تواجه جمهورية إيران الإسلامية اليوم أزمات تهدد وجود نظام تحالفها المسمى محور المقاومة وذلك على جبهتين: الأولى سوريا، والآن العراق. ففي حين أنها احتوت إلى حد كبير الحرب السورية وقلبت الدفة لصالح نظام بشار الأسد بعد ثلاث سنوات من التدخلات العسكرية والسياسية المتواصلة، أدى انهيار الدولة العراقية وإمكانية عودة السنة إلى الحكم إلى دق ناقوس الخطر لدى إيران.

إيران الآن في وضع غير مريح لشن تدخل عسكري في العراق، تدخل من المرجح أن يتبع نمطًا ظهر منذ عام 1979.

ساعدت تجربتان عسكريتان حاسمتان في الثمانينيات في تشكيل نهج إيران في التدخل العسكري وتفضيلها الشديد للعمليات السرية. الأولى هي الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، والتي يمكن القول إنها تجربة حددت نهج الجمهورية الإسلامية إلى جانب الثورة نفسها. فبينما حققت العسكرية التقليدية لإيران الهدف الأساسي المتمثل في عدم التنازل عن شبر واحد من الأراضي الإيرانية إلى العراق باستخدام العمليات العلنية، كانت أقل نجاحًا بكثير في إسقاط السلطة في العراق، وتكلفت الحرب مئات الآلاف من القتلى والجرحى ومئات المليارات من الدولارات.

بوضع هذه الخلفية في الاعتبار، ما هو نهج إيران في التدخل العسكري؟

يتكون نهجها عادة من ثلاثة مبادئ أساسية.

1- اترك أثرًا خلفك

إن تفضيل إيران لترك أثر خلفها، خاصة عبر العمليات السرية، قد ظهر في مناسبات عديدة منذ عام 1979؛ فقد اعتمد هذا النهج على العمليات الخاصة الصغيرة التي تشارك بها وحدات الاستخبارات والتي تعمل على جمع المعلومات الحيوية والعمل كمدربين ومستشارين لتحقيق أهدافها، والمثال الأكثر شهرة على هذه القوة هو فيلق القدس الذي يرأسه الجنرال قاسم سليماني.

هذا التفضيل، الذي شكلته خبراتها في الثمانينيات، التأم في نهج أكثر اتساقًا في أعقاب مقتل 13 من الدبلوماسيين الإيرانيين في هجوم على القنصلية الإيرانية في مزار شريف من قبل حركة طالبان الأفغانية في عام 1998، كانت هذه حادثة فكرت بعدها مؤسسة الأمن القومي الإيراني بشن عمليات علنية على نطاق واسع في أفغانستان.

إن تفضيل إيران لترك بصمة عبر التدخلات العسكرية كان قويَا بما يكفي لدرجة أنها حاولت في سوريا تجنب استخدام القوات الإيرانية وحشدت بدلَا من ذلك مجموعات شيعية مثل حزب الله ومجموعات خاصة من الشيعة العراقيين اللبنانيين.

2- الشراكة مع القوى المحلية واستخدام الحرب غير التقليدية

تاريخيًا، دوما ما سعت إيران إلى الشراكة مع القوى المحلية في تنفيذ التدخلات العسكرية. وفي حين أن المعلومات المتاحة للجمهور حول الأمر ضئيلة، يبدو أن هذه الشراكات تتبع نمطًا أساسيًا تجسد في حزب الله، على الرغم من أنه قد تكون هناك اختلافات جوهرية من حالة إلى أخرى.

فأولًا، إنها عادة ما تستهدف المجتمعات المسلمة المهمشة في الدول التي كانت تريد التدخل فيها. مثل الطائفة الشيعية في لبنان في أعقاب الغزو الإسرائيلي في العام 1982، فتعرضها للمخاطر خلق فرصة لإيران للدخول وعرض تعاون يشمل التمويل والتدريب والأسلحة، في مقابل التعاون في تحقيق أهداف السياسة الخارجية والأمنية الإيرانية.

ثانيا، بدلًا من إنشاء جماعات مسلحة ضيقة الأفق، عادة ما تحاول إيران خلق الحركات التي يمكن أن تجتذب قاعدة اجتماعية (من خلال توفير الخدمات الاجتماعية)، والتأثير بفعالية في سياسة الدول التي تعيش فيها، وتكون بمثابة قوة عسكرية ضد المعارضين داخل وحول السياق الجغرافي المباشر. يمثل حزب الله اليوم مثل هذه الحركة، فهو دولة داخل الدولة في جنوب لبنان بما يوسع نطاق النفوذ الإيراني في بلاد الشام.

ثالثًا، إن اعتماد إيران على القوى المحلية غالبًا ما يسير جنبًا إلى جنب مع استخدام الحرب غير التقليدية. برز التركيز على هذا النوع من الحرب إبان الحرب بين إيران والعراق، حيث تآكل التفوق العسكري الإيراني التقليدي باطراد على مدار الحرب.

3- خلق تحالفات غير طائفية

حاولت إيران إضفاء الشرعية على أفعالها وإضعاف خصومها في تدخلاتها العسكرية عن طريق خلق تحالفات غير طائفية واسعة، وهذا يعني أنها غالبا ما تسعى إلى تجنب الطائفية العلنية سواء في خطابها أو أفعالها حيثما كان ذلك ممكنًا. وقد تم تطبيق ذلك مع حزب الله في لبنان، والذي يعمل بانتظام مع المسيحيين والطوائف الأخرى تحت شعار معاداة الصهيونية، والتحالف الشمالي في أفغانستان، والذي شمل الطاجيك-السنة والهزارة الشيعية تحت لافتة مكافحة طالبان. وفي سوريا، فهي تقاتل للحفاظ على النظام البعثي العربي العلماني برئاسة الطائفة العلوية (التي وخلافًا لبعض الادعاءات، لا تنتمي لتيار التشيع الرئيسي) والنخب السنية تحت راية مكافحة الإرهاب.



عرض التعليقات
تحميل المزيد