منذ نشأته، توسع علم الاجتماع في المباحث المُهتم بدراستها. وانطلق إلى مساحات اتسعت لمجالات تزيد بمرور الوقت، مع كل ظاهرة تستحق أن تُدرس. وعلى الرغم من ذلك، لم تُستوفِ مكتبة علم الاجتماع من الدراسات المُختصة بالتنظيمات العسكرية، بقدر غيرها من التنظيمات التي ساهمت الدراسات السوسيولوجية في تفسيرها، وكذا تطويرها.

أحمد إبراهيم خضر أدرك ذلك، فصب اهتمامًا خاصًا بدراسة التنظيمات العسكرية من منظور سوسيولوجي، عبر كتابه الذي سنعرض لأبرز ما جاء فيه هُنا؛ كتاب “علم الاجتماع العسكري”.

وتجدر الإشارة إلى وجود عدّة مُؤلفات تحمل نفس الاسم، منها لمؤلفه إحسان محمد الحسن، وآخر لمؤلفه فؤاد الأغا، إلا أنّ أقدمها هو الذي بين أيدينا، فضلًا عن الثاني (لفؤاد الأغا عن دار أسامة الأردنية للنشر والتوزيع) منقولٌ حرفًا حرفًا بالنص عن كتاب أحمد إبراهيم خضر.

وفي تصريح لساسة بوست، اعتبر أحمد إبراهيم خضر أن كتاب الأغا “مسروق” من كتابه. وقد كشف خضر عن لقائه بالناشر الأردني لكتاب فؤاد الأغا، وأن هذا اللقاء جعله موقنًا بأن هُناك “تواطؤ” بين الناشر وبين الأغا الذي هو أستاذ جامعي عراقي، بحسب خضر.

قبل كل شيء .. أعطني بعض التفاصيل عن المُؤلّف

أحمد إبراهيم عبدالرحمن خضر. أستاذٌ جامعي، من مواليد مُحافظة أسوان المصرية، عام 1946. درس علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة القاهرة ما بين عامي 1962 و1966، قبل أن يحصل على درجة الماجستير في تخصصه الجامعي عام 1974. قبل الماجستير، التحق خضر بالخدمة العسكرية. ولظروف الحروب التي خاضتها مصر آنذاك، ظلّ مُجندًا في الجيش لسبع سنوات متتالية، يرى محمد الجوهري – رئيس قسم الاجتماع ووكيل كلية الآداب بجامعة القاهرة عام 1980 – أنّها كانت بمثابة “الخبرة المُباشرة التي مكّنته من رؤية جوانب من الموضوع لم يكن مُتاحٌ لأي دارس آخر أن يلمسها”.

أحمد إبراهيم عبد الرحمن خضر (الصورة من صفحته الشخصية على فيسبوك)


في الفترة الممتدة ما بين عامي 1975 و1985 عمل أحمد خضر كمدرس مُساعد بالجامعة، وخلالها حصل على شهادة الدكتوراه عام 1979 عن بحثه الذي صدر في كتاب عام 1980، بعنوان “علم الاجتماع العسكري .. التحليل السوسيولوجي لنسق السلطة العسكرية”.

في فترات لاحقة، عمل كمحاضر في كُلّيات سودانية وسعودية وأمريكية، قبل أن يستقر به المُقام في مصر، مُدرسًا حُرًا وأستاذًا غير مُتفرغ بعدد من الجامعات المصرية. له العديد من الأبحاث والدراسات المنشورة مُفردة أو في كُتب. وكذا له عدد من المقالات في مواضيع مُختلفة، بينها ما مسّ الشأن السياسي المصري بُعيد ثورة 25 يناير.

هذا وقد حاولنا إجراء حوارٍ صحافي مع الكاتب، دكتور أحمد إبراهيم خضر، إلا أنّه اعتذر قائلًا: “لا أدخل في حوارات صحافية أو غير صحافية”. لكنّه في المُقابل صرّح لنا بأنه قد أسدل الستار عن كتابه علم الاجتماع العسكري، وعن التخصص ذاته منذ نحو 30 عامًا، مُعللًا ذلك بأنّه لم يجد اهتمامًا “لا على مستوى القوات المُسلّحة، ولا على المستوى الأكاديمي”.

بدورنا توجهنا إليه بالسؤال عمّا إذا كانت قد واجهته أية مُشكلات أمنية، أو وُجّهت إليه أية تحذيرات لخوضه غمار هذا التخصص (علم الاجتماع العسكري) ما دفعه إلى “إسدال الستار عليه”، وفقًا لتعبيره؛ فاعتذر عن الإجابة أيضًا، قائلًا: “أعفِني من الإجابة عن هذا السؤال”.

إذًا، لماذا هذا الكتاب؟

هذا الكتاب هو مُحاولة لتقديم صورة شاملة عن بناء وديناميكيات ووظائف التنظيم العسكري، وآخر ما يدور في أذهان علماء الاجتماع العسكري من قضايا واتجاهات، سواء ما تعلّق منها بالتنظيم العسكري، أو بعلاقة هذا التنظيم بالمجتمع.

بالكلمات السابقة، يُعرّف خضر بكتابه في مقدّمته، قبل أن يشرح للمنهج الذي استخدمه في كتابه/ بحثه المُكوّن من 13 فصلًا متباينًا في مباحثه ومتطلباته البحثية، في نحو 380 صفحة من القطع الكبير، مُتضمّنة الفهرس والتقديم والمراجع.

وبنظرة سريعة على الكتاب، يُمكن القول جُملةً إنّ أحمد خضر لم يُقدّم جديدًا خالصًا، بقدر ترتيبه بشكل منهجي ومدروس، لمجموعة من الدراسات الاجتماعية السابقة التي تناولت مناطق مُختلفة من هذا الموضوع. عن ذلك يقول محمد جوهري، في تقديمه للكتاب: “لا يعني تأخر ظهور هذا الكتاب في علم الاجتماع العسكري إلى عام 1980، أن هذا الفرع من فروع علم الاجتماع، هو أحدثها أو أقربها إلينا في الظهور. إذ الحقيقة أن دراسات هذا الفرع قد استقرت وبدأت تتخذ بعض الملامح الواضحة منذ أواخر الأربعينات”.

غلاف الطبعة الأولى من الكتاب


المقدمة: لماذا تخاف القُوّات المُسلحة من الدراسات الاجتماعية؟

في مقدمة الكتاب، يُعرف أحمد خضر جمهوره على أسباب عروجه على قضية كتابه، بأنّ الدراسات الاجتماعية عن التنظيمات العسكرية لم تحقق تقدمًا يُوازي ما حققته في مجالات أخرى كالصناعة مثلًا.

ويُشار إلى أننا حاولنا التواصل مُباشرة مع المؤلف عبر ما توفّر لنا من وسائل اتصال (بريد إلكتروني وصفحة فيسبوك) لكننا، وحتى كتابة التقرير، لم نتلق ردًا منه، وحال وصلنا بعد نشر التقرير، سنلحقه تباعًا مع التنويه.

ويُوضح الكاتب أن من أسباب عدم تحقيق تقدم بحثي في هذا الموضوع، إلى عدة أسباب، من بينها حذر القوات المسلحة من الدراسات السوسيولوجية، وربما عدم اهتمامها بها، في مُقابل اهتمامها بإجراء الدراسات السيكولوجية (الخاصة بالطب النفسي). ولعل ذلك عائد إلى عوامل السرّية والأمن الداخلي التي تقف كعائق أمام الباحثين لإجراء دراسات خاصة بالقوات المُسلحة، وما تحتاج إليه من بيانات وإحصاءات من داخل تلك التنظيمات.

فضلًا عن ذلك، فالعقلية العسكرية أو ما أسماه الكاتب بـ”انغلاق العسكريين على أنفسهم” من أسباب عرقلة الدراسات. فالأعراف العسكرية الخاصة بالترقي داخل هرم التنظيم قائمة على عامل الزمن أكثر منها على عامل المعرفة. لذا فالعسكريون “يخافون من افتضاح أمرهم” من حيث قلّة المعرفة، ما يدفعهم إلى عرقلة الدراسات.

“النسق المفتوح” .. إطار نظري لدراسة القُوّات المسلحة

أمّا عن “النّسق”، فهو مجموعة من العناصر التي لها علاقة فيما بينها، ولكل عنصر وظيفة مُحددة في بيئة مُعيّنة. وأما “مفتوح”، فتعني أنّه في تفاعل مع البيئة المُحيطة به، يستقبل منها مُدخلات، ويُرسل إليها مُخرجات.

ومن نظرية النسق المفتوح وضع المؤلف إطاره النظري لتحليل ودراسة التنظيمات العسكرية، مُصممًا نموذجًا تحليليًا اعتمده طوال الدراسة، قائم أساسًا رؤية التفاعل المُستمر بين التنظيمات العسكرية وغيرها من “الأنساق” الاجتماعية.


 

ألف باء “علم الاجتماع العسكري”

بحسب الكتاب، فقد بدأ الاهتمام بالدراسات الاجتماعية للجانب العسكري في المجتمع منذ ثلاثينات القرن الماضي. وقد كانت مُعظم المساحات المُقتحمة تتعلق بكيفية تقليص كل ما هو عسكري في مُقابل المدني، وما هو من تجليات العسكري كالحرب ومُخلفاتها، في مُقابل السلام مثلًا.

لكن ذلك لم يمنع الخوض في مساحات مُرتبطة بالواقع الذي أنتجته الحرب العالمية الأولى على كافة المُستويات، وكيف أنّها أثّرت على جوانب اجتماعية كقضية الصحة العامة مثلًا، وأُخرى اقتصادية كتوزيع الدخول، وقانونية بالقوانين العُرفية وحالات الطوارئ. الأبحاث التي تناولت تلك الجوانب كنواتج للحرب، أسست لعلم الاجتماع العسكري، وإن كانوا قد غفلوا وقتها عن دراسة التنظيم العسكري نفسه، لاهتمامهم – بطبيعة الحال – بالحالة العسكرية للمجتمع وظاهرة الحرب والسياسة.

هذا، ويُعرّف علم الاجتماع العسكري على أنّه فرعٌ من فروع علم الاجتماع الذي يعتمد على البحوث النظرية والإمبريقية (التجريبية) في دراسة القوات المُسلحة كتنظيم اجتماعي. والعلاقات الاجتماعية داخلها (القوات المسلحة)، وكذا الحرب، كإحدى وسائل حلّ الصراعات بين الجماعات والطبقات والأمم داخل الدولة نفسها.

وفيما يخص الميادين الأساسية التي يتناولها هذا العلم، فهي:

  1. المهنية العسكرية: أي دراسة التنظيم العسكري/ القُوات المسلحة مثلها مثل أي مهنة أخرى، أفرادها مُتخصصون فيها، وتُمثّل لهم محور حياتهم.
  2. التنظيم العسكري: فالقوات المسلحة الحديثة تعمل وفقًا لمفهوم التنظيم بكل ما يعنيه من التراتبية والتنسيق الداخلي.
  3. الأنشطة العسكرية في علاقتها بالمجتمع: عبر دراسة حالات التفاعل بين التنظيم العسكري والمُجتمع في نقاط الالتقاء المُختلفة والمُتغيّرة وفقًا للظرف.
  4. العلاقات المدنية العسكرية: التفاعل المُستمر بين القوات المسلحة والمُجتمع تُنشئ أشكالًا من العلاقات بين المدنية (المجتمع) وبين العسكرية. تتطور العلاقات وتختلف بصورةٍ جدلية باستمرار.
  5. سوسيولوجيا الحرب: على اعتبار أنّ الحرب شكل أساسي من أشكال الصراع بين عناصر المجتمع وجماعاته.

ما موقف عُلماء الاجتماع من تجنيد المرأة؟

تجنيد المرأة، هو إحدى أهم القضايا الحديثة التي يُناقشها علم الاجتماع العسكري. وبحسب المُلاحظات الأولية للسوسيولوجيين، فقد ارتبطت زيادة استخدام المرأة في القطاعات العسكرية، مع الاتجاه – المُتزايد بدوره – في استخدام نظام التجنيد الطوعي. ومع تطور المجالات العسكرية ودخول أسلحة وأنظمة دفاعية جديدة، ظهرت الحاجة إلى العُنصر البشري لسد الفراغ الذي خلقه بالضرورة نظام التجنيد الطوعي، الذي لا شك أدّى إلى تسرّب الرجال من الخدمة العسكرية.

أعداد النساء في القوات المسلحة ببعض دول العالم عام 1976


وقد اهتم عُلماء الاجتماع بدراسة القضايا الاجتماعية المُنبنية على تجنيد المرأة بالقوات المسلحة، مثل نظرة المُجتمع لدور المرأة العسكري، وكفاءة المرأة في المجال العسكري، ونظرة القُوات المسلحة نفسها إلى المرأة ودورها. هذه وغيرها من بين القضايا التي ناقشها عُلماء الاجتماع، دون أن يعرض الكتاب إلى نتائج نقاشاتهم ودراساتهم في هذا الصدد.

تخيّل لو أنّ هُناك نقابة للعسكريين! ما رأي عُلماء الاجتماع في هذا أيضًا؟

انطلاقًا من ميدان “المهنية العسكرية” الذي يتناوله علم الاجتماع العسكري بالدراسة، كان لابد من الاهتمام بقضية النقابات العسكرية، على اعتبار أنّ أفراد كل مهنة ينظمون أنفسهم في نقابات تُمثّلهم ومصالحهم وحقوقهم.

بحسب الكاتب، فإن التحوّل الذي حدث في نظام التجنيد، حيث الاتجاه إلى التجنيد التطوعي؛ أثار تساؤلات عن احتمالات التوجه إلى تأسيس نقابات للمُجندين عملًا بما هو سائد في المجتمع المدني. خاصة وأنّ التجنيد التطوعي يعني امتهان الجُندية، على عكس الإجباري الذي ينقضي بمدة زمنية مُعينة، إما للاحتياط وضمان الجهوزية القتالية، أو في حالات الحروب الفعلية.

“الطبيعة الحساسة” للقوات المسلحة، وخصوصًا مفهوم الأمن القومي الذي تلعب هي فيه دورًا محوريًا، قد يتعارض مع فكرة النقابات وما تنبني عليه من مفاهيم وآليات كالمفاوضة والإضراب. من أجل هذا انقسم عُلماء الاجتماع ما بين مُؤيّد ومُعارض.

المؤيدون للنقابات العسكرية ينطلقون – غالبًا – من أنّ قلّة رضا العسكريين عن أعمالهم التي لا يتمتعون فيها بحقوق ومميزات الأفراد في الأعمال المدنية؛ قد يُحجم الشباب عن الالتحاق بالقوات المُسلحة، بل وقد يدفع الملتحقين إلى تركها (ونحن لا زلنا نتحدث في إطار نظام التجنيد التطوعي)، ما يجعل إذًا من فكرة النقابات ضمانة لتجنب مثل هذه العواقب.


من جانبهم، ينطلق المُعارضون – كما ذكرنا – من مفهوم الأمن الوطني الذي تلعب القوات المسلحة فيه الدور المحوري. فبحسبهم قد تؤدي هذه النقابات إلى خلق فوضى داخل المؤسسة العسكرية تحول بينها وبين درجة الجهوزية المطلوبة لتحقيق الأمن القومي.

نفوذ هذه النقابات أيضًا من بين ما أثار مخاوف المعترضين، إذ ثمة احتمال لتوسع نفوذها وتجاوزه الجوانب المُتعلقة بظروف العمل، لتصل إلى السياسات العسكرية، ما قد يُؤدي إلى خلق الفوضى غير المرغوبة عمومًا في ظل نظام عسكري شديد الحساسية. بالإضافة لذلك هُناك المخاوف من الاستغلال السياسي لهذه النقابات، وما قد يؤدي إليه من تحزّب وفرقة داخل التنظيم العسكري الواحد. مفاهيم أخرى، وغير ذلك من الأعراف العسكرية، تتضاد وفكرة النقابات العسكرية، بحسب آراء علماء الاجتماع المُعارضين للفكرة.

ما وجه الشبه بين القوات المُسلّحة والمصانع؟

يعرض الكتاب لمقارنة بين التنظيمات العسكرية كنسق اجتماعي، وبين الأنساق الاجتماعية الأخرى، للوصول إلى درجات التقارب والاختلاف. ويستخدم في المُقارنة – كمقابل للقوات المسلحة – المصانع. اعتمد الكاتب على عدة دراسات ميدانية أُجريت ما بين مواقع عسكرية وأُخرى – مُقابلة لها – صناعية.

وصل الكاتب في النهاية – انطلاقًا من نتائج الدراسات المُعتمد عليها – إلى وجود العديد من مساحات التقارب بين القوات المسلحة والمصنع كتنظيمين. فعلى سبيل المثال، وفيما يخص عملية انتقاء الأفراد؛ تبيّن أنّه في كل من القوات المسلحة والمصنع يتم التركيز على الفرد وقدراته، مع تجاهل الطبيعة التعاونية التي – بالضرورة – يلعب الفرد دورًا فيها بمهاراته الفردية، في إطارٍ من التكامل.

كذلك تكرر الأمر – من حيث التشابه – في مقارنة المسؤولية والسلطة بين القوات المسلحة والمصنع. لكن في المُقابل ثمّة درجات اختلاف في عدد من المُحددات، من بينها مثلًا الرضا عن العمل، إذ تبيّن بالدراسة الميدانية انخفاض درجة الرضا عن العمل عند العسكريين عنها عند المدنيين.

التأثير الجدلي بين المدني والعسكري

يُرجع المُؤلّف العوامل المُؤدية إلى العلاقة “الجدلية” بين المدني والعسكري، بشكل أساسي إلى التغيّر التكنولوجي المستمر. وبدورها، يُحدد لهذه العلاقة مجموعةً من العوامل التي تعكس التأثير الجدلي بينهما.

على سبيل المثال، فإن الحرب باعتبارها واحدة من أهم نواتج وجود التنظيمات العسكرية في المُجتمع؛ تُعتبر من بين العوامل المحددة للعلاقة بين المدني والعسكري بالضرورة، من حيث “تورّط” المدني في آثارها السلبية الخاصة بعمليات إعادة إعمار ما بعد الحرب، التي يتكلّفها المدني بصورة أساسية من ميزانيته. إذ إنّ مُخصصات ميزانية الدولة للتنمية الاقتصادية العائد أثرها على المدني، تتحول بفعل الحرب إلى أغراض أُخرى.

كذلك لدى المُؤلف نظرية خاصة بالتغيير الذي تُحدثه التكنولوجيا في البنية العسكرية الفردية، من حيث أنّها قد تدفع العسكريين (في إطار كامل من التطوّر التاريخي) إلى التفكير في منع العُنف قدر المُستطاع. هذا التغيّر الطارئ على بنية المهمة العسكرية، تُؤدي إلى إعادة خلق اهتمام آخر للعسكريين، يتحدد غالبًا في المساحات المدنية الخاصة بالحياة الاقتصادية أو السياسية. وهو ما قد نشهد أثره من تدخل العسكري في المجالات المدنية في عدد من دول العالم، على رأسها الشرق الأوسط.

القوات المسلحة كتنظيم بيروقراطيّ بامتياز

بالعودة إلى مفهوم البيروقراطية الذي حدده ماكس فيبر، والخصائص التي وضعها للبيروقراطية كواحدة من الأنساق الاجتماعية، وبالمقارنة بين التنظيم العسكري وذلك التعريف، وتلك الخصائص؛ نصل في النهاية إلى أنّ التنظيم العسكري يُعَرّف أكثر من أي تنظيم آخر، في حدود البيروقراطية.

على سبيل المثال، بحسب فيبر البيروقراطية هي نسقٌ اجتماعي مُوجّه لإنجاز أهداف مُعينة. ويُدار هذا النسق على أساس من المعرفة والخبرة والقواعد المحددة. في المُقابل القوات المُسلحة، هي بناء اجتماعي غير شخصي أو “لا شخصي”، إذ تتمثل شرعية السلطة فيه، في المنصب (أو الرتبة الوظيفية البيروقراطية) وليس في الشخص الذي يشغلها. على سبيل المثال، أعلى سلطة في القوات البحرية لمنصب قائد القوات البحرية، وليس للشخص الذي يشغل هذا المنصب، لأنه حين يترك المنصب تُصبح السلطة بشرعيتها في يد من يشغل المنصب خلفه. إذًا فشرعية هذه السلطة كامنة في المنصب ذاته.

هذه بالمناسبة هي واحدة من خصائص البيروقراطية، التي فُرض على التنظيم العسكري الحديث تبنيها في هيكله لعدة اعتبارات، تتمحور غالبًا حول غاية التنظيم العسكري التقليدية: القتال. وكُل ما يترتب على هذه الغاية يستلزم تسلسلًا دقيقًا يُوفّر جهوزية واستعدادًا لهذا القتال غير المحدد من حيث التوقيت على أقل تقدير.

 

على الرّغم من ذلك، حيث إنّ البناء الرسمي للتنظيم العسكري قائم على البيروقراطية، لكنّ ثمة بناء آخر له دور فاعل، ومُتفاعل مع البناء الرسمي؛ هذا البناء هو بناء الأعراف والتقاليد، أو ما أسماه المُؤلّف بالبناء غير الرسمي.

وفي الحقيقة إن هذا البناء داخل البيروقراطية التي حدد خصائصها فيبر، غير موجود أو مُهمل. رغم وجوده الفعلي والفعال كما ذكرنا. لذا فإنّ الكاتب يعرض له لطرح رؤية متكاملة عن هيكلة النسق العسكري. ويُمكن اختصار هذا البناء غير الرسمي المتداخل مع البيروقراطية في رسم ملامح التنظيم؛ في ما يُعرف بالوسائط والمحسوبيات، أو الآليات غير الرسمية لتجاوز التراتبية في تنفيذ الأوامر، والتي قد تفرضها – في حالة التنظيم العسكري – ظروف الحرب ومفاجآتها، رغم كونها غير مُحددة بقوانين أو لوائح ترتب سير عمل النموذج البيروقراطي.

لماذا هُناك قوات مسلحة أصلًا؟

القوات المسلحة، أو التنظيمات العسكرية الحديثة، تُؤدي وظائف اجتماعية مُتواطَئٌ على دوافعها الأصلية ضمن النظام الاجتماعي العالمي. على سبيل المثال، تتمثل إحدى وظائف التنظيمات العسكرية الحديثة في تعزيز مكانة السُلطة السياسية داخل الدولة. وعلى مُستوى آخر، فإنّها تمد السلطة السياسية بما يعزز من موقفها في العلاقات الخارجية.

بعض السوسيولوجيين يرون أنّ من الوظائف الحديثة للتنظيمات العسكرية هو “حفظ السلام الدولي تحت علم الأمم المتحدة”، وهو ما يبدو أكثر وضوحًا إذا ما صيغ بشكل آخر: خلق حالة من التوازن داخل المُجتمع الدولي، مع إبقاء ترتيبات القُوى الدولية على ما هي عليها قدر المُستطاع.

على مُستوى أدق وأكثر تفصيلًا، يُمكن النظر إلى أسباب وجود القوات المسلحة داخل الدول، انطلاقًا من النظر إلى عُنصر “القوّة البشرية” داخل تلك التنظيمات العسكرية.

وفقًا للكاتب، فإنه يُمكن تصنيف القوات المسلحة انطلاقًا من عنصر القوة البشرية، إلى 3 أنماط، هي:

  1. في المجتمعات المتقدمة صناعيًا وتكنولوجيًا، للقوات المسلحة فيها دورٌ في تعزيز هذا التقدم. وتتميز فيها بانخفاض حجم القوة البشرية، أيضًا بسبب هذا التقدم التكنولوجي. الدراسات البيانية تُؤكد ذلك أيضًا، إذ توضح أنّ دولًا كالولايات المُتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا تتجه نحو إنقاص القوة البشرية.

     

  2. “دول الحزب الواحد”. وقد ضرب لها نماذج شرق أوروبا والاتحاد السوفيتي آنذاك (يُنوه مرة أخرى إلى أنّ الكتاب نُشر عام 1980). القوات المُسلحة في هذا النمط تتجه نحو تخفيض القوة البشرية في مُقابل العُنصر التكنولوجي. ليس ذلك فقط. ففي هذه الدول التنظيمات العسكرية تلعب دورًا آخر، وهو تعزيز السلطة السياسية/ سلطة الحزب الواحد، لذلك فإنها تلجأ في مُقابل تخفيض القوة البشرية في القوات المُسلحة، إلى تشكيل تنظيمات “شبه” عسكرية لتأدية وظائف داخل حدود الدولة.

     

  3. النمط الثالث، هو نمط الدولة النامية، أو حديثة النمو كما فضّل الكاتب تسميتها. وغالبًا تتزايد فيها أحجام القوة البشرية، سواءً للقوات المسلحة، أو التنظيمات شبه العسكرية. هذا عائد إلى الرغبة في تعزيز موقف الدولة في الخارج باعتبارها الأضعف من حيث النمو الاقتصادي الصناعي والتكنولوجي. وأيضًا لسد ثغرات الصناعية والتكنولوجية القائمة عليها تنظيمات عسكرية في دول أخرى.

محمية البدلة العسكرية: كيف يتحوّل الإنسان العادي إلى إنسان عسكري؟

في إحدى أقسام كتابه يُناقش أحمد إبراهيم خضر ما أسميناه تحول الإنسان العادي إلى إنسان عسكري. أمّا بالنسبة إليه هو فيقسّمه إلى عدة أقسام، من بينها مثلًا ما أسماه بـ”تمثّل الأدوار العسكرية”. وهي العملية التي يتم خلالها انتقال العضو الجديد من التنظيم العسكري إلى عُضو عسكري خالص. هذه العملية تتم عبر مراحل بدءًا من الانتقاء ثُم التدريب ثم أخيرًا التجنيد.

ويُعرف المُؤلف العضوية في القوات المُسلحة/ التنظيم العسكري/ النسق العسكري، بأنّه المشاركة في مجتمع يُنظّم سلوك الأفراد داخله كما خارجه. بمعنى أنّ العضو في هذا التنظيم لا يلتزم فقط بمجموعة من المهارات الفنية الخاصة والتي قد تكون مُعقدة (على اعتبار العسكرية مهنة)، لكنّه أيضًا يلتزم بالخضوع لقوانين دقيقة خاصة بالسلوك الاجتماعي داخل التنظيم، والسلوك الاجتماعي المُعبّر عن التنظيم خارجه. بمعنى أنّ يتثمل بدلته العسكرية باعتبارها محميته التي يُعبر عنها، وتُعبّر عنه. يُمثّلها، وتمثله.

 

هذا ويفترض الكاتب، أن المراحل سابقة الذكر (الانتقاء والتدريب والتجنيد) تُضبط دخول العضو الصالح للمجتمع الجديد الذي ينبغي أن يتكيف معه وفيه بشكل شبه تام، مع حفظ الاختلافات الفردية – قطعًا – والمتعلقة بالبيئة الأولى وأثرها على الفرد، بحسب ما يرى السوسيولوجيون. ويُشار إلى أنّ المقصود تحديدًا فيما يخص التمثل العسكري، أو الانضباط داخل محمية البدلة العسكرية، هُم العسكريون خريجو الكليات العسكرية، أو العسكريون المتقدمون للتجنيد التطوعي، حيث كما ذكرنا تتحول الجُندية أو الحياة العسكرية إلى حياة متكاملة، ومهنة تُمثل مصدر رزق العامل فيها.

في جزء آخر، يتحدث الكاتب عمّا أسماه بـ”التكيّف للمواقف العسكرية”، وهي مُناقشة في ظل إطار محمية البدلة العسكرية، أو التحوّل الذي يطرأ على العضو المنضم إلى التنظيم العسكري. فيتحدث الكاتب عن أنماط سلوكية نشأت وتطورت داخل النسق العسكري كوسيلة للتكيف مع مُتطلباته. تشمل هذه الأنماط – مثلًا – لغة خاصة، بمعنى مجموعة من التعبيرات التي قد لا تُفهم معناها عند المدني، أو تلك التي قد تكون مفهومة عند المدنيين من باب المعرفة لكنها غير مُستخدمة إلا بين العسكريين.

بمرور الوقت تلعب هذه التعبيرات أكثر من دورها العسكري، بخاصة التعبيرات التي قد لا تمت لـ”المهنة” العسكرية بصلة، بقدر ما أنّها مرتبطة بـ”المجتمع” العسكري. على سبيل المثال، يتصور الكاتب، أنّها قد تخلق حالة من الترابط والتضامن الاجتماعي بين المجندين بعضهم البعض، داخل الأوساط المدنية.

على مُستوى آخر، فإنّ هذه التعبيرات التي هي جزء أصيل من النمط السلوكي المُتطور للنسق العسكري؛ حين يستخدمها العسكريون فإنّها قد تحررهم من ضوابط ومحرمات المجتمع المدني، بخاصة إذا كانت بعض تلك التعبيرات غير مقبولة أصلًا في المجتمع المدني.

ماذا يحدث عندما يميل العسكريون نحو الوظائف المدنية؟

من بين حالات صراع الأدوار العسكرية، بحسب تعبير أحمد إبراهيم خضر، هو استهواء العسكري أو ميله نحو الوظائف المدنية كبديل مهني.

في البداية نُشير إلى أن المقصود بصراع الأدوار العسكرية، مشكلة قيام الفردي العسكري الواحد بأكثر من دور من الأدوار التي لا تتسق مع بعضها البعض. رُغمًا عنه، أو وفقًا لظروف مفروضة، أو بناءً على هوى شخصي، كما هو الحال بالنسبة للميل نحو الوظائف المدنية، التي تُعد أبرز أنواع صراع الأدوار هذا.

وغالبًا ما يُعزز ميل العسكري نحو الوظيفة المدنية، المهارات التي تحصّل عليها في التدريب العسكري، والتي بالإمكان تحويلها للاستفادة منها مدنيًا. بل وفي حالات قد تجعل منه مميزًا مدنيًا. وبالجملة، فإنّ هذا النوع من الصراع شديد الوفرة في دولة كالولايات المتحدة الأمريكية، لعدة أسباب، تتمثل غالبًا فيما تمثله الوظيفة المدنية من إغراء للرجل العسكري، فضلًا عن التدريبات المتقدمة التي يتلقاها العسكري على عدة مُستويات، البدنية جزء منها وليست كُلها. وبالفعل، تُوضح الدراسات التي أُجريت وقت نُشر الكتاب (1980) أنّ نسبة استقالات العسكريين الأمريكيين، خصوصًا خريجي الكُليات العسكرية، قد زاد بشكل ملحوظ في تلك الفترة.

كيف تتدخل القوات المسلحة في شؤون المجتمع؟ ولماذا؟

بالنسبة لعلماء الاجتماع، فإنهم يرفضون فكرة التدخل العشوائي للتنظيمات العسكرية في شؤون المجتمع، ويميلون أكثر إلى ربط هذه التدخلات بظواهر اجتماعية أخرى يُمكن تفسيرها، والخروج بنماذج لشكل العلاقات بين النسق العسكري والمجتمع.

من بين هذه النماذج التي يطرحها عُلماء الاجتماع، ويعرضها الكتاب، نموذج النفوذ العسكري، وهو النموذج الذي تُمثّل فيه القوات المُسلحة مجموعة ضغط، لكنّها لا تفوق بنفوذها قُوة المجالات المدنية، ولا تتدخل فيها إلا في إطار ما تمثله.

هُناك نماذج أخرى، من بينها مثلًا نموذج القوات المسلحة المُشاركة في العملية السياسية عبر حق التصويت لأعضائها. وهو – وفقًا للمؤلف – أقل شيوعًا من غيره. كما أنّ هُناك النموذج الذي تُمثّل فيه القوات المُسلحة قوة فوق المُجتمع، حيث تحتويه، وتتنفذ بشكل مُباشر في إدارته على مُستوياتها، سواءً عبر أفراد منها، أو أفراد مدنيين تشرف على اختيارهم وقيادتهم بصورة أو بأخرى.


كذلك لتدخل التنظيمات العسكرية في شؤون المُجتمع نمط آخر يطرحه الكتاب، ويطرح مدخله. وهو نمط العُنف، سواءً كان عُنفًا أبيض أم أحمر. أما مدخله فعبر ما يُعرف بالانقلابات العسكرية، التي اعتبرها الكاتب أكثر الأشكال العصرية انتشارًا، من حيث تدخل وسيطرة القوات المسلحة على المجتمع.

هذا بالنسبة لسؤال “كيف؟”، أمّا عن سؤال “لماذا؟” أو ما الذي يُؤدي لذلك؟ فإن الإجابات تتعدد. لكن من أبرزها ما لخصّه الكاتب في قوله:

إنّ احتمالات التدخل العسكري قد تنمو حينما تُصبح القُوات المسلحة محتواة في مهام هي من مهام الشرطة أساسًا، أو في أنشطة أُخرى لقمع أي تمرد داخلي بالبلاد. وتزيد احتمالات هذا التدخل، حينما تأمر الحكومة القوات المسلحة باستخدام العنف ضد معارضيها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد