أن تنهزم في معركة أو حرب أمرٌ عاديّ؛ ففي كل الحروب منهزم ومنتصر، لكنك عندما ترتكب خطأً فادحًا وتكون سببًا مباشرًا في هزيمة جيشك، فإن التاريخ لن يغفر لك ذلك، حتى وإن حاول البعض تجميل صورتك، وحتى لو انتصرت في عددٍ كبيرٍ من المعارك، وهُزمت في واحدة، فلن ترسخ في الذاكرة، سوى هزيمتك تلك.

نستعرضُ في هذا التقرير نماذج لقادة عسكريين من العصر الحديث، ارتكبوا أخطاءً عسكريَّة و«تكتيكيَّة» فادحة قادت جيوشهم لتكبد خسائر فادحة، ومن الممكن أن بعضها ساهم في تغيير وجه التاريخ.

«أنتونيو لوبيز دي سانتا آنا».. الفاشل المبجَّل

أنتونيو لوبيز دي سانتا آنا

حياةً متقلِّبة عاشها هذا الجنرال المكسيكيّ الذي ولد عام 1794م وتوفي سنة 1876م، كان في البداية ضابطًا في الجيش الإسباني برتبة نقيب، ثم ناصر «أغوستين دي إتوربيدي» في حرب استقلال المكسيك عن الحكم الإسباني عام 1821م فتم تنصيبه كحاكم وعميد على منطقة «فيراكروز»، قبل أن يساعد على الإطاحة بـ «دي إتوربيدي» وتنصيب «فيسينتي غيريرو» رئيسًا، ثم ساعد على الإطاحة أيضًا بهذا الأخير.

نال احترامًا واسعًا من لدن المكسيكيين؛ بعدما أحبط محاولة إسبانية لإعادة المكسيك لملكها عام 1829م، ليصبح فيما بعد رئيسًا للمكسيك عام 1834م.

عام 1836م قاد حملةً لقمع تمرد قام بها المستوطنون البيض في تكساس، لكنه هزم واستسلم بشكلٍ غريب في «آلامو Alamo»، ونفي إلى الولايات المتحدة الأمريكية لفترةٍ قصيرة؛ ليعود بعدها إلى بلده، ويتم استقباله استقبال الأبطال، بالرغم من أنه تسبَّبَ في هزيمةٍ مُنكرة!

محاولة سانتا آنا إخماد الثورات الإنفصالية في تكساس سنة 1836

تولَّى عام 1838 مهمَّة مواجهة قوة فرنسية صغيرة احتلت «فيراكروز» وطالبت بتعويض عما تعرضت له السفن الفرنسية، وبالرغم من أن المسألة تتعلق بمعركة سهلة لا تتطلب الكثير من المجهود، إلا أنه هزم فيها أيضًا وبُترت ساقه؛ ليعوضها بساق من الفلين ويعود إلى موطنه ويستقبل مرة أخرى استقبال الأبطال، فأصبح رئيسًا مرة أخرى، ثم حوَّل كل السلطات إليه كديكتاتور؛ ليضيق به المكسيكيون أخيرًا عام 1845، فتم نفيه إلى كوبا.

عاد مرة أخرى بعد عام وقاد جيش المكسيك في حروبه المتواصلة مع الأمريكيين فيما يعرف بالحرب الأمريكية المكسيكية لسنة 1846م، وانهزم كالمعتاد، هذه المرة على يد الجنرال «وينفيلد سكوت»، وأرسلت ساقه الفلينيَّة للعرض في متحف بالولايات المتحدة الأمريكية.

تقاعد في «جامايكا» عام 1847 ثم في «غرانادا الجديدة» عام 1853، وعاد بعد 14 عاما ليقود تمردًا آخر، ففشل مرة أخرى وحكم عليه بالموت، ثم صدر عفو بحقه؛ ليموت فقيرًا معدمًا فاقدًا للبصر عام 1876م.

«دوغلاس ماك آرثر»: تأرجح بين الانتصارات الساحقة والهزائم المدوية

دوغلاس ماك آرثر

لعلَّه من الغريب أن ندرج قائدًا عسكريًّا من طينة دوغلاس ماك آرثر في هذا العرض، الجنرال الذي ولد عام 1880م وخدم كقائد لقوات الولايات المتحدة الأمريكية في الفلبين، ومشيرًا للجيش الفلبيني إلى غاية تقديمه لاستقالته عام 1937م، ليتم استدعاؤه فيما بعد؛ إثر هجوم «بيرل هاربر» الذي أدخل الولايات المتحدة رسميًا في الحرب العالمية الثانية؛ ليتولى قيادة القوات الأمريكية في المحيط الهادي وجنوب شرق آسيا لمواجهة القوات اليابانية.

تمكن «ماك آرثر» بالفعل من تحقيق انتصارات على القوات اليابانية، انتهت بتوليه منصب الحاكم العسكري لليابان مع نهاية الحرب العالمية الثانية.

خريطة تقدم قوات الحلفاء بقيادة ماك آرثر في جزيرة غينيا الجديدة إبان معارك الحرب العالمية الثانية

تم استدعاؤه فيما بعد من قبل الأمم المتحدة ليتولى مهمة قيادة القوات المحاربة في كوريا بداية الخمسينيات، وهي القوات التي كان القسم الأكبر منها أمريكيًا بطبيعة الحال، خاصة تلك المتمركزة في اليابان منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتمكن بالفعل من الدفاع عن كوريا الجنوبية، واستقدام قوات حول بها دفاعه إلى هجوم من خلال إنزالها في ميناء «إنشون» Inchon ومطاردته لقوات كوريا الشمالية حتى الحدود مع الصين، لتدفع هذه الأخيرة بتعزيزات إلى القسم الشمالي من كوريا، وعندما أراد ماك آرثر توسيع رقعة الحرب اصطدم بالقيادة السياسية التي رفضت ذلك، فوجه لها انتقادات عنيفة انتهت بإعفائه من مهامه وتسريحه من الخدمة في الجيش بشكلٍ نهائي.

خريطة توضح تراجع قوات الأمم المتحدة بعد التدخل الصيني

بالرغم من كل الانتصارات التي حققها ماك آرثر، إلا أنه ارتكب أيضًا أخطاء عسكرية فادحة ربما لم يشهد مثلها الجيش الأمريكي في تاريخه؛ فقد تسببت قراءته السيئة لمجريات المعارك مع اليابانيين في حصار هؤلاء لفرق من الجيش الأمريكي في أبريل (نيسان) 1942م إبان حملة «غوادالكانال» و معركة سافو، مخلفة خسائر كبيرة، وإن لم يستغلها اليابانيون كما يجب، كما أن عدم اهتمامه ببعض المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بتوزيع الجبهات وحشود القوات المعادية ساهمت في تجاهله لتواجد مليون جندي صيني يستعدون للمواجهة مع الجيش الأمريكي في الجبهة الشمالية للحرب الكورية؛ ما كان سيدخل الولايات المتحدة في مواجهة محفوفة بالمخاطر، وغير مأمونة العواقب، مع الصين التي كان يقودها آنذاك «ماو تسي تونغ»، أضف إلى ذلك سوء تفاهمه مع القوات الأسترالية في غويانا الجديدة؛ ما تسبب في سقوط حوالي 10 آلاف جندي بين قتيل وجريح.

يبدو أن «دوغلاس ماك آرثر» قد فهم جيدًا الطبيعة الصعبة والمعقدة للحرب في جبهة جنوب شرق آسيا، فكان من أشد المعارضين لدخول الولايات المتحدة في حرب فيتنام، قبل وفاته عام 1964م.

«دوغلاس هيغ»: فقدان 60 ألف جندي مجرد «خسائر تافهة»

دوغلاس هيغ

«دوغلاس هيغ» ضابط في الجيش البريطاني، من مواليد عام 1861م، اشتهر بتوليه قيادة القوات البريطانية في «معركة السوم»، واحدة من أبرز المعارك المفصلية في الحرب العالمية الأولى التي جرت أطوارها بين عامي 1914م و 1918م.

جرت أطوار معركة السوم بين 1 يوليو (تموز) 1916م و 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 1916م، على ضفتي نهر فرنسي يحمل نفس الإسم، شنتها قوات الحلفاء ضد الجيش الألماني الذي احتل مناطق واسعة في فرنسا بهدف إحداث اختراق في الخطوط الألمانية، وجرى استخدام الدبابات لأول مرة في هذه المعركة.

لم تكن تقديرات البريطانيين بقيادة هيغ دقيقة؛ ما قادهم لتلقي أكبر خسارة في يوم واحد في تاريخهم، بفقدانتهم لما يزيد عن 60 ألف جندي بين قتيل وجريح (ما يمثل حوالي 20 % من مجموع القوات البريطانية)، دون الوصول لأي هدف من الأهداف، وانتهت المعركة بعد ذلك بتحقيق قوات الحلفاء لاختراقٍ لا يتجاوز 9 كيلومترات، وكان الجيش البريطاني على بعد ثلاثة أميال من «بافيوم» Bapaume وأيضًا لم يتم استرداد «ترانزولي» Transloy وفشلت في الوصول إلى أهدافها المرادة منها مسبقا، مع فشلٍ في استرداد أية مدينة فرنسية، وإن اعتبرها البعض باكورة لتراجع القوات الألمانية وهزيمتها فيما بعد، بعدما أحدثت هذه المعركة شرخًا في الخطوط الدفاعية الألمانية.

جبهات القتال في معركة السوم بين قوات الحلفاء والألمان، الفترة الممتدة من 1 يوليو (تموز) إلى 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 1916م

تدرَّس هذه المعركة حتى الآن في الكليات العسكرية البريطانية؛ نظرًا لأهميتها التكتيكية والاستراتيجية والعبر الكثيرة المستخلصة منها، لكن التاريخ خلدها كواحدة من أكثر المعارك الدموية؛ بعدما خلفت أكثر من مليون ونصف مليون بين قتيل وجريح من كلا الطرفين.

الطريف في كل هذا أن هيغ (الذي توفي عام 1928م) كتب فيما بعد في مذكراته أن 60 ألف جندي مجرد خسائر قليلة وتافهة مقارنة بالأعداد الكبيرة للقوات المهاجمة، بالرغم من أن التاريخ يشير إلى أن 800 ألف جندي بالإجمال قتلوا في مجموع المعارك التي قادها هو؛ ليعود في كل مرة إلى بريطانيا ويتم استقباله فيها استقبال الأبطال.

«روبيرت جورج نيفيل».. القائد العسكري «المتفرِّج»!

روبيرت نيفيل

كان «روبيرت نيفيل» (الذي ولد عام 1856م) ضابط مدفعية في الجيش الفرنسي، تولى قيادة الجيش الفرنسي في معارك الحرب العالمية الأولى سنة 1916، ويمكن القول إنه كان نسخة فرنسية من دوغلاس هيغ؛ فقد اكتفى بالتفرج على آلاف الضحايا من القوات الفرنسية الذين سقطوا في ساحات القتال، دون أدنى تدخل منه؛ ويعود السبب لسوء تخطيطه، وعدم تنفيذه لمهامه كقائد عسكري بالشكل الأمثل؛ ما تسبب في إعفائه من مهامه كقائد للقوات وإرساله إلى الجزائر، ثم تعويضه بـ«فيليب بيتان».

في معركة «شومان دو دام» أو ما يعرف بمعركة فيرون بين 16 أبريل (نيسان) و 24 أكتوبر (تشرين الأول) 1917م، بين «سواسون» و«ريمس»، تعرضت القوات الفرنسية تحت إمرة نيفيل لخسائر فادحة قدرت بحوالي 200 ألف جندي، بعدما فشل هجومها على الجيوش الألمانية في تحقيق أهدافه الكبرى؛ ما تسبب في حدوث تمرُّد بين صفوف الجنود الفرنسيين الساخطين على الوضع، كما أدت هذه الخسائر في إيقاف الهجوم والسماح للألمان بنشر قواتهم في الشرق والضغط على القوات الروسية التي انسحبت من الحرب بأكملها، ويربط بعض المؤرخين العسكريين بين هذه الهزيمة التي كان نيفيل المتسبب الأبرز فيها، وبين إطالة أمد الحرب لمدة عام إضافي، وأيضا التسريع بقيام الثورة البلشفية في روسيا عام 1917م.

خريطة معركة فيرون بين سواسون و ريمس

توفي نيفيل عام 1924م، والمطلع على العدد الكبير من الأوسمة والتكريمات التي نالها سيستغرب من تناقض ذلك مع الواقع الحقيقي لهذا الجنرال الذي كان أبعد ما يكون عن الخلود في التاريخ العسكري.

«غونيشي ميكاوا».. ستهزم إذا لم تستثمر انتصاراتك كما يجب!

غونيشي ميكاوا

«غونيشي ميكاوا أدميرال» في القوات البحرية التابعة للجيش الياباني، ولد عام 1888م وتوفي سنة 1981م، كان قائدًا للطرادات الثقيلة، تمكَّن من تحقيق انتصاراتٍ واضحة على البحرية الأمريكية والأسترالية في معركة «جزيرة سافو» في أغسطس (آب) سنة 1942.

خط سير أسطول ميكاوا البحري خلال معركة جزيرة «سافو» في حملة «غوادلكنال» أغسطس (آب) 1942

يومها قام الأدميرال ميكاوا باستقدام قوة مكونة من سبع طرادات ومدمرة واحدة من القواعد اليابانية في جزيرتي نيو بريتين ونيو أيرلند عبر مضيق نيو جورجيا لمهاجمة أسطول الحلفاء البرمائي والقوة المصاحبة له.

كانت هذه القوة المصابة تتألف من ثماني طرادات و15 مدمرة تحت قيادة العميد فيكتور كرتشلي، إلا أنه لم تشترك في المعركة إلا خمس طرادات وسبع مدمرات. نجح ميكاوا في مباغتة سفن الحلفاء وتحديد مسارها، وأغرق طرادًا أستراليًا وثلاثة طرادات أمريكية، مقابل إصابات طفيفة لحقت بأسطوله.

كان هذا نصرًا استراتيجيًا كبيرًا لميكاوا، لكنه لم يستثمره كما يجب، مرتكبًا خطأ فادحًا: فقد عاد مباشرة إلى قواعده، دون أن يحاول تدمير سفن نقل الحلفاء التي كانت تدعم عملية الإنزال التي قامت بها قوات الحلفاء في جزر سليمان.

نزلت قوات الحلفاء في «جوادالكانال» والجزر المحيطة بها قبل المعركة بيومين فقط؛ لتصبح في موقف حرج وبالغ الخطورة بعد انسحاب أسطول الحلفاء إثر هزيمته ضد ميكاوا، إذ لم يكن في حوزة هذه القوات إلا القليل من الإمدادت والمعدات والمواد الغذائية التي تسمح ببقائها في مواقعها. لكنّ عدم تدمير ميكاوا لسفن النقل التابعة للحلفاء (بالرغم من أن الفرصة كانت سانحةً لذلك) كان خطأ محوريًا فادحًا سمح للحلفاء بتثبيت أقدامهم في جوادالكانال، عوضًا عن الإجهاز على ما تبقى من القوات وخطوط الإمداد؛ مما أدى في النهاية إلى انتصار قوات الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في الحملة، وإنهاء الحرب بعد إلقاء قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناكازاكي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد