ارتفعت طموحات مينا دانيال الشاب القبطي المصري، وإحدى أيقونات ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، إلي عنان السماء، عقب الإطاحة بنظام مُبارك، اعتقادًا أنها كسرت غربته، وحررته من قيود الرهائن؛ قبل أن ترتد فجأة، وتتبدد الأحلام والوعود، وتضيع معها الفرص الموعودة؛ لتنتهي حياة الشاب برصاصة في أحد التظاهرات المناهضة للسلطة الحاكمة.

رسمت محطات مينا في حياته التي امتدت لسنوات معدودة صورة أعم عن مشاكل مصر في سنوات ما قبل ثورة 25 يناير، قبل أن تعكس حياة عائلته مسيرة لأزمات وطن ما بعد 30 يونيو (حزيران)، بعدما انتهى بها الحال إلى الشتات تحت واقع سياسي جديد تشكل، ومضت حياتهم في المنفى بين التأرجح والاستقرار، إلى أن انعدم الاستقرار الأسابيع الماضية بعدما كانوا على وشك الترحيل من كوريا الجنوبية، وتسليمهم من جانب الأخيرة للسلطات المصرية.

في التقرير التالي نستعرض المحطات الرئيسة لسيرة مينا دانيال، وتتبع خلفيات الشاب، لرسم صورة كاملة للشاب المسيحي، والتي عكست صورة أعم لقضايا الوطن، في الخمسة عشر عامًا الأخيرة.

كسر التقاليد في الصعيد وعين شمس

لعائلة مصرية، تنتمي للطبقة تحت المتوسطة، يغُلب على طباعها النهج المُحافظ والمُسالم، أو ما عُرف في مصر «بالمشي جوة الحيط»، ولد شاب قبطي، في قرية من قرى صعيد مصر، وتحديدًا بقرية صنبو بمدينة ديروط في 21 يوليو (تموز) 1991 التابعة لمحافظة أسيوط، اختار له والده اسم مينا، تشبهًا باسم قديس أحبه والده كثيرًا، وهو القديس ماري مينا العجايبي.

حقوق إنسان

منذ سنة واحدة
ضاقت عليهم الأرض.. هذا ما تعانيه أسرة مينا دانيال بسبب نظام السيسي

فالأب هو رجل سبعيني آثر السلامة في حياته ملتزمًا بالذهاب للكنيسة أسبوعيًا، للبوح لقديسيها بأزماته، ومشاكل عائلته المستمرة، وضيق الظروف، التي لا تشفع معها الوظائف التي يعمل بها، ملتزمًا بالصمت خارج أسوار مكان العبادة، بينما الأم هي سيدة أمية، لا تجيد القراءة ولا الكتابة، توصي أبناءها دومًا بالابتعاد عن السياسة خوفًا عليهم من أي بطش من نظام الرئيس السابق محمد حسني مُبارك آنذاك.

ومع كل موجة عاتية من موجات الاضطهاد أو ضيق الظروف، كانت الرُكَب الساجدة، والأصوام، وجهاد الصلوات، ملاذًا وحيدًا للتعبير لعائلة مينا عن شكواها، إلى أن يستجيب الرب لدعواتهم.

في سنواته الأولى اكتشف هذا الطفل عالمه الذي بدأ يتشكل من حوله سريعًا، كمسيحي مصري فقير، مُستهدف بقائمة طويلة من التهم من جيرانه، وعنف أهلي لأماكن العبادة المسيحية، من جماعات مُسلحة اتخذت من الصعيد موطنًا لها؛ لتُصبح مسألة ضمانة السلامة لعائلته مرتهن دومًا على استقرار الأنظمة الحاكمة وحماية أجهزة الأمن لهم.

بعد عامٍ ستنقل عائلة مينا إلى العاصمة المصرية، لتسوطن «عزبة النخل»، وهي منطقة فقيرة خدميًا، تقع بمنطقة شرق القاهرة، نالت شهرة استثنائية في منتصف التسعينات، بعدما تحولت مساجدها لحاضنة للجماعات المتشددة في منتصف التسعينات، وصدحت بها خُطب مشايخ السلفيين بفتاوى هدر دماء الأقباط، واستباحة أملاكهم.

تنقل مينا بين مدارس القاهرة الحكومية المجانية، حتى قرر الالتحاق بالمدرسة الصناعية، والتي ينضم لها الطلبة الذين لم يحققوا درجات كافية للالتحاق بالجامعات، أو هؤلاء الذين يجدون صعوبة في التكفل بمصاريف الجامعة. وفي حالة مينا كان العامل الثاني هو الدافع وراء هذا الاختيار؛ بعدما مرت عائلته ببعض الظروف المالية الصعبة.

كان لعامل الضيق المالي سبب أيضًا في تخلي مينا عن حلمه بالتخصص في مجال الآثار؛ لتمضي حياته متأرجحة بين أحلام غير مُحققة وواقع يجتره لمسارات غير مرغوبة، تحت قسوة ظروفه التي اضطرته دومًا لخيارات لا تُناسبه.

وسط جُل تلك الظروف، كسر مينا التقاليد المحافظة، وثقافة «المشي جوة الحيط» إيثارًا للسلامة، مدفوعًا بحراك سياسي بلغ ذروته في سنوات مُبارك الأخيرة، اجتذب أعداد كبيرة من الأقباط، مندمجين داخل هذه الحركات السياسية، بوصفهم مواطنين لهم حقوق وواجبات، تُشكل قضايا الحرية والعدالة الاجتماعية ومدنية الدولة أولوية في قائمة تطلعاتهم.

كانت شخصية مينا تميل لكسر كُل ما هو تقليدي وروتيني؛ كان ثائرًا على التقاليد السائدة في الكنيسة والأسرة والمجتمع؛ فالشاب الذي اعتاد فتح شباك عرفته ليلًا أو نهارًا، صيفًا أو شتاءً؛ لأنه كان يكره الأبواب المغلقة؛ رأى في السير على نهج من سبقوه قتلًا لروح المُبادرة والثورة المتقدة داخله.

سياسة

منذ سنتين
من التأييد «الناعم» إلى العداء المطلق.. كيف تبدلت مواقف السيسي تجاه ثورة يناير؟

أيقونة «لاهوت تحريري»

بين المحطات التي تنقل فيها مينا، والمشاهد التي كونها في الصعيد وعين شمس ومدارس الحكومة التي تنقل بينها، وتسليم عائلته للكنيسة بتمثيلهم سياسيًا، نشأ مينا حاملًا رؤية نقدية وانطباعات تجاه كُل الأحداث من حوله، ظل محتفظًا في الأغلب داخله، عملًا بنصية والدته إيثارًا للسلامة التي أوصتهم بها.

في سنوات مُبارك الأخيرة، ووسط نشوء حركات سياسية شبابية احتجاجية ضد سياسات مُبارك، وتفاعلات كبيرة من المنخرطين في الشأن العام، وجد مينا الفرصة لكسر الصمت الذي ظل مُلتزمًا به، من خلال تلك الحركات السياسية الوليدة.

Embed from Getty Images

وفقًا للكاتب القبطي شادي لويس فمينا دانيال هو أيقونة لاهوت تحريري طُرح في خضم السنوات الأولى للثورة، وتجسيده العياني، والتي تؤسس للطموحٍ إلى دولةٍ للمواطنة، والمساواة، والتعايش على أسس دستورية وقانونية، مؤسسة على روايات وطنية، ولاهوتية، وتاريخية عدة، وهي المخالفة لما يعتقد مُعظم الأقباط من مظلومية الاضطهاد.

فمينا وغيره من شباب الأقباط ممن خالفوا مسارات غالبية الأقباط رأوا في المسيح الثائر السياسي والمُصلح الاجتماعي، وليس المخلّص الإلهي؛ لينطلق مينا نحو ميادين الاحتجاج، واهبًا نفسه للثورة، ومُكتشفًا ميدان جديدًا لتفجير كُل مواهبه المكتومة داخله.

كانت المحطة الأولى لمينا هو التفاعل مع الكيانات السياسية المناهضة لنظام مُبارك، في عام 2007، بعدما انضم لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي» و«حركة شباب من أجل العدالة والحرية»، مؤمنًا أن حقوق الأقباط تبدأ بتحرير الوطن من نظام فاسد يقمع الكل.

بينما كان مينا يسير نحو كسر الصورة النمطية للمسيحي «المُلتزم» و«المُطيع»، كانت الكنيسة ماضية نحو توسيع دورها الأبوي، مُتجاوزة في ذلك مهامها الدينية التقليدية، عبر توسيع حجم أدوارها وسلطاتها على المسيحيين، وهو ما ظهر في تصريحات البابا شنودة حين أشار في الشهور التي سبقت ثورة 25 يناير، إلى أن «الأقباط شعب لا يثور، ولا يعصي السلطة».

أسس مينا بالحضور الدائم له بهذا النشاط السياسي المحموم، خارج أسوار الكنيسة، مجتمعًا جديدًا من الأقباط، يغلُب عليهم الفئة العمرية بين العشرينات للثلاثينات، رافضًا وصاية الكنيسة، وسياستها المُلزمة أو نصائحها للمسيحيين بالتنازل عن حقوقهم السياسية في مقابل وعود من النظام الحاكم بالحماية والأمن والاستقرار.

كانت ملامح هذا الجيل قد بدأت في التشكل، وبات له حضور نافذ في المناسبات الكنسية الرسمية، أو عند كُل هجوم على مبنى مسيحي، وتظهر معهم هتافات كان أبرزها تلك التي صدحت بهم حناجرهم بعد تفجير كنيسة الفديسين مثل: «أنا مصري أنا قبطي ومبارك بيضطهدني»، و«ما هو اللي مات لو كان ابن وزير كانت فيها رقاب هتطير»، و«ولا عادلي ولا حبيب ارحل يا وزير التعذيب»، و«أمن الدولة علينا كبير كنتم فين وقت التفجير»، و«عاملوا مريم زي فاطمة تبقى دي هي المواطنة».

من بين أصدقاء مينا دانيال، الذين رافقوه في رحلة الثورة والميدان ومسيرات الاحتجاج الناشطة سالي توما التي التقته لأول مرة في ميدان التحرير، التي رسمت صورة لهما معًا في مقال منشور لها على موقع «مدي مصر»، قائلًا: «لم يكن انتماؤنا المشترك للميدان السبب الوحيد وراء ذلك، ولم نكتفِ بكون الدافع وراء كفاحنا أننا أقباط؛ فقد آمنّا بالعدالة والحرية والكرامة الإنسانية لجميع البشر، وكان قدرنا أن يكون الصليب الذي نفخر بحمله على أعناقنا، تلك الحرب من أجل المهمشين».

مينا دانيال يختار الثورة

لم يثن مينا وأقرانه عن مسارهم الماضين نحوه هؤلاء أي بيانات داعمة لمُبارك، وسط بلوغ الاحتجاجات لذروتها في ثورة 25 يناير، والتي كان على رأسها بيان البابا شنودة، الذي أعلن من خلاله تأييده لنظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، بالتزامن مع خروج الناس للتظاهرة في الأيام الأولى لثورة 25 يناير.

وكرر الباب شنودة رسائله لكافة الأقباط، مرة أخرى، حين ذكر في حوار تليفزيوني أجرته لميس الحديدي، يوم 22 يناير 2011 تعليقًا على الدعوة لمظاهرات يوم 25 يناير: «إحنا عارفين مين اللي بيقوم بالمظاهرات دي ويدعو للمظاهرات دي ونحن لا نوافق على هذا وعايزين السلام للبلد». وتكرر نفس المضمون في مداخلة تليفونية من البابا شنودة مع الإعلامي المصري عمرو أديب، بعد 25 يناير وقبل تنحي مبارك قال: «نحن بطبيعتنا نود أن نعيش في هدوء، ولا نحب أن نشترك في مظاهرات أو في أعمال من هذا النوع، طبيعتنا كده».

تحدى مينا وأقرانه سلطة الكنيسة، ومضى نحو أهدافه التي رسمها له ولجيل جديد يتشكل من الأقباط، مُشاركًا في الخطوط الأمامية لثورة 25 يناير، رافعًا شعاراتها، ومتحديًا كُل أساليب المجلس العسكري الحاكم آنذاك.

في واحدة من تلك التظاهرات التي انطلقت تنديدًا بسياسات المجلس العسكري، أمام مبني ماسبيرو التلفزيوني، احتجاجًا على تغطيته غير المحايدة آنذاك، ومُطالبًا بحقوق الأقباط كمواطنين مدنيين، كان مينا كعادته، مجمولًا على الأعناق، مرددًا هتافات منددة لسياسات الجنرالات الحاكمين آنذاك، قبل أن يتلقى صدره رصاصة اخترقته من الناحية العليا وخرجت من الناحية السفلى؛ منهيًا سيرة أحد جنود مشاة الثورة، وأيقونة مُتجسد فيها كًل مواصفات الثائر الحق.

قصة إنسان

منذ سنة واحدة
علاء عبد الفتاح.. ماذا فعلت ليالي السجن الطويلة في «التنين البمبي»؟

المصادر

تحميل المزيد