تفخر الدول بما تمتلكه من ترسانة أسلحة، وطائرات مقاتلة وصواريخ، وقدرتها أيضًا على الهندسة العكسية العسكرية!

تعرف البشرية مقولة «الحاجة أم الاختراع»؛ فكل احتياج يؤدي لاختراعٍ ما، يُلبي هذه الحاجة. لكن ماذا لو كان الاختراع موجودًا بالفعل؟ الإجابة البديهية إذا كان موجودًا فلتستخدمه البشرية مباشرة، تشتريه الدولة المُحتاجة من الدولة المخترعة، لكن ألا تجد كلمة الاختراع مسبوقةً دائمًا بكلمة «براءة».

تمنح براءة الاختراع حقًّا حصريًّا للمُخترع بالموافقة أو الرفض لمنح اختراعه لمن يشاء. أضف إلى ذلك، أن المخططات التي تشرح كيفية بناء اختراعٍ ما، تكون غالبًا مصادر مغلقة غير متاحة لأي أحد، ودائمًا ما تحتاج لعملية صعبة وخطيرة لسرقتها.

بالطبع يمكنك إدراك وتخيُّل كل هذا، فماذا إذا كان الاختراع المراد سرقة مخططاته صاروخًا حربيًّا أو دبابة متقدمة؟ هنا تصل الصعوبة إلى مرحلة المستحيل؛ فالدولة التي أنفقت من ميزانيتها وكرَّست جهود مهندسيها للوصول لسلاح يعطيهم فضل السبق على الدول الأخرى، لن تعطي مخططات السلاح لأي أحد. بل أحيانًا لا تبيع الدول بعض الأسلحة المتقدمة لا لأعدائها ولا لحلفائها، مثل بعض أنواع الطائرات الشبحية «إف-35» التي لا يمتلكها في العالم سوى أمريكا وإسرائيل.

لكن لأن «الحاجة أم الاختراع»، والتسلح بأحدث الأسلحة بمثابة الماء والهواء للدول حاليًا؛ وصلت الدول لاختراع جديد: «الهندسة العسكية». ببساطة، الهندسة العكسية، وكما يتضح من اسمها، هي أخذ منتج موجود بالفعل وتفكيكه تمامًا؛ ليُصمَّم منتج مشابه له تمامًا.

قد يكون المنتج المأخوذ هو المنتج الفعلي المُصنَّع أو مخططاته، بمعنى يمكن أن تتم الهندسة العكسية بسرقة طائرة حديثة أو بسرقة رسم تخطيطي لكيفية صناعة تلك الطائرة. يدخل علم الهندسة العكسية في مختلف مجالات الحياة، وله تطبيقاته الكثيرة، لكنه ارتبط دائمًا بالجانب العسكري.

بالتأكيد تعد الهندسة العكسية فعلًا غير مرغوب في نظر الدول التي تُسرق ابتكاراتها، لكنها تُعد ثورة في الدول الأخرى. فدول مثل تركيا، والبرازيل، وإيران، والصين، تعد الهندسة العكسية استراتيجيةً تصنيعية عادية. ويُنظر إليها في دول عدة بوصفها الخطوة الأولى في رحلة الاستقلال الصناعي العسكري، بعيدًا عن الخضوع لرغبات المُوردين وتقلُّباتهم السياسية. لذا ترى الدول المُقلِّدة أن الهندسة العكسية تخدم استقلالهم السياسي، وجزء لا يتجزأ من ضروريات حصولهم على سيادتهم الوطنية.

القانون يحمي اللصوص.. لأن الجميع لصوص!

المفاجئ أن المحاكم العليا في العديد من الدول الصناعية لا تعترض على فعل الهندسة العكسية. العديد من القضايا التي طُرحت أمام محاكم دولية مختلفة من أجل منع الدول من تقليد منتجات الدول الأخرى، لكن غالبًا ما يكون الحكم بأن الهندسة العكسية شكل من أشكال الإبداع. واعتبرت محاكم الولايات المتحدة وأوروبا أن الهندسة العكسية طريقة مهمة لنشر التكنولوجيا، وتشجيع المبدعين على العمل والابتكار.

فيديو توضيحي لاستراتيجية الهندسة العكسية:

خاصةً وأن السند القانوني في القضايا غالبًا ما يكون أن المُنتج المُقلَّد محمي ببراءة اختراع أو بسجل تجاري، لهذا يطالب صاحبه بعقاب من قلَّدوه. لكن قانونًا أيضًا فإن براءة الاختراع تحمي المنتج من التقليد في البلد التي منحته تلك البراءة، أما خارج الحدود، فلا سلطة لبراءة الاختراع، ولا توجد قوانين تحميه. حتى حين اللجوء لقوانين الملكية الفكرية التي تُعد أوسع وأشمل من قوانين براءات الاختراع،  فالرد الرسمي يكون أن الدولة المُقلِّدة لم تنسخ المنتج كما هو، بل استطاعت أن تصل لطريقة مختلفة تنتج بها منتجًا مختلفًا يؤدي الوظيفة نفسها.

التراخي في تتبع الدول التي تقوم بالهندسة العكسية ليس سببه الأساسي ضعف القوانين الحاكمة والمُنظمة لإجراءات التقاضي، فبالإمكان أن تسن قوانين جديدة إذا رغبت الدول في ذلك. لكن بنظرة تاريخية يمكن معرفة السبب الحقيقي غير المنطوق، إذا عُدت الهندسة العكسية جريمة؛ فالجميع ضالعون فيها. مثلًا بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وقعت بعض وثائق الصاروخ الألماني «في2» في يد الروس. تمكن الروس من إكمال الفجوات الناقصة إثر فقد بعض الوثائق، وأنتجوا الصاروخ الروسي «أر1»، لم يكن الصاروخ مجرد سلاح واحد جرى إنتاجه، بل كان حجر الأساس لمنظومة الصواريخ السوفيتية بالكامل.

لجأ الروس مرة أخرى للهندسة العكسية بصورة مباشرة أثناء الحرب الباردة مع الولايات المتحدة، فخلَّقوا الطائرة «تي يو-4». تربص الروس بإحدى رحلات القاذفة الأمريكية «بي-29» وأجبروها على الهبوط في مطار سوفيتي وإلا دمروها جوَّا. لم يكن لدى السوفيت أي قاذفة مماثلة على الإطلاق، لكن بعد سنوات من اختطاف القاذفة الأمريكية ظهر النموذج الروسي مطابقًا للقاذفة الأمريكية.

الصين.. الدولة التي تُقلد كل شيء

الصين من أكبر الدول التي تستخدم الهندسة العكسية حتى في أبسط الأشياء، لذا ارتبط في العقل العربي أن كل ما هو مُقلَّد فهو صيني. فبإمكان الصين استنساخ أي منتج عالمي، حقيبة يد نسائية من علامة تجارية مشهورة تُباع بسعر ضخم، فيمكن للصين إغراق الأسواق بنسخة منها بسعر لا يُذكر. وبالطبع طوفان الهواتف المحمولة الصينية التي غمرت الأسواق العالمية. لكن ماذا عن الاستنساخ العسكري؟

منذ تسع سنوات أصدرت محكمة أمريكية حكمًا بالسجن 24 عامًا على دونج فان تشونج، مهندس فضاء صيني يعمل في الولايات المتحدة. التهمة كانت التجسس لصالح الصين وسرقة قرابة 250 ألف وثيقة من عملاقي صناعة الطائرات «بوينج» و«روكويل». وفي العام نفسه بدأت الصين في بناء حاملة الطائرات «واي-20»، أعلنت الصين بفخر ذلك الإنجاز القادر على حمل 200 طن، والسفر لمساقة 9400 ميل دون الحاجة للتزود بالوقود.

Embed from Getty Images

حاملة الطائرات الصينية «واي-20»

قبل هذين الحدثين بعام واحد، صدر تقرير من الكونجرس الأمريكي يتحدث عن أن الصين تواجه صعوبة في تطوير طائرات النقل الثقيل، فكيف صارت الصين قادرة على إنتاج «واي-20» بين ليلة وضحاها؟ المفاجأة أن «واي-20» بالمواصفات المُعلنة تشبه إلى حد كبير طائرة الشحن الأمريكية «سي-17». وبتحليل الوثائق المسروقة سوف تجد تصاميم «سي-17» التفصيلية بينهم.

ثلاثة أعوام مرَّت، وفي أواخر يوليو (تموز) عام 2014 أجرت مجموعة «تشنجدو» المختصة في صناعة الطائرات اختبارًا ناجحًا لمقاتلة شبحيّة تُدعى «جيه-20». المقاتلة تجمع في تصميمها بين مواصفات أشهر المقاتلات الشبحية الأمريكية «إف-22» و«إف-35 سترايك فايتر». المقاتلة الصينية ظهرت لأول مرة عام 2011 ثم اختفت عن الأضواء بسبب عيوب تقنية هائلة، لكن عودتها عام 2014 كانت قوية، وقد شملت تغيُّرات في حجم الجناح وتصميم المقدمة، والأهم أن برنامجها التشغيلي دقيق لحد بعيد.

الاستراتيجية الصينية: التقليد أسهل من الابتكار

تتلاشى الحيرة بمعرفة أنه في أول يوليو عام 2014 ألقت الولايات المتحدة القبض على رجل أعمال صيني. تهمته كانت سرقة بيانات تخص أكثر من 12 برنامجًا عسكريًّا، من بين البرامج التي ذُكرت في القضية برامج تشغيل «إف-22» و«إف-35».

لم تكن هذه المرة الأولى التي تسرق فيها الصين برامج تشغيلية، فالمرة السابقة كانت عام 2013، لكن هذه المرة كانت بمساعدة الاستخبارات الباكستانية للحصول على البرنامج التشغيلي للهيلكوبتر الأمريكية الشهيرة «بلاك هوك». ففي الثمانينيات اشترت الصين النسخة الأمريكية المدنية من «بلاك هوك»، لكنها في أواخر عام 2013 أجرت اختبارًا ناجحًا لهيلكوبتر عسكرية تُدعى «زد 20»، التي تشبه الطائرة الأمريكية.

في الثمانينيات أيضًا ذهبت شركة «إيه إم جنرال» للصين؛ كي تبيع لهم السيارة العسكرية متعددة الاستخدام، التي يستخدمها الجنود الأمريكيون حتى اليوم، «هامفي». جيش التحرير الصيني رفض الصفقة؛ فغادرت الشركة الصين تاركة لهم سيارة واحدة؛ كي يجربها الصينيون. في حرب الخليج أظهرت هامفي قدرات هائلة على عبور الصحاري دون مشكلات؛ فأعرب الصينيون عن اهتمامهم بالحصول على السيارة.

لكن أسهل الطرق بالنسبة للصين ليس الشراء بل التقليد؛ لذا جمعت كل النسخ المدنية من السيارة التي تمتلكها شركات النفط الصينية، بجانب النسخة العسكرية الموجودة لدى الحكومة، وبعد عدة سنوات ظهرت «دونج فينج  إي كيو 2050» المشابه تمامًا لـ«هامفي» الأمريكية.

نموذج أخير من الترسانة الصينية هو الصاروخ «إتش جيه-12»، الصحف الحكومية الصينية أعلنت ابتكار الصاروخ المضاد للدبابات، والقادر على تدمير الدبابات الأمريكية والروسية الحديثة. لكن هيئة الصاروخ وحجمه، وطريقة إطلاقه وحمله، وأنظمة الاستهداف الموجودة فيه، كل ذلك يؤكد أنه نسخة طبق الأصل من الصاروخ الأمريكي «إف جي إم- 148 جافلن».

إيران فخورة بالهندسة العكسية وأمريكا خائفة

إذا كان النموذج الصيني يُعد مضرب المثل الأهم في كيفية الاعتماد على الهندسة العكسية؛ فإن النموذج الإيراني يشارك الصين في ذلك، ويضيف عليها أنه يفخر بما يفعل، ولا يحاول التهرب. صاروخ «نور» الذي يُعد عماد الدفاع الساحلي الإيراني، ما هو إلا هندسة عكسية لصاروخ «سي 802» الصيني. كذلك صاروخ «طوفان» الذي قدمته إيران إلى حزب الله ليواجه به الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، ليس إلا هندسةً عكسية لصاروخ «تاو» المضاد للدروع أمريكي الصنع. وحصلت إيران على الصاروخ الأمريكي إبان حكم الشاه رضا بهلوي، حيث كانت إيران دولةً مرضيًّا عنها أمريكيًّا آنذاك.

Embed from Getty Images

أما صاروخ «سومار» الإيراني الذكي، فقد وُلد بعكس هندسة الصاروخ السوفيتي «كي إتش 55»، الذي استطاعت المخابرات الإيرانية تهريب بعض قطع منه عبر أوكرانيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. كذلك دبابة «كرَّار» الإيرانية التي أعلنت إيران عنها عام 2017، فإنها تطابق تمامًا الدبابة الروسية «تي90». وما زالت الولايات المتحدة في قلق بعد نشر إيران لفيديو دعائي، تقول فيه إنها أنجزت عملية هندسة عكسية لطائرة أمريكية بدون طيار أسقطتها إيران عام 2011.

أمريكا أيضًا استفادت من الهندسة العكسية

الولايات المتحدة مثلها مثل باقي دول العالم استفادت حينًا من الهندسة العكسية، ثم ما لبثت أن امتلكت أسلحتها الخاصة. هربرت روهلمان، مهندس الأسلحة النازي يشهد على ذلك. إذ أُحضرت دفاتره إلى الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ثم أُحضِر شخصيًا عام 1948. وأُرسل برفقة أوراقه التي عثر عليها الأمريكيون إلى مختبر في ولاية «مريلاند»؛ ليستكمل عمله في تطوير القنابل وصناعتها.

حادثة أخرى تعترف بها الولايات المتحدة، حين اكتشفت حطام غواصة سوفيتيَّة عام 1968 شمال شرقي هاواي، لم تسحب الولايات المتحدة الحطام فور اكتشافه، بل انتظرت حتى توقفت عمليات البحث السوفيتية تمامًا عام 1974. في السنوات الفاصلة بين اكتشاف الأمريكيين، ويأس الروس، عمل الأمريكان على تضليل خصمهم عن مكان الغواصة. وفي أواخر عام 1974 أرسلت الولايات المتحدة سفينةً تُدعى «هيوز جلومر»، وقفت على مكان الحطام، ثم أرسلت خطافها ليُمسك الحطام ويرفعه في بطن السفينة، دون أن يرى الروس شيئًا سوى سفينة أمريكية عادية تقف هادئةً على المياه.

دولي

منذ سنة واحدة
فخر الصناعة الروسية.. هل المقاتلة «سو 57» بديل روسيا للشبح «إف 35» الأمريكية؟

استغلال الولايات المتحدة للحطام، ومعرفتهم كيف يمكن للعدو أن يستفيد من مجرد حطام، جعلتهم في حالة حذر دائم تجاه ما يفقدون من أسلحة. في 9 أبريل (نيسان) 2019 تحطمت طائرة شبحية من طراز «إف-35»، باعتها الولايات المتحدة لليابان في المحيط الهادئ. سخَّر الأسطول السابع الأمريكي كامل طاقته للعثور على الحطام بأي ثمن. لكن في 7 يونيو (حزيران) عام 2019، أعلنت اليابان أنها تمكنت من العثور على الحطام، وبقايا جثة الطيَّار، وصندوق المقاتلة الأسود.

رغم أن اليابان حليف أمريكي قوي والمقاتلة تابعة لها؛ لكن الخبر مثَّل صدمةً للجانب الأمريكي، فاقت صدمة خسارة مقاتلة هي الأحدث في العالم، وتكلفة إنتاج وتشغيل وصيانة مقاتلة واحدة تبلغ تريليون دولار. الصدمة كانت في فشل الأسطول الأمريكي المتقدم في العثور عليها، بينما نحجت القوات اليابانية، والصدمة الأهم كان الخوف من احتمالية سبق روسيا أو الصين للحطام.

هذه الدائرة المتكررة من عمليات الاستفادة من الهندسة العكسية، ثم الوقوع فريسة لها لا توشك أن تنتهي، وكما يقول المهندس النازي روهلمان: «بمجرد إدخال أي جيش سلاح جديد في صفوفه، فدائمًا سوف يحصل أعداء ذلك الجيش على السلاح».

المصادر

تحميل المزيد