مشهد السخرية من لوحة بها مزيج غير مفهوم من الألوان والأشكال تُباع في معارض فنية بمبالغ طائلة، تحت اسم الفن التجريدي؛ هو مشهد معتاد رأيناه في أكثر من فيلم كوميدي عربي إذ أصبحت كلمة الفن التجريدي في ذهن الكثيرين شيء يبعث على السخرية.

الفن التجريدي يُعرف بأنه الفن الذي يعتمد على أشكال ونماذج مجردة تنأى عن مشابهة الأشياء والمرئيات في صورتها الطبيعية والواقعية، وفي هذا الفن يكون بإمكان الفنان رسم الشكل الذي يتخيله سواء من الواقع أو من الخيال في شكل جديد تمامًا من ابتكاره، ويعتبر الفنان التشكيلي العالمي بابلو بيكاسو من رواد هذا النوع من الفن.

ولكن بعيدًا عن الفنانين والذين يفهمون ويدرسون هذا النوع من الفن، كيف يمكن للفن التجريدي أن يكون مفيدًا؟ بل ومفيدًا لعقل الإنسان العادي الذي يجلس في منزله باحثًا عن شيء مسل ومفيد يفعله؟ هذا ما نخبرك به في هذا التقرير.

كيف يدرك العقل الواقع والتجريد؟

يقول عالم النفس والأعصاب الحاصل على جائزة نوبل عام 2000 إريك كانديل في كتابه «Reductionism in Art and Brain Science: Bridging the Two Cultures»: «أن علم الأعصاب يؤكد كون التحديق ومشاهدة الفنون المجردة لهم القدرة على تطوير المزايا العصبية لمخ الإنسان».

على مدار التطورالبشري وبنائه للحضارات، سعى الإنسان لتطوير الفن، والفرد يتذوق الأعمال الفنية ويدركها من خلال عملية عقلية يطلق عليها العلم اسم «Perception Action loop»، وهي الآلية العصبية للمخ نفسها التي تطورت داخل الإنسان في المقام الأول للتفاعل مع الواقع وفهمه، وتلك الآليات تطورت داخل البشر على مر السنين بغرض اكتساب المعلومات الحسية من حولنا وتحليلها، وبالتالي نكون أكثر قدرة على التأقلم مع الواقع المتغير.

«Perception Action loop» أو «حلقة عمل الإدراك» هي عملية إدراكية مثل البرمجة العصبية للمخ، من خلالها لا يكون الإنسان مضطرًا للتفكير في كل تفصيلة تقع عيناه عليها، فعلى سبيل المثال إذا رأيت كوبًا جديدًا في منزلك أحضره أحد أفراد العائلة وعينك ليست معتادة عليه، لن تأخذ وقتًا في التفكير في ماهية هذا الكوب وكيفية عمله، فعقلك – من خلال حلقة عمل الإدراك – قد خزن بالفعل المعلومات الخاصة بأشكال الأكواب ومهمتها في الحياة، حتى لا تكون مضطرًا لإجراء عمليات فكرية كلما رأيت شيئًا مشابهًا لما تعرفه في محيطك المعتاد.

 لوحةإبريق ووعاء فاكهة لبابلو بيكاسو. مصدر الصورة موقع «ارسموندي»

عقل الإنسان يتعامل مع الفنون بنفس العملية العقلية بالضبط، فحين ترى كوبًا في لوحة فأنت تعلم ماهية الكوب وغرضه في الاستخدام، ولكنك تدرك أنها لوحة أيضًا، لأن عقلك كان قد خزن من قبل معلومات عن شكل اللوحات، وبذلك إدراكك يقول لك أن ما تنظر إليه كوب في لوحة فنية، دون الحاجة للتفكير أو لترديد تلك المعلومة على ذهنك.

ولكن ماذا لو وقف الإنسان إلى لوحة من لوحات الفن المجرد، والتي لا تتشابه موجوداتها مع أي من المعلومات المخزنة لتشغيل حلقة عمل الإدراك في عقل الإنسان؟ وقتها سيكون على الإنسان أن يفكر ويستكشف ويشغل عقله في محاول لتفسير تلك الخطوط الجديدة غير المخزنة في عقله وفهمها، فيخرج عقلك من حالة الإدراك الآلية التي تعود عليها مع الواقع المحيط به، إلى محاول استدعاء معلومات من الخيال أو اللاوعي لتفسير تلك الأشكال غير المفهومة.

هل تريد إعادة تشكيل طريقة تفكيرك؟

نُشرت دراسة عام 2020 تحت عنوان «An objective evaluation of the beholder’s response to abstract and figurative art based on construal level theory» أو «تقييم موضوعي لاستجابة الناظر للفن التجريدي بناءً على مستوى التأويل» وكان الغرض من هذه الدراسة هو فهم ورصد ما يحدث لعقل الإنسان عصبيًا أثناء تحديقه في الفن التجريدي، وقد أشرف على هذه الدراسة عالم الأعصاب إريك كانديل بمشاركة مجموعة من علماء الأعصاب في جامعة كولومبيا.

في تلك الدراسة أثبتت النتائج التي توصل لها الباحثون أن التحديق في الفن التجريدي قادر -حرفيًا- على تغيير طريقة تفكير واستيعاب عقل الإنسان للأمور الواقعية في الحياة، إذ إن الاستمرار في التحديق في هذا النوع من الفنون يجعل لدى الإنسان القدرة على النظر إلى الصورة الكبيرة في كل أمور الحياة، دون الإغراق في التفاصيل الصغيرة التي قد تهدر مجهوداته هباءً.

وعلى مدار ثلاث تجارب ضمن تلك الدراسة، وجد الباحثون أن الفن التجريدي يميل إلى إثارة ما يعرف باسم «المسافة النفسية» في عقل الإنسان، والمسافة النفسية هي الفاصل المعرفي بين الذات والحالات الأخرى مثل الأشخاص أو الأحداث أو الأوقات، وعندما نشعر أن المسافة النفسية بيننا وبين الشيء أو الشخص أو الحدث بعيدة، يميل عقلنا لاستخدام التجريد وتصور المفاهيم أكثر من الغرق في التفاصيل، وقد قسّم علم النفس المسافة النفسية لأربعة أنواع هي: الزمان، والمكان، والمسافة الاجتماعية، والافتراضية أي الاحتمالية.

والمسافة الاجتماعية هي المسافة النفسية بين مجموعتين مثل مشجعي أندية كرة القدم المختلفة، والمسافة الافتراضية هي المسافة النفسية التي يشعر بها الفرد تجاه موقف يتوقع أو يفترض حدوثه وليس متأكدًا منه، على سبيل المثال حين يتوقع أحد المحبين أن شريكه سوف يخونه؛ فهو ليس متأكدًا من وقوع هذا الحدث ولا توقيت حدوثه ولكن هذا الحدث الافتراضي يكون له كيان معنوي بالنسبة للشخص، ولذلك يكون بينهما – الحدث والشخص- مسافة نفسية.

على سبيل المثال عندما يكون على الفرد تسديد قسط سيارته بعد عام، فهذا حدث ذو مسافة نفسية بعيدة وقتها سيشير الإنسان لما عليه أن يفعله بأنه «دفع القسط» باعتباره وصفًا مجردًا من كمية الأموال التي سيتم دفعها، بينما إذا كان موعد الدفع في الغد، سيقول الشخص «سأدفع غدًا 5 آلاف دولار للسيارة»، أو مثلما تقول كلمة «أنا أحتاج مالًا» فهذا وصف مجرد، ولكن حين تقول أنا أحتاج (ألف دولار) فهذا وصف محدد.

ولذلك عندما ينظر الإنسان إلى الفن التجريدي يشعر أن هناك مسافة نفسية بينه وبين فهم تلك الأشكال، وهذا يحفز المسافة النفسية بداخله، وعليه فهو يحفز في عقله التفكير التجريدي أو النظر للصورة الأكبر للأمور.

تقول دافنا شوهامي أستاذة علم النفس بجامعة كولومبيا، والمؤلفة المشاركة في الدراسة لموقع «إنفرس»، أن اللحظات أو الأحداث البعيدة نفسيًا نميل فيها للتركيز مع المفاهيم وليس التفاصيل، فمثلًا لو كان موعد خروجك مع أصدقائك في الغد، قد تكون المسافة النفسية للحدث قريبة وتستدعي من العقل الغرق في تفاصيل وتخطيط اليوم لدرجة الغرق في التفاصيل التي تصيبك بالسأم، ولكن إذا كنت من الأشخاص الذين يستطيعون التأقلم مع المسافات النفسية وتطويعها، فلن تقع في نفس الفخ، وستهتم بالصورة الأكبر للحدث وهو الاستمتاع مع أصدقائك، إذ تخلق مسافة نفسية صحية بينك وبين الحدث تمنعك من الغرق بوجدانك في التفاصيل المملة والمرهقة.

وتوضح – شوهامي- أن التحديق لفترات طويلة في الأشكال التجريدية يساعد الإنسان على الاستفادة من مشاعره الإيجابية، لأنه يغير حالته المعرفية بعيدًا عن التفاصيل الصغيرة الملموسة، للانتقال إلى الأفكار المجردة الأكبر، فلا يهتم «بجودة طعام المطعم» الذي يقابل به أصدقاءه، بقدر ما يهتم بـ«المتعة التي سيشعر بها بالتواصل مع أصدقائه»؛ وهذا يعتبر مثالًا استخدمته شوهامي لتبسيط الأمر، ولكن تعزيز وتحفيز المسافة النفسية في عقل الإنسان، قد ينقذه من الوقوع في أزمات نفسية أكثر تعقيدًا وإحباطات تقع له بسبب عدم قدرته على فصل نفسه نفسيًا عن التفاصيل الصغيرة في الحياة، وتقول شوهامي: «هذا يعني أن للفن تأثيرًا على حالتنا المعرفية العامة، وهذا يتجاوز فكرة الاستمتاع به، إلى قدرته على تغيير الطريقة التي نتصور بها الأحداث ونتخذ بها القرارات في حياتنا».

النظرة الشمولية للحياة..تجنبك الإحباطات

عندما تنظر إلى لوحة فنية تنقل لك مشهدًا واقعيًّا من الحياة، يكون واضحًا لك من الوهلة الأولى ما تراه، وستتعرف على الأشكال المألوفة في اللوحة من البشر والحيوانات والأشياء، ولكن عندما تنظر إلى الفن التجريدي فإن المخ يكون لديه عدد أقل من الإشارات والمدخلات التي يمكنه التعرف عليها ليخبرك بما تراه.

لوحة Mural لجاكسون بولوك المعروضة في متحف جامعة آيوا ستانلي للفنون مصدر الصورة موقع «ارتنيوز»

وفي دراسة نشرت بالعام 2011 تحت عنوان «Perceptual and Physiological Responses to Jackson Pollock’s Fractals» أو «الاستجابات الإدراكية والفسيولوجية لأعمال جاكسون بولوك» وهو واحد من أهم الفنانين التشكيلين في أمريكا الذين قدموا لوحات فنية مجردة، وجد الباحثون أن الإنسان عندما ينظر للفن التجريدي يحرك عينيه بشكل أكثر شمولية حول اللوحة بدلًا من التركيز على أشياء معينة.

ووصف مؤلفو تلك الدراسة أن طريقة النظر للفن المجرد بالـ«الإستراتيجية الاستكشافية»؛ وفي هذه الحالة لا يبحث عقل الإنسان في اللوحة عن تفاصيل، بل يبحث عن «معنى، ومنفعة، وقيمة»، ومع تعرضه لهذا النوع من الفن لفترات طويلة، تنطبع تلك الحالة الذهنية على تعاملاته العامة في الحياة، فتزداد عنده القدرة على النظر بشمولية للأمور، مما قد يجنب الإنسان الكثير من الإحباطات والألم النفسي.

«الفن التجريدي يحررنا من هيمنة الواقع»

في بحث يخص علم الأعصاب نُشر عام 2014 تحت عنوان «What does the brain tell us about abstract art?» أو «ما الذي يخبرنا به العقل عن الفن المجرد»؛ أكد مؤلفوه أن الفن التجريدي يجبر مشاهده على استكشاف ما بداخل نفسه، وأن الفن التجريدي يحرر العقل من هيمنة الواقع، ما يسمح للإنسان بالوصول إلى حالات عاطفية ومعرفية جديدة مخفية عنه تحت تفاصيل الحياة اليومية المرهقة، وهي عملية مهمة لأنها تتيح استكشاف مناطقة داخلية غير مكتشفة في عقل مشاهد الفن التجريدي.

فكيف يمكنك استغلال الفن التجريدي لاستكشاف المناطق الخاملة في عقلك، والأفكار التي تكمن في لاوعيك وقد تسبب لك معاناة وألمًا لا تعلم مصدرهم وأنت جالس في منزلك؟

في عصرنا الحديث، ومع تطور وسائل التكنولوجيا والبحث، لست في حاجة للذهاب إلى معارض فنية، أو شراء لوحات فن تجريدي بمالبغ باهظة، كل ما عليك فعه هو الاستعانة بالمصادر التي أدرجناها سلفًا في التقرير من لوحات ومقاطع مصورة، وتخصيص وقت من اليوم للتحديق في تلك اللوحات أو المقاطع، ولكن يجب التوضيح أن التحديق يختلف عن المشاهدة، فالتحديق هو النظرة الطويلة أو الثابتة تجاه شخص أو كائن ما إذ يصبح الكائن مركزًا للاهتمام البصري لفترة ما من الزمن بمعنى أنك سيكون كل تركيزك حرفيًا مع ما تنظر إليه من فن تجريدي.

المصادر

تحميل المزيد