هل يقوم الغرب بتدخل عسكري في ليبيا بالفعل؟ في الحقيقة لا يزال الأمر حتى الآن ضبابيا، حيث تتضارب تصريحات البلاد الكبرى عن نواياها في هذا الصدد.

هل يتدخل الغرب عسكريًّا في ليبيا بالفعل؟ في الحقيقة لا يزال الموقف ضبابيًّا حتى الآن إذ تتضارب تصريحات الدول الكبرى عن نواياها في هذا الصدد. لكنه لم يحدث حتى الساعة، دون أن ينفي ذلك حقيقة حدوث بعض العمليات ذات الطابع العسكري، إلا أنّها تبقى محدودة.

جاء الحديث عن اقتراب التدخل العسكري الغربي في ليبيا، عقب رواج أنباءٍ عن استعدادات لقوات خاصة مشتركة بين كل من روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، للشروع في تدخل بري بالأراضي الليبية، بغاية طرد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، من المناطق التي يتمدد فيها.

وعلى الرغم من عدم يقينية هذا التدخل، فإن احتمال حدوثه مستقبلًا يبقى أمرا غير مستبعد، بخاصة بعد أن تبينفشل الفرقاء الليبيين المتناحرين في بَلْوَرة حكومة موحدة، وهو الحل الذي كانت تُعقد عليه آمال إنهاء حالة الفوضى والتطرف المتفشي في ليبيا، مما يجعل البلدان المجاورة داخل خط التداعيات إن حدث أي تدخل عسكري.

تونس.. المتضرر الأكبر

تحد تونس ليبيا في شمالها الشرقي بحوالي 500 كيلومتر، وعلى الرغم من أنها ليست البلد الوحيد الذي يجاور ليبيا، إلا أن تونس تبقى المعنية الأولى بالتدخل العسكري هناك، بالنظر إلى العلاقات الوطيدة بينهما، والتأثير المباشر للأوضاع المشتعلة بليبيا على الداخل التونسي.

وقد استقبلت تونس بعد اندلاع ثورة 17 فبراير، التي أطاحت بنظام القذافي، عشرات الآلاف من النازحين الليبيين وجنسيات مختلفة من عمالة ليبيا. شكل ذلك عبئًا إضافيًا على الاقتصاد التونسي الهش، إذ تسببت الأعداد الضخمة من اللاجئين في ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية والسكن، مما أثار بعد مدة توترات اجتماعية بين مواطني البلد المضيف والنازحين.

ولا تخفي تونس تخوفها من احتمال تدخل عسكري قريب تقوم به الدول الغربية في ليبيا، كان هذا التخوف باديًا على لسان الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، الذي خاطب الغرب قائلًا: «لاتفكروا فقط في مصالحكم أنتم، فكروا أيضًا في مصالح الدول المجاورة (لليبيا) وفي مقدمتها تونس»، مذكرًا إياهم بأنّه «قبل أي عمل من هذا النوع، من فضلكم تشاوروا معنا لأنه (التدخل العسكري) قد يفيدكم لكنه قد يسيء إلينا».

ولا يبدو الموقف التونسي المتخوف غريبًا، إذا ما راعينا أن جُلّ العمليات الإرهابية التي أنهكت تونس، وأبرزها أحداث متحف باردو وشاطئ سوسة، كان منفذوها قد حصلوا على السلاح والتدريب من داخل ليبيا، ومن شأن أي تدخل عسكري خارجي في هذا البلد أن يتسبب في تسلل عناصر متطرفة إلى داخل تونس بالإضافة إلى إمكانية وصول موجة لجوء جديدة أضخم إلى الحدود التونسية.

وكانت السلطات في تونس قد عززت إجراءاتها الأمنية بالحدود مع ليبيا، كما أمرت حكومة لحبيب الصيد أمرت بتشكيل لجان جهوية تتكفل باتخاذ الاحتياطات الضرورية، بغاية مواجهة التداعيات الأمنية والإنسانية والاقتصادية إذا ما تم فعليًّا التدخل العسكري الخارجي.

الجزائر.. حدود الصحراء تصعب حراستها!

تربط بين الجزائر وتونس حدود يقارب طولها 900 كيلومتر، وهي حدود صحراوية شاسعة تجعل حراستها مهمة صعبة بالنسبة للجزائر، وأي تدخل حربي تقوم به الدول الغربية بهدف طرد الجماعات المتطرفة، يمكن أن يغرق المنطقة الحدودية الليبية الجزائرية بالميليشيات المسلحة، مما يشكل تهديدًا أمنيًّا لقصر المرادية.

وينظر إلى الجزائر إقليميًّا ودوليًّا بكونها اللاعب الأساسي الذي يعول عليه في القضاء على داعش بليبيا عسكريًّا، خصوصًا وأن للجيش الجزائري تجربة طويلة في الحرب ضد الجماعات الأصولية المسلحة، غير أن قصر المرادية كان له رأي آخر فهو يعارض بشدة أي تدخل عسكري أجنبي بالأراضي الليبية، ورفض بغضب دعوة الخارجية المصرية إلى الاستعانة بقوة عربية عسكرية لتطهير ليبيا ممن تعتبرهم «إرهابيين»، كما سبق للجزائر أن منعت طلبًا أمريكيًّا بالسماح لطائرات الدرونز لديها بالانطلاق من أجوائها نحو ليبيا.

لكن لم يكن ذلك شذوذا عن سياستها الخارجية في مثل هذه القضايا، فلطالما ترفض الجزائر التدخل العسكري في الشؤون الداخلية للبلدان، وتدعم بدل ذلك الحل السياسي كالشأن مع سوريا واليمن، بالإضافة إلى ذلك فإن عقيدة الجيش الجزائري تمنعه من خوض حروب خارج حدود البلاد.

وقامت الجزائر منتصف الشهر المنصرم بغلق حدودها مع تونس مؤقتًا والإبقاء على الحدود المغلقة مع ليبيا علاوة على تعزيز وجودها العسكري بالمنطقة الحدودية، استعدادًا لمواجهة التبعات الأمنية التي قد تترتب عن تدخل الدول الغربية المحتمل بليبيا.

المغرب: «التدخل العسكري قرار ليبي»

يشارك المغرب في حلف السعودية في حربها ضد الحوثيين في اليمن، إلا أنه يعارض التدخل العسكري بليبيا ولو كان بغاية محاربة «الدولة الإسلامية»، جاء ذلك على لسان وزير الخارجية صلاح الدين مزوار عندما صرح قائلا، إن «طلب التدخل العسكري يجب أن يأتي من الليبيين أنفسهم»، مفضلا دعم الحكومة الليبية المنبثقة عن «اتفاق الصخيرات» ومساندتها للقضاء على داعش في سرت.

وكان المغرب يحتضن منذ سنة حوارًا بين الفرقاء الليبيين برعاية الأمم المتحدة، بهدف تشكيل حكومة ليبية وطنية موحدة، تجمع بين برلمان طبرق العلماني ومجلس طرابلس الإسلامي، يعقد عليها الأمل في إنهاء حالة التناحر والفوضى بليبيا.

وقد توصلت الأطراف الليبية فعلًا إلى اتفاق رسمي بمدينة الصخيرات المغربية بعد المفاوضات الماراثونية، بيد أن الاتفاق يواجه الفشل المحتوم في إمكانية تنفيذه وتشكيل حكومة ليبية واحدة، نتيجة انعدام الثقة بين الفرقاء الليبيين والتباين الشديد لمواقفهم، مما يزيد من احتمال التدخل الخارجي بليبيا.

وبالرغم من أن المغرب لا تربطه علاقة حدودية مباشرة مع ليبيا، فإنه قد يواجه موجة لاجئين ليبيين كتبعات إنسانية إذا ما تحقق التدخل العسكري على أرض الواقع، مثلما يمكن أن تصبح ليبيا بؤرة التوتر الجديدة التي تجذب العناصر المغربية المتطرفة بدل سوريا.

مصر..على عكس الجميع!

بخلاف البلدان السابقة فإن مصر ترغب في تدخل عسكري بليبيا، وقد سبق للرئيس عبد الفتاح السيسي أن دعا إلى «تدخل دولي في ليبيا لمحاربة مسلحي الدولة الاسلامية أسوة بما يجري في العراق وسوريا»، مثلما تقدمت الخارجية المصرية لدى المجموعة العربية بالموافقة على التدخل العسكري إلا أنه رفض.

وكانت مصر قد شنت غارات جوية محدودة ضد أهداف في ليبيا، ردًّا على ذبح داعش عددًا من العاملين المصريين وتصويرهم، كما تروج بعض التقارير الإعلامية إلى أن مصر تسلح سرًّا الجيش الموالي لحكومة طبرق بقيادة حفتر في حربه ضد الإسلاميين ببنغازي.

وقد ارتكنت مصر على مضض إلى دعم الحل السياسي مسايرة للمحيط الإقليمي والدولي الذي كان يرفض أي تدخل عسكري خارجي، بيد أن الأيام الأخيرة أظهرت تغير مزاج بعض الدول الغربية تجاه هذا الأمر، وبدا استعمال القوة لإيقاف تمدد داعش ضرورة ملحة بالنسبة لتلك الدول.

ولا يستبعد أن تشارك مصر جنبًا إلى جنب مع الدول الغربية في الحرب ضد داعش بليبيا إذا ما بدأت بالفعل.

إيطاليا.. تتزعم التدخل العسكري المُحتمل

تعتبر إيطاليا بوابة ليبيا نحو أوروبا على سواحلها الشمالية، وبالتالي فإنها الوجهة المباشرة للمهاجرين السريين والنازحين الليبيين، مما يجعلها أحد الدول المعنية بالوضع في ليبيا.

وأعلنت الحكومة الإيطالية قبل يوم أمس عن استعدادها تزعم عمليات عسكرية في ليبيا بشرط «الحصول على طلب بذلك من حكومة الوفاق الوطني الليبية».

وتخشى أوروبا في ظل حالة الفوضى والتسيب التي تعيشها ليبيا من تنامي نشاط مافيا التهريب السري إلى إيطاليا، وكان الاتحاد الأوروبي قد صادق مؤخرًا على خطة التدخل في شواطئ ليبيا للحد من نشاط المهربين، بعد وصول المهاجرين بالآلاف العام الماضي وغرق المئات منهم في أمواج البحر المتوسط.

وبينما تشن الولايات المتحدة ضربات جوية على مواقع الدولة الإسلامية في ليبيا، وفرنسا تقوم بحملات استطلاعية وترسل عددًا من مستشاريها إلى هناك، تتوجس إيطاليا من التدخل العسكري الغربي، حيث تنقل رويترز عن وزيرة الدفاع الإيطالية روبرت ابينوتي قولها «يمكن إرساء الاستقرار في ليبيا عن طريق القوات المحلية. التدخل العسكري واحتلال البلاد (بقوات غربية) لا يمكن تصوره».

ويبدو وفق مراقبين أن الدول الغربية لن تغامر بالدخول عسكريًّا إلى ليبيا (باستثناء العمليات المحدودة)، إلا بمشاركة عربية، إذ من شأن ذلك أن يقوي شوكة الجماعات المتطرفة.

المصادر

تحميل المزيد