في الوقت الذي تفاعل فيه العالم مع اغتيال القائد الإيراني قاسم سليماني على يد القوات الأمريكية، مال العديد من الخبراء نحو اعتبار إيران للحادث على أنه «فعل حرب»؛ لكن كيف يمكن أن تبدو الحرب بين إيران وأمريكا؟ في هذه المرحلة، من الصعب أن نحدد بدقة شديدة ما سيؤول إليه هذا الصراع الافتراضي. ولكننا نعلم أنه سيشمل سلاسل من الفعل ورد الفعل، وأن الأمر سيكون فوضويًا، ومربكًا، ودمويًا للغاية. 

وإذا ما قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شن هجوم على الجمهورية الإسلامية، التي وصفتها شركة «ستراتفور» للمخابرات الخاصة بـ«الحصن» في عام 2011؛ فمن المحتمل أن يحتاج إلى حوالي 1.6 مليون جندي للسيطرة على العاصمة والدولة، وهي قوة كبيرة جدًا سوف تطغى على قدرة أمريكا على استضافتهم في قواعد إقليمية. 

وعلى النقيض، لم يكن لدى أمريكا أكثر من 180 ألف عضو في الخدمة في العراق. أضف إلى ذلك التكلفة البشرية؛ فمن المحتمل أن تؤدي الحرب الأمريكية الإيرانية إلى مقتل الآلاف أو مئات الآلاف. ويقول بعض الخبراء أن محاولة إزالة قيادة البلاد بالقوة، قد ترفع هذه الأعداد إلى الملايين. وسوف تشعر الدول الأوروبية بقلق بالغ؛ إزاء تدفق ملايين اللاجئين إلى القارة؛ الأمر الذي من شأنه أن يفاقم الضغوط على حكومات تلك الدول، التي تتعامل بالفعل مع تداعيات أزمة اللاجئين السوريين.

ولكن دعونا نرجع إلى الوراء قليلًا، وتحديدًا عام 2002، حين أظهر تمرين حرب افتراضية بين الولايات المتحدة وعدو مثل إيران، أن الأخيرة قد تتمكن من الفوز، وإغراق السفن الأمريكية، مع أن البحرية الأمريكية أقوى بكثير. فكيف كانت مُجريات أحداث ذلك التمرين؟ وإلى ماذا هدف؟ وكيف باء بالفشل وانتهى الحال بـ19 سفينة، وحوالي 20 ألف جندي أمريكي في قاع الخليج العربي وكيف سحقت إيران أمريكا؟

«تحدي الألفية».. تمرين المحاكاة العسكرية الأكثر تكلفةً في التاريخ الأمريكي

في منتصف عام 2002، أجرت وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون»، بتكليف من الكونجرس، أكثر المناورات العسكرية طموحًا وتكلفة في تاريخها، أطلق عليها «تحدي الألفية 2002». وكانت من أهم الممارسات التي أجرتها القوات المسلحة الأمريكية، التي شملت كل من التدريبات الحية، والمحاكاة الحاسوبية باستخدام نظم المحاكاة عبر أجهزة الكمبيوتر، ومركز قيادة جوي. ومن بين التمارين البالغ عددها حوالي 50 تمرينًا، شملت العملية هجومًا على مواقع تحتوي على أسلحة كيميائية.

Embed from Getty Images

وكان التمرين قد أُجري لاختبار احتمال نشوب حرب بين الولايات المتحدة ودولة شرق أوسطية مثل إيران، ويهدف أيضًا إلى تزويد القادة بمعرفة مدى قدرة القوات الأمريكية على القيام بعمليات حاسمة سريعة ضد خصوم المستقبل، والهيمنة في ساحة المعركة. وقد جرى التحضير له خلال عامين، وشارك فيه 13500 مقاتل، في عديد من مواقع التدريب الحية والمُحاكاة، وتكلف أكثر من 250 مليون دولار، واستمر في الفترة من 24 يوليو (تموز) إلى 15 أغسطس (آب). 

وكان الخلیج العربي المکان المفترض لهذه العملية التي تقاتل فيها فريقان أحدهما يمثل الولايات المتحدة، ويُشار إليه بالفريق «الأزرق»، ضد خصم شرق أوسطي مثل إیران ويُشار إليه بالفريق «الأحمر». وكانت مهمة ذلك الأخير غزو الجزر المتنازع عليها في المنطقة، في حين كان هدف الفريق الأزرق إعادة فتح ممرات الشحن، وتحييد أسلحة الدمار الشامل التابعة للفريق الأحمر، وتحرير الأراضي التي احتلها.

دولي

منذ 9 شهور
هل سيشعل اغتيال قاسم سليماني شرارة حرب مؤجلة بين أمريكا وإيران؟

وقد طلب البنتاجون من بول فان ريبر، الجنرال المتقاعد من مشاة البحرية الأمريكية، العودة إلى قيادة القوات الحمراء؛ إذ كان من المعروف عنه أنه المنشق الذي يتمتع بتفكير غير تقليدي. وكان يُنظر إليه على أنه مناسب جدًا لتمثيل إيران في الحرب، والتي ستسعى إلى تسخير كل قدراتها لصد الهجوم الأمريكي.

وتوقعت القوات الأمريكية أن يجلس فان ريبر ويتعرض للهجوم، ثم يشن هجومًا مضادًا مع قواته الباقية على قيد الحياة، والتي يمكن للفريق الأزرق سحقها بسهولة. ولكن فان ريبر، الذي أراد بالفعل الفوز في التمرين، رفض الجلوس مكتوف الأيدي والسماح للأمريكيين بالهجوم أولًا.

كيف أغرقت إيران سفن أمريكا في قاع الخليج العربي؟

بدأ تمرين المحاكاة الأضخم من نوعه على الإطلاق، مع افتراض القادة الأمريكيين استطاعتهم اعتراض اتصالات العدو، والتنبؤ بتحركاته، وثقتهم من الفوز. ولكن الرياح أتت بما لا تشتهيه السفن، وأبى الخصم الأحمر أن يظفر غريمه الأزرق بما يأمله. وبتوجيهات من الجنرال فان ريبر، استخدم الفريق الأحمر وسائل غير تقليدية للتواصل؛ ما أحبط الفريق الأمريكي الذي توقع أن يستخدم تقنيات الاتصالات الحديثة. واستخدام الأساليب القديمة؛ للتهرب من شبكة المراقبة الإلكترونية المتطورة لقوات الفريق الأزرق.

وبدأ فان ريبر هجومه على أسطول الولايات المتحدة باعثًا أوامره، ليس من خلال جهاز إرسال قد تُعترض إشاراته، بل في رسائل مشفرة بُثّت من مآذن المساجد خلال أذان الصلاة. كذلك، استخدم فان ريبر الدراجات البخارية في تمرير الأوامر إلى قوات الخطوط الأمامية، بدلًا من الرسائل الإذاعية والإلكترونية؛ حتى لا تتمكن الطائرات الأمريكية المصممة للتنصت على اتصالات العدو من اعتراضها.

ومن السماء، أخذ فان ريبر يشن هجومه جوًا، وتحولت طائرات الدفع التي بدت غير مؤذية إلى أسلحة فتاكة، وأخذت تصطدم بالقوارب والمطارات التابعة للفريق الأزرق على طول الخليج، في عشرات الهجمات الانتحارية على غرار تنظيم «القاعدة». كذلك، استخدم إشارات الضوء على غرار الحرب العالمية الثانية؛ لإطلاق الطائرات، دون اتصالات لاسلكية.

فضلًا عن ذلك، استخدم الفريق الأحمر أسطولًا من القوارب الصغيرة؛ لتحديد موقف الأسطول الأزرق في اليوم الثاني من العملية. وفي ضربة وقائية، أطلق الفريق الأحمر مجموعة كبيرة من صواريخ كروز، التي طغت على أجهزة استشعار القوات الزرقاء، ودمرت 19 سفينة حربية.

وبعد وقت قصير من هجوم صواریخ الکروز، أغرق أسطول القوارب الحمراء الصغيرة جزءًا كبيرًا آخر من القوات البحرية الزرقاء، عبر تنفيذ الهجمات التقليدية والانتحارية؛ مستفيدةً من عدم قدرة الفريق الأزرق على الكشف عنها. وشملت الخسارة أيضًا، حاملة طائرات، و10 طرادات، وخمسًا من ست سفن برمائية. علاوة على ذلك، هزمت إيران أمريكا في هذه الحرب المتخيلة، وتسببت في وفاة أكثر من 20 ألف جندي من موظفي الخدمة في ذلك الصراع المتخيل. وقد علق على تلك الهزيمة القاسية، روبرت أوكلي، السفير الأمريكي المخضرم، قائلًا: «هذا يدل على أن العدو البدائي نسبيًا، أو غير المتطور يمكنه إيجاد طرق لمُفاجأتك».

أسطورة «الجيش الذي لا يُهزم».. فوز مُزوّر ودُروس غير مستفادة

مع غرق أسطول الولايات المتحدة، بما في ذلك قوة الهبوط البحرية، انتهت التدريبات في زمن قياسي معلنة أن الفوز من نصيب الفريق الأحمر. ولكن من أجل الاستمرار في التمرين، أعاد المتحكمون به تجميع أسطول الولايات المتحدة، ومواصلة التمرين كما لو أن فوز الفريق الأحمر لم يكن. وجرى إعادة شحن السفن الزرقاء، وتغيير قواعد الاشتباك. وقد برر الجنرال بيتر بيس ذلك في وقت لاحق برغبته في الاستفادة من قيمة التجربة، خلال الفترة المحددة لها بالكامل.

وبالفعل، أعاد الفريقان ترتيب صفوفهم، وعادا لساحة المعركة لمتابعة خطط عمل مُعدة سلفًا. وبعد العودة للعبة الحرب، سارت الأمور وفقًا لسيناريوهات وُضِعت لضمان انتصار القوات الزرقاء. ومن بين القواعد التي فرضتها تلك السيناريوهات، أمر القوات الحمراء بتعطيل رادارها المضاد للطائرات من أجل تدميرها، وعدم السماح لها بإسقاط أي من الطائرات التي حملت القوات الزرقاء إلى الشاطئ. 

وبذلك؛ مُنِع فان ريبر من اتخاذ خطوات لمواجهة هبوط القوات الزرقاء، ولم يُسمح له بإسقاط الطائرات القادمة تجاهه، والتي كان يمكنه استهدافها بدقة، في حين سُمِح للقوات الزرقاء بالهبوط والفوز. أيضًا قال فان ريبر أن مسؤولي التمارين منعوه من استخدام تكتيكاته وأفكاره الخاصة ضد القوات الزرقاء، وأنهم أمروا القوات الحمراء بعدم استخدام أنظمة أسلحة معينة ضد الزرقاء، بل وأمروا القوات الحمراء بتحديد موقع وحداتها.

Embed from Getty Images

انتقد فان ريبر بشدة تلك القواعد التي رُسمت لاستئناف التمرين، وانسحب في منتصف اللعبة عندما أدرك أن مخططي التمرين تجاهلوا أوامره. وقال في وقت لاحق، إن هدف التمرين جرى تغييره؛ لتعزيز العقيدة القائمة داخل الجيش الأمريكي بأنه لا يُقهر، بدلًا من أن تكون بمثابة تجربة تعليمية. وأن ما رآه خلال «تحدي الألفية» يؤكد وجهة النظر نفسها، التي روجتها وزارة الدفاع قبل وأثناء حرب فيتنام، عن الجيش الأمريكي بأنه لا ولن يُهزم.

وكان من المفترض أن تختبر تلك المناورات التحول العسكري في المستقبل، والتوجه لاستخدام التكنولوجيات الجديدة التي تُمكّن الصراع مع شبكة مركزية، وتوفير أسلحة وتكتيكات أكثر قوة، وقيادة أكثر فعالية. غير أن اللعبة جرى تزويرها لتحقيق الفوز الأمريكي بالنهاية، وقد كتب فان ريبر عن ذلك نقدًا لما حدث في التدريبات، تألف من 21 صفحة جرى حظرها عن العامة على الفور.

كذلك، أعرب فان ريبر عن رفضه نوع القرار التحليلي الذي اتخذته القوات الزرقاء خلال التمارين، والذي كان يستغرق وقتًا طويلاً جدًا. في حين تضمنت خطته المقاومة طرقًا تُمكن قواته من اتخاذ قرارات جيدة، باستخدام الإدراك السريع والاتصالات التناظرية والموثوقة في الآن نفسه. وشدد على أن أجهزة التكنولوجيا المتطورة، لا تُغني عن الحدس البشري. وأضاف في حوار مع صحيفة «الجارديان»: «لم يجر تعلم شيء من هذه التجربة؛ فالثقافة التي لا ترغب في التفكير، واختبار نفسها بجد، لا تُبشر بمستقبل جيد».

دولي

منذ 8 شهور
«التسونامي الفضي».. كيف تهدد الشيخوخة مستقبل أمريكا؟

المصادر

تحميل المزيد