عبد القادر بن مسعود 6
عبد القادر بن مسعود 6

17,146

عملت الجزائر في السنوات القليلة الماضية على سنّ قوانين وإجراءات للحدّ من التهرب والعزوف الكبير للشباب الجزائري من الخدمة العسكرية، فما بين الترغيب والترهيب جاءت محاولات وزارة الدفاع الجزائرية من أجل حلّ هذه المعضلة، في وقتٍ تغيب فيه الأرقام الحقيقة الرسمية عن العدد الفعلي للشباب الجزائري المتهرّب من أداء الخدمة العسكرية، في حين تشير بعض الإحصاءات إلى أن أكثر من 160 ألف جزائري متهرب من الالتحاق بالجيش. في هذا التقرير نحاول البحث عن الأسباب التي تدفع العديد من الشباب الجزائري للتهرب من أداء الخدمة العسكرية.

الجيش الجزائري ثالث أقوى الجيوش العربية

في تصنيفٍ أعده موقع «Global Fire Power»، لترتيب قوة جيوش دول العالم لسنة 2017، واعتمد في إصداره على أكثر من 50 عاملًا لتحديد درجة ما يسمى بالـ«باور إندكس» لكل دولة، أبرزها الميزانية العسكرية لكل بلدٍ، وكمية المعدات الموجودة في الترسانة العسكرية لكل بلدٍ وتنوعها وتوازنها، والموارد الطبيعية، والعوامل الجيوجرافية واللوجيستية والصناعة المحلية، والقوى البشرية، وقد بلغت الدرجة الإجمالية التي حصلت عليها الجزائر لهذا المؤشر  0.4366، واحتلت الجزائر  بموجبه المرتبة الثالثة عربيًا والثانية أفريقيًا في وقتٍ احتلت فيه المرتبة 25 عالميًا في قائمة تصنيف القوة العسكرية لدول العالم لعام 2017.

واعتمد التصنيف أيضًا على عامل تعداد الجيش الجزائري من ناحية عدد الجنود، وذكر تقرير جلوبال فاير باور أن المؤسسة العسكرية الجزائرية لديها 17 مليونًا و249 ألف شخص قادرين على حمل السلاح، فيما يصل عدد الأشخاص الذين يصلون إلى سن التجنيد العسكري سنويًا 672 ألف و993 شخصًا، بينما يبلغ عدد الجنود 512 ألف فرد، وعدد الجنود الاحتياطيين 400 ألف فرد.

اقرأ أيضًا: مصر الأولى عربيًا.. ما هو ترتيب جيش بلدك بين أقوى جيوش العالم لعام 2017؟

قدرات الجيش الجزائري العسكرية لا يستهان بها ، ففي القوات البرية، قُدر عدد المدافع الحربية التي تمتلكها الجزائر بـ975، وعدد المدرعات بشتى أنواعها بنحو 1898، إضافةً إلى 250 عربة مصفحة، و350 مدفع ميدان، و148 عربة حاملة صواريخ، أمّا بالنسبة للقوات الجوية الجزائرية؛ فتحوز الجزائر على 451 طائرة، منها 89 مقاتلة، و99 طائرة ثابتة بجناحين، و225 طائرة نقل مختلفة الاستعمالات، علاوةً على 64 طائرة تدريب، و210 هيليكوبتر، إضافة إلى 34 هيليكوبتر مقاتلة.

وبخصوص القوات البحرية، تمتلك الجزائر 96 قطعة مختلفة الاستخدامات، منها ثمان سفن، وستة فرقاطات، وستة غواصات، و38 سفينة مطاردة حربية. جديرٌ بالذكر أنّ الجزائر طلبت من روسيا تزويدها بمنظومة الردع الصاروخي (إس 400)، في وقتٍ توقع فيه خبراء عسكريون روس أن تكون الجزائر أوّل دولة تورد لها روسيا هذه المنظومة الحديثة التي لقيت نجاحًا كبيرًا في سوريا.

وبالرغم من القوة العسكرية المتعاظمة للجيش الجزائري في  السنوات الأخيرة، إلّأ أن مشكلة التهرب من التجنيد الإجباري التي طفت على مشهد الخدمة العسكرية في الجزائر بدأت تأخذ بالتوسع ما جعل السلطات العسكرية تتخذ إجراءات عاجلة للحدّ من هذه الظاهرة.

اقرأ أيضًا: كيف تحولت الجزائر من بلد الموت إلى واحدة من أكثر 10 دول في العالم أمنًا؟

تقليص مدة الخدمة إلى عام لترغيب الشباب الجزائري في التجنيد

قبل أربع سنوات، كان على الشاب الجزائري الذي بلغ العشرينات من عمره أن يقضي سنة ونصف كاملةً في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، ستة أشهر منها يقضيها في التدريب العسكري قبل أن يوجه إلى العمل كلاً على حسب اختصاصه، لكن قرارًا من الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بصفته وزيرًا للدفاع وقائدًا عامًا للقوات المسلحة الجزائرية عشية الانتخابات الرئاسية سنة 2014، قلّص بموجبه مدة الخدمة إلى عام واحدٍ.

ويأتي إجراء التقليص من مدة الخدمة العسكرية في الجزائر في إطار جهود وزارة الدفاع من أجل تحسين ظروف الخدمة وترغيب الشباب الجزائري لأداء واجبه العسكري، كما قرر الرئيس تقليص مدة التكوين إلى 45 يومًا وعلّق اللواء «بن بيشة» مدير الخدمة الوطنية بوزارة الدفاع الوطني عن قرار تقليص مدة الخدمة العسكرية إلى 12 شهرًا، بدل 18 شهرًا الجاري بأنّ: «وزارة الدفاع رصدت جملةً من التحفيزات الخاصة بالشباب المقبلين على الخدمة، وكذا أولئك الذين انتهوا من أدائها»، وأضاف المسؤول الأول عن قطاع الخدمة الوطنية، «بأن استراتيجية الانفتاح وتقريب الإدارة العسكرية من الشباب، في الجوانب المتعلقة بالخدمة الوطنية قاربت على نهايتها، بعد أن تم فتح 34 مكتبًا مخصصًا لاستقبال الشبان ودراسة وضعيتهم تجاه الخدمة الوطنية، وعززت الخدمات التي كانت تقدمها المراكز الـ11 التقليدية (المراكز الجهوية للتجنيد)، على أن يجري فتح أربعة مكاتب جديدة لتسهيل التحاق  الشباب بالخدمة العسكرية».

بدوره قال العقيد «عبد الوهاب بن مسعود»، الإطار بمديرية الخدمة الوطنية بوزارة الدفاع الوطني حينها أن «القانون الجديد المتعلق بالخدمة الوطنية سبقته عملية سبر للآراء ودراسة أجرتها المديرية في أوساط الشباب عبر كامل مناطق الوطن»، وأضاف ابن مسعود أن هذا القانون الجديد تضمن أحكامًا جديدة تتعلق بأداء الخدمة الوطنية كإجبارية أدائها بشكل عسكري لمدة 12 شهرًا وتخفيض سن الإحصاء من 18 إلى 17 سنة، وتمديد فترة إجراء الإحصاء بـتسعة أشهر (من 2 يناير (كانون الثاني) إلى 30 سبتمبر (أيلول)) بدل شهرين كما كان ينص عليه القانون السابق.

جديرٌ بالذكر أن أول دفعة من شباب الجزائري جندت ضمن الخدمة العسكرية الإلزامية كانت في أبريل (نيسان) 1969، وعملت على انجاز مشاريع كبيرة مثل السد الأخضر وطريق الوحدة الافريقية.

160 ألف هارب من الخدمة العسكرية في الجزائر

«يوسف .س» بطالٌ جزائري من محافظة غارداية ( جنوب  الجزائر) في أواخر العشرينيات من عمره، متحسرًا يقول في حديثنا معه عن الخدمة العسكرية التي اجتازها «ضيعت سنةً من عمري، كنّا مجموعة واحدة، في الأخير أنا اجتزتها، وولد المسؤول الفلاني أعفي عليه، هذه حقرة وليست خدمة عسكرية»، مثل يوسف في الجزائر الآلاف، فقد صار أداء الخدمة العسكرية في هذا البلد مقتصرًا على أبناء الطبقات المتوسطة أو الفقيرة، وهذا ما لمسناه في حديثنا مع عشرات الشباب الجزائري أثناء جولة «ساسة بوست» في كلٍ من محافظة غارداية والمدية.

تشير الأرقام والإحصاءات إلى وجود أكثر من 160 ألف هاربٍ من أدائها، رغم التّحفيزات التي أدخلتها وزارة الدفاع الوطنية والقاضية بتقليص مدة الخدمة الوطنية من 18 شهرًا إلى 12 شهرًا، وإقرار منحة شهرية تصل إلى 15 ألف دج للمُجندين، وإدخال المُدة في منحة التقاعد لاحقًا،ناهيك عن احتساب المدة خبرة مهنية للشباب طالبي الشغل، ومنحهم الأولوية في الترشح لعقود التجنيد ضمن صفوف الجيش الوطني الشعبي، رغم ذلك لا تزال الخدمة العسكرية في الجزائر تثير مخاوف كثيرٍ من الشباب.

اقرأ أيضًا: صراع السلطة ينتقل إليها.. ماذا يحدث في مؤسسة الجيش بالجزائر الآن؟

لماذا يتهرب الشباب الجزائري من الخدمة العسكرية؟

تعتبر الجزائر من الدول التي تعتمد على التجنيد الإجباري لتنظيم الخدمة العسكرية، ففي الوقت الذي قدر فيه «حسان بونفلة»، رئيس لجنة الدفاع الوطني بالمجلس الشعبي الوطني السابق سنة 2014 نسبة المعفيين من أداء الخدمة الوطنية بـ50%، تشير بعض الإحصائيات أن الشباب المتخلف عن الأداء والموضوعين على قوائم الأمر بإحضار فوري للتجنيد بلغ نسبة 50% من الشباب الجزائري، الأمر الذي دفع بوزارة الدفاع الجزائرية إلى إصدار إجراءات امتيازية للشباب للالتحاق بالخدمة.

ورغم ذلك بقيت نسبة التهرب من أداء الخدمة العسكرية مرتفعةً، ويعود التهرب إلى أسباب كثيرةٍ نعدد من ضمنها ما يلي:

ثقة الشباب الجزائري غائبة بالمؤسسات والجيش

في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ولدى إشرافه على يومٍ دراسي بالمدرسة الوطنية التحضيرية لدراسات مهندس بالرويبة بالناحية العسكرية الأولى، أكّد نائب وزير الدفاع وقائد أركان الجيش الشعبي الوطني «القايد أحمد صالح» بأنّ الشعب الجزائري يثق ثقةً تامةً في الجيش قائلًا: «اليوم وقد أضحى بلدنا مثالًا للأمن والاستقرار، رغم كل المحاولات البائسة واليائسة لجره إلى مستنقع اللا أمن، بفضل وعي الشعب بكل فئاته وشرائحه، وثقته في جيشه الجمهوري الوطني، والذي كان دومًا في الطليعة للبناء والتشييد ولمحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة بكل أشكالها».

لكنّ من الأسباب التي جعلت بعض الجزائريين يعزفون ولا يبدون رغبةً في أداء الخدمة العسكرية هي غياب الثقة لدى بعضهم في مؤسسات الدولة، حيث يحمل بعض الشباب الجزائري نوعًا من التحفظ تجاه الجيش، وهذا ما يؤكده الشاب جمال، وهو طالب جزائري، وعند سؤاله عن تأديته الخدمة العسكرية أجاب بتوترٍ: «لا يمكن أن يدافع السجين عن سجانه، ماذا تنتظر سلطة ظالمة ومستبدة من الشباب؟، أن يضيع سنةً من عمره بينما لا يؤدي أبناء الأغنياء الخدمة العسكرية؟ كما أن التجنيد الإلزامي استعمل مطوّلاً كعقاب للشباب المنتفض في وجه الظلم قصد قمعه وإخافته».

اقرأ أيضًا: كيف ترسم «العشرية السوداء» حدود العلاقة بين الدولة والإسلاميين في الجزائر؟

العشرية السوداء ما زالت تضفي على الشباب الجزائري رهبةً من الجيش

لا تزال صفحة العشرية السوداء التي عصفت بالجزائر منذ توقيف المسار الانتخابي سنة 1991، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 200 ألف جزائري تلقي بظلالها على مواضيع مرتبطة بالجيش خصوصًا ملف الخدمة العسكرية، فما بين من يتهم الجيش الجزائري بالانقلاب على إرادة الشعب، ومن يدافع عنه، باتت الخدمة العسكرية وربطها بتاريخ الجيش الجزائري أثناء العشرية السوداء، موضع تهرب من أداء الخدمة، وهذا ما يرويه لنا الشاب الثلاثيني معاذ الذي يرى أنّه يتهرب من أداء الخدمة الوطنية من باب أنّ الجيش الجزائري ارتكب مجازر ضد المدنيين أثناء حربه على الإرهاب.

وشهدت الجزائر في العشرية الأخيرة من القرن الماضي حربًا بين الجيش الجزائري والجهاديين، قبل أن يعلن بوتفليقة عن قانوني الوئام المدني والمصالحة الوطنية الذين أعلنا عن نهاية الصراع في الجزائر بعد أزيد من 10 سنوات من القتل والدم.

الأسباب الاقتصادية والاجتماعية في الصدارة

وفي  ختام جولتنا مع الشباب الجزائري الذي يحبذ التهرب من أداء الخدمة العسكرية، ويقدم مبرراته لذلك، أجمع أغلب من التقيناهم على أنّ أهم الأسباب التي تمنع الشباب الجزائري من الالتحاق بالخدمة العسكرية هي أسبابٌ اقتصادية واجتماعية، فالوضع الاقتصادي الصعب الذي تمرّ به الجزائر أجبر الكثير من الشباب على العمل منذ سنٍّ باكرة لتغطية تكاليف الحياة الصعبة، إضافةً إلى ما ذكره الشباب عن أن الخدمة صارت مقتصرة على أبناء الطبقات الدنيا والمتوسطة، فأبناء الطبقات العليا – بحسب الشهادات – غالبًا ما يجدون سبيلًا للإعفاء من الخدمة.

اقرأ أيضًا: سياسة الترهيب.. كيف استغل النظام في الجزائر «العشرية السوداء» ليحافظ على حكمه؟