تنتهج السياسة الخارجية لرئيس وزراء باكستان عمران خان نهجًا أكثر انفتاحًا على دول العالم، بدلًا عن الركون إلى حلفاء بلاده التقليديين؛ في مسعى لإعادة باكستان إلى الواجهة كقوة فاعلة في المنطقة من جهة، ولحل المشكلات الاقتصادية التي تواجهها البلاد من جهة أخرى، وتبرز قطر كشريك إستراتيجي مهم لباكستان على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. فيما تسعى الدوحة من جانبها للخروج عن الطوق وتحقيق استقلاليتها من خلال تدشين علاقات متينة مع دول المنطقة، فإلى أي مدى يمكن لهذا التقارب أن يذهب، وما الأهداف التي يمكن أن تحققها قطر وباكستان؟ 

أطواق نجاة متبادلة.. مشكلات الطاقة في باكستان والأمن الغذائي في قطر

تعاني باكستان من مشكلات في الطاقة منذ سنوات، ولم تفلح الجهود الحكومية في حلها. وتعطل مشكلات الطاقة عجلة الإنتاج في باكستان، ولا زال السكان يعانون من انقطاع الكهرباء، خاصة في فصل الصيف لفترات تتجاوز الـ12 ساعة في اليوم أحيانًا. 

مظاهرات إسلامية حاشدة ضد عمران خان.. هل تشهد باكستان ثورة؟

في خضم هذه الأزمة جاءت اتفاقية الغاز التي وقعتها باكستان مع قطر في 2016 لتضمن تزويدها بـ3.72 مليون طن سنويًا من الغاز لمدة 15 سنة؛ الأمر الذي مكنها من إضافة ألفي ميجا واط من الكهرباء للبلاد. 

ولم تتوقف ثمار العلاقة عند هذا الحد، بل نجحت حكومة باكستان هذا العام  في التوصل إلى اتفاقية جديدة لمدة 10 سنوات توفر على باكستان 2.5 مليار دولار، إذ قدمت قطر سعرًا أقل من كل العطاءات المقدمة.

يوضح هذا حرص قطر على توثيق علاقتها مع باكستان التي قد تساعدها في تأمين جوانب كثيرة، منها توفير الأمن الغذائي الذي يشكل تحديًا خطيرًا لها بعد الحصار الذي فُرض عليها من عدة دول ترأسته السعودية والإمارات، لا سيّما مع اقتراب كأس العالم الذي تُنظمه قطر عام 2022. 

وتستطيع باكستان التي تتمتع بنسبة أراضٍ صالحة للزراعة تصل إلى 70% أن تزود قطر بالمنتجات الغذائية، الأمر الذي بدأته الدولتان بالفعل، إذ ارتفعت صادرات باكستان من الأغذية إلى قطر بنسبة 70.53% في 2018 وهو ما تأمل باكستان إلى استنساخه في صادرات مواد أخرى غير الأغذية. 

كما عملت قطر على رفع الحظر عن بعض المنتجات القادمة من باكستان مثل: الأرز، وأجرت تسهيلات جديدة على الواردات الباكستانية؛ الأمر الذي سيُبقي الباب مفتوحًا أمام مزيد من التعاون في هذا الجانب بما يصب في مصلحة البلدين. 

قطر وباكستان.. إغراء الجار القوي بأنها شريك أفضل من الرياض 

تمتعت باكستان بعلاقات تاريخية جيدة مع دول الخليج، ولا زالت تحافظ على موقف متزن من مختلف الدول، خاصة بعد النزاع الخليجي الأخير الذي اندلع في عام 2017، حيث رفضت باكستان الانحياز لأي طرف. 

ولا غروَ فهي ترتبط بعلاقات ومصالح مع كلا طرفي النزاع، وأي انحياز لأي منها يمثل تهديدًا حقيقيًا لمصالحها، فيما تحتاج دول الخليج لباكستان صاحبة مركز ثاني أكبر دولة مسلمة من حيث عدد السكان، والدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي.

أحد هذه المصالح ما يمثله الخليج كسوق كبرى للقوى العاملة الباكستانية، إذ ينفق الفرد الباكستاني 9 آلاف دولار أمريكي للعثور على فرصة عمل في دول الخليج، وأكبر نسبة من العاملين الباكستانيين تتركز في السعودية بـ5 مليون شخص، تليها الإمارات بـ3.6 مليون، ثم قطر بـ160 ألف و381 وفقًا لإحصائيات 2018. 

وبينما تختلف المصالح التي يرجوها كل طرف في الخليج من باكستان، تحاول قطر النفاذ من المناطق التي تعجز جاراتها عن تغطيتها لترسيخ العلاقات، وإرسال رسائل واضحة لباكستان بأنها شريك يمكن الاعتماد عليه. 

من ذلك ما قدمته قطر من طوق نجاة لباكستان عندما تعثر الاقتصاد السعودي، وعجز عن توفير وظائف للباكستانيين، وأصبح العديد منهم مجبرون على العودة إلى بلدهم، إذ وفرت 100 ألف وظيفة لهم، وافتتحت الدوحة في عام 2018 مركزًا للتأشيرات في باكستان للمعالجة السريعة لتأشيرات القوى العاملة الباكستانية. بالإضافة إلى حصول الباكستانيين على تأشيرة زيارة بمجرد وصولهم إلى قطر دون إجراءات مسبقة. 

خط ملاحي ودعم مالي.. تنافس قطري سعودي على ود إسلام آباد

ازداد حجم التعاون التجاري بين البلدين بعد تدشين الخط الملاحي بين ميناء حمد وميناء كراتشي في 2017، وفي هذا الصدد صرّح وزير التجارة القطري علي الكواري بأن حجم التعاون التجاري بين قطر وباكستان ازداد بنسبة 230% في 2018. 

«فورين بوليسي»: كيف تتلاعب باكستان بترامب؟

فيما أعلنت قطر ضخ 3 مليارات دولار على شكل ودائع واستثمارات في باكستان عقب زيارة أميرها تميم بن حمد لإسلام أباد، في مسعى لإنقاذ باكستان من أزمتها الاقتصادية التي جعلتها تلجأ لطلب قرض من صندوق النقد الدولي. 

جاء دعم قطر المالي لباكستان بعد الدعم السعودي الذي قدمه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في أوائل العام الحالي بعد زيارة لإسلام أباد بلغ 3 مليارات دولار وتأجيل 3.2 مليار دولار من دين باكستان من النفط السعودي. 

تأمين النفط وكأس العالم وتدريبات بحرية.. دور الجيش الباكستاني في قطر

على الجانب العسكري، تجمع قطر وباكستان العديد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، لعل أهمها اتفاقية التعاون الدفاعي عام 2010. وتنتشر القوات الباكستانية في مواقع حساسة في قطر مثل: مصافي النفط والمنشآت الأمنية نتيجة لاتفاق انتداب القوات المسلحة العسكرية عام 1985. 

فيما أبدت باكستان استعدادها لإرسال قوات إضافية لقطر للمساعدة في تنظيم كأس العالم 2022 كما صرّح رئيس أركان الجيش الباكستاني، وتشارك البلدين في تدريبات عسكرية كالتي أجرتها القوات البحرية القطرية والباكستانية والتي أطلق عليها اسم «أسد البحر1» شملت تدريبات على اقتحام السفن والدفاع عن حقول النفط والغاز. 

وتبقى القنوات مفتوحة لتعزيز التعاون العسكري بين البلدين؛ فبلد مثل باكستان تتمتع بسابع أكبر قوة في العالم تمثل دورًا مهمًا في المشهد الأمني في الجزيرة العربية. 

السير على حبل مشدود.. كيف توازن باكستان علاقاتها بين السعودية وقطر

تحاول باكستان السير على خط رفيع للإبقاء على العلاقات جيدة ومتوازنة مع جميع الأطراف في الجزيرة العربية؛ لتحافظ على دعمهم الاقتصادي خاصة في مجال الطاقة، وحين رفضت باكستان الدخول في التحالف ضد اليمن عام 2015، فعلت ذلك خشية أن يؤجج التحرك ضد الحوثيين النزاعات الطائفية في باكستان التي عانت البلاد ويلاتها في تسعينات القرن الماضي. 

لو أن السعودية تفتح حربًا على إيران من باكستان.. ما هي أوراق طهران للمواجهة؟

ومن جهتها لم تتخذ الرياض، التي تأمل أن تساندها إسلام أباد ضد إيران، موقفًا حادًا من باكستان بسبب ذلك؛ لتفهمها تلك التعقيدات، وفي ظل حكومة عمران يبدو أن فرص التقارب مع قطر أكبر؛ إذ إن رئيس الوزراء الجديد لا يدين بشيء للسعودية، بعكس سلفه نوّاز شريف، الذي كانت تربطه علاقات خاصة بالسعودية، وحاولت الأخيرة إنقاذه من قضية الفساد التي وُجهت له، حين قالت إن ما يمتلكه شريف في المملكة المتحدة كان هدية من العائلة الحاكمة في السعودية. 

ومن ناحية أخرى تبدو قطر شريكًا أفضل لباكستان إذ تتمتع هذه الأخيرة بعلاقات جيدة مع إيران التي تشاركها حقول الغاز في حقل الشمال تحت الخليج العربي على عكس السعودية وهو ما تسعى إليه باكستان، فباكستان عمران تنظر لإيران كجار وشريك تجاري محتمل، ولا تريد الانجرار إلى أي مواجهة معها؛ الأمر الذي يدعمه الرأي العام الداخلي في البلاد.

 وحتى لو لم تضرب إيران باكستان عسكريًا، بإمكانها إيقاع الضرر بباكستان؛ فقطع العلاقات التجارية معها ووقف تزويد الكهرباء وإثارة القلاقل في بلوشستان وضمن الجماعات الشيعية المتشددة المنتشرة في كل أنحاء باكستان كلها كوابيس تنأى إسلام أباد بنفسها بعيدًا عنها. 

وتلعب قطر أيضًا دورًا هامًا في الحوار بين طالبان وأمريكا؛ إذ هناك تمثيل رسمي لطالبان في قطر، وهي المحادثات التي تدعمها باكستان بقوة للتوصل إلى حل هذه المشكلة التي أرّقتها لسنوات، وعلى الرغم من خوف باكستان من تخلي السعودية عنها واللجوء إلى الهند لتحقيق غاياتها في المنطقة، تسعى سياسة عمران الخارجية إلى خلق علاقات متينة مع العديد من الدول والابتعاد عن خوض حروب بالوكالة عن أحد، الأمر الذي يبدو أنها تنجح بفعله حتى الآن. 

الاستقلال عن الجار المهيمن.. البحث عن الشراكات جديدة 

تتبع قطر سياسة خارجية حذرة وتسعى من جهتها إلى تدشين علاقات قوية مع دول المنطقة في محاولة منها لتطويق الحصار الذي فرضته دول الجوار عليها، وباعتبارها أكبر مصدّر للغاز في العالم، وسّعت قطر شراكاتها التجارية من الغاز المسال من سبع إلى 21 دولة شملت اليابان والصين وكوريا الجنوبية والهند وباكستان والدول الأوروبية. 

وانسحبت قطر في يناير (كانون الثاني) 2019 من منظمة أوبك على اعتبار أنها مصدّر للغاز وليس للنفط، ولكن يرى المحللون أن هذه الخطوة جاءت كمحاولة من قطر للاستقلال عن جارتها المهيمينة وهي السعودية. 

الطاقة والوساطة.. لهذه الأسباب تعتبر باكستان قطر شريكًا إستراتيجيًا

كما تؤدي قطر دورًا سياسيًا هامًا بين الأطراف المتنازعة في المنطقة ودول الجوار، فهي على علاقة جيدة مع حماس وتدعمها ماليًا ولها تأثير على حزب الله وتتمتع بعلاقات جيدة مع إسرائيل في الوقت نفسه ولطالبان تمثيل رسمي داخل الدولة. 

من باكستان إلى المالديف.. رحلة فشل أصدقاء السعودية في الفوز بانتخابات بلدانهم

كما تتمتع قطر بعلاقات جيدة مع إيران على عكس دول الجوار الأمر؛ ما يجعلها جزءًا أساسيًا من أي حوارات سياسية في دول المنطقة، ومن جهة أخرى باكستان بحاجة ماسة للطاقة وللوساطة السياسية التي تؤديها قطر في حل النزاعات، فيما يرى محللون باكستانيون أن قطر شريك إستراتيجي مهم لبلادهم.

توافق المصالح يعزز آفاق العلاقات بين الدوحة وإسلام أباد

تسعي قطر لتأمين نفسها عسكريًا وأمنيًا وغذائيًا، ووجدت على ضالتها في باكستان، خاصة إذا ما ازداد التعاون بشراء أراضٍ زراعية في باكستان، ورفعت قطر من استثماراتها في الموانئ الباكستانية لتحافظ على أمنها الغذائي. 

في ظل هذه المعطيات يرجح المراقبون أن يستمر التعاون بين الدوحة وإسلام أباد، ويزداد في المستقبل القريب، خاصة مع ما يبدو من توافق في سياسات البلدين تجاه دول المنطقة. 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد