلان الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية أن المفاوضات قد تم تأجيلها بسبب القصف الروسي (12).

وفي ضوء التمسك الروسي بإحداث تغييرات جوهرية في توازن القوى على الأرض فإنه يبدو أن خط التفاوض قد انتهى إلى غير رجعة. حيث يبدو أن كلا طرفي المفاوضات ينظران إليها بشكل مختلف. ففي الوقت الذي تسعى فيه المعارضة نحو تشكيل هيئة حكم انتقالي وتحسين الأوضاع الإنسانية فإنه يبدو أن النظام وروسيا لا يسعيان إلا لكسب الوقت وتشتيت الانتباه. في القوت الذي تتمسك فيه روسيا بتصنيف المعارضة وفق ثنائية المعارضة المسلحة/ غير المسلحة واستبعاد جميع الفصائل المسلحة من العملية التفاوضية وإبقاء المعارضة التي يختارها النظام بنفسه (13).

(3) الخديعة الأمريكية

John Kerry Meets With Colombian President Juan Manuel Santosلم تنهر محادثات جنيف وحسب، وإنما يبدو أن الثقة في قيام الولايات المتحدة بدور إيجابي في الأزمة قد انهارت تماما. يتعرض الرئيس الأمريكي باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري إلى انتقادات كبيرة؛ بسبب الدور “المتخاذل” للإدارة الأمريكية خلال الأسابيع الأخيرة/ وممارستها لضغوط مجانية على المعارضة للانخراط في المفاوضات في الوقت الذي تواصل فيه روسيا والنظام عملياتهم العسكرية. حيث تعكس الصورة الكبرى تحولا كبيرا في خطة الولايات المتحدة تجاه سوريا عبر إعطاء الأولوية لمكافحة الإرهاب على إيجاد تسوية مناسبة للصراع السوري نفسه، ويأتي هذا التحول بشكل كبير استجابة للتأثير الروسي.

وفي ظل التحول الأمريكي الملحوظ والضغوط الكبيرة التي مارستها الولايات المتحدة على المعارضة وحلفائها في غياب أي ضغوط مقابلة على النظام أو روسيا من أجل تقديم تنازلات، حتى ولو إنسانية، خوفا من انهيار المحادثات، فإن هناك شعورا متفهما بـ”الخيانة” تجاه الولايات المتحدة من قبل فصائل المعارضة السورية، وربما أيضا بين صفوف داعميهم الرئيسيين في أنقرة والرياض. وجاء التقدم الأخير للنظام السوري مستغلا الانشغال بجنيف، ثم انهيار المحادثات بسبب الفشل في تأمين إيقاف القصف ووصول المساعدات ليطلق رصاصة الرحمة على مسار التفاوض ويعيد، ربما بشكل متأخر الجميع إلى مواقعهم الأولى.

(4) خيارات محدودة

ولكن يبدو أن التقدم الذي حققته قوات النظام منذ التدخل الروسي، وعلى الأخص خلال الأسابيع الأخيرة أصعب من أن يتم عكسه من قبل المعارضة في ظل المعطيات الحالية. يمثل الغطاء الجوي الروسي مشكلة حقيقة للمعارضة، وهي مشكلة ليس بالإمكان حلها عبر تكثيف الدعم بالأسلحة التقليدية. يمكن للأسلحة المضادة للطائرات وحدها أن تصنع الفارق في ظل هذه المعطيات، وهو خيار كان من الممكن أن يتم اللجوء إليه قبل تدخل روسيا وسطيرة طائراتها على الأجواء السورية بما يعني أن أي أسلحة مضادة للطائرات سوف تستهدف الطائرات الروسية في المقام الأول، وهو أمر ترغب تركيا والرياض في تجنبه بكل تأكيد.

تشعر تركيا بالغضب جراء تفويت الولايات المتحدة لفرصة إقامة المنطقة العازلة (13) قبل أن تتطور الأوضاع إلى تدخل روسي مباشر نجح في فرض وقائع جديدة على الأرض، خاصة بعد نشر أنظمة الصاروخي الروسية التي رجح أنها موجهة بهدف إقامة هذه المنطقة، وقد جعلت تلك التطورات إقامة هذه المنطقة أكثر كلفة. ولكن يبدو الأمر، على الأقل من وجهة نظر أنقرة والرياض، أن الأمور تنحصر بين خيارات سيئة وأخرى أكثر سوء. وتتمثل هذه الخيارات: إما في الصمت، وترك مسار المفاوضات للتداعي، وهي تجربة أثبتت فشلها في ضوء نتائج الجولة الأخيرة سياسيا وميدانيا. أو التدخل لدعم المعارضة بشكل حاسم قد يبلغ مستوى التدخل العسكري المباشر ، على أن يحظى هذا التدخل بمظلة دولية كمحاربة تنظيم الدولة، وهو أمر يعني أن الأسوأ فيما يخص الأزمة السورية المستمرة منذ 5 أعوام ربما لم يأت بعد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد